بغداد – القدس العربي”:
شهدت العلاقات العراقية العربية والعراقية الأمريكية، هذه الأيام، نكسات متلاحقة ضمن تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني، وسط تصعيد التحالف الشيعي من انتقاداته وتهديداته لعدة دول في المنطقة.
وخلال أيام متتالية، منيت جهود حكومة بغداد، بالانفتاح على دول الجوار وتحسين علاقاتها بها، باخفاقات ومشاكل، أكدت هشاشتها وعدم استنادها على أسس استراتيجية ثابتة تراعي مصالح كافة الأطراف.
وأولى الاخفاقات التي واجهت الدبلوماسية العراقية هي المشكلة التي تم تفجيرها مع دول الخليج العربي، عندما دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، حاكم البحرين إلى التنحي، ضمن رسالة وجهها إلى البرلمان تعبر عن رؤيته لحلول أزمات العراق والمنطقة، وما أعقبها من تظاهرة لأتباعه أمام السفارة البحرينية في بغداد.
واعتبرت حكومة البحرين بيان الصدر “إساءة مرفوضة للبحرين وقيادتها، وتدخلا سافرا في شؤونها، وإساءة إلى طبيعة العلاقات بين البلدين”. وزاد رد وزير الخارجية البحريني، في تغريدة على “تويتر” من الأجواء المشحونة عندما أكد أن “مقتدى يبدي قلقه من تزايد التدخلات في الشأن العراقي. وبدل أن يضع إصبعه على جرح العراق بتوجيه كلامه للنظام الإيراني الذي يسيطر على بلده، اختار طريق السلامة ووجه كلامه للبحرين، أعان الله العراق عليه وعلى أمثاله من الحمقى المتسلطين” وفق تعبيره.
وبدلا من لملمة الموضوع، ردت وزارة الخارجية العراقية، بشجب ما اعتبرته “إساءة” وزير خارجية البحرين للصدر، واعتبارها إساءة للعراق وسيادته! وطالبت المنامة باعتذار رسمي، كما استدعت السفير البحريني في بغداد حول الموضوع.
ويتزعم الصدر كتلة “سائرون” التي تصدرت الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة بـ 54 مقعدا من أصل 329 ولديه نفوذ على الشارع الفقير من الشيعة، وسبق له مع القوى الشيعية الأخرى، أن أدان إجراءات حكومة البحرين ضد المعارضة الشيعية الموالية لإيران.
وكما هو متوقع من دول الخليج، فقد انبرت للدفاع عن البحرين، حيث أعلنت الخارجية السعودية “رفض التدخل بالشؤون الداخلية لمملكة البحرين وكل ما يمس سيادتها وأمنها واستقرارها” بينما أعلنت الإمارات أنها تتابع بـ”اهتمام كبير وقلق بالغ، البيانات والتصريحات الواردة من العراق تجاه البحرين وقيادتها” داعية إلى الالتزام بمبدأ السيادة، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية لمملكة البحرين الشقيقة والتجاوز على حرمة ومكانة قيادتها.
ولم تكن حادثة البحرين الوحيدة التي عكرت العلاقات العراقية الخليجية، حيث شنت القوى الشيعية هجوما عنيفا على السعودية، عندما اعتبرت قيامها بإعدام مجموعة من أبناء محافظة القطيف (المدانين بالإرهاب) بأنه “يكشف عمق الخواء والنفاق والإجرام لحكامها” عادين ذلك محاربةً لفكر أهل البيت، ومطالبين “بموقف حازم وفاعل من شأنه أن يردع الاستهتار السعودي بدماء المسلمين الشيعة في مختلف أنحاء العالم”.
أما الكويت، فقد أأحاط متظاهرون غاضبون بقنصليتها في البصرة وقاموا بإنزال العلم الكويتي من فوق مبنى القنصلية بطريقة مهينة، مع تهديدات للكويت، بحجة إساءة أحد شيوخ الكويت لنساء البصرة. كما أعلنت وزارة الخارجية العراقية “إن عملا دبلوماسيا عالي المستوى يجري بين بغداد والكويت، ردا على تصريحات شيخ قبيلة العوازم فلاح بن جامع الذي قال في مقطع فيديو إن عشيرته ليست لديها راقصات (من بناتها) وإنما الراقصات قدمن من محافظة البصرة العراقية”.
أما العلاقات العراقية الأمريكية، فلها حصة الأسد في استهداف القوى الشيعية لها، وبدأ ذلك بانتقادات وتهديدات أطلقتها الأحزاب والقوى الشيعية للسفارة الأمريكية في العاصمة العراقية في أعقاب إصدارها بيانا أأكدت فيه فساد نظام طهران واتهمت المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بالاستحواذ على 200 مليار دولار من أموال الشعب الإيراني. ونددت تلك القوى بما سمته “تطاول السفارة الأمريكية على مرجع ديني كبير” مهددة بالرد بمختلف الوسائل على هذه الإساءة. وهو ما جاء منسجما مع رفض الخارجية العراقية بيان السفارة الأمريكية، وتأكيدها أن العراق لن تكون أراضيه ممرا أو منطلقا لإيذاء دول الجوار بأي شكل.
وفي السياق، كرر زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، تهديداته باستهداف السفارة الأمريكية في بغداد إذا “تورط” العراق في صراع واشنطن مع طهران. داعيا إلى إغلاق السفارة الأمريكية حال تورط العراق في هذا الصراع.
وحتى بالنسبة للعلاقات العراقية التركية، فان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ورغم حثه للتعاون الواسع بين البلدين، إلا أنه كرر لوزير خارجية تركيا لدى استقباله تمهيدا لزيارة الرئيس التركي رجب اردوغان للعراق قريبا، دعوته إلى حل جميع المسائل العالقة بين الحكومتين العراقية والتركية وتوقيع اتفاقيات وتعاون مباشر حول المياه والنفط والأمن، وإنهاء قضية تواجد القوات التركية في منطقة بعشيقة دون استحصال موافقة الحكومة العراقية.
ويبدو واضحا للمراقبين للمشهد العراقي، ان استهداف بعض القوى الشيعية للعلاقات العراقية مع دول الجوار والولايات المتحدة، ومجاراة وزارة الخارجية لها، ليس بعيدا عن تداعيات التهديدات والعقوبات الأمريكية على إيران، وتطورات الصراع الأمريكي الإيراني، وهي مواقف تعكس حجم النفوذ الإيراني على بعض القوى العراقية وتعزز تردد بعض الدول في الانفتاح على حكومة بغداد. كما تؤكد أن أجندات صراع القوى الداخلية والإقليمية والدولية ستترك لا محالة انعكاساتها على علاقات العراق الخارجية، مهما بذلت حكومة عادل عبد المهدي من جهود لإصلاحها وتحسينها.