ما دام الجسد مغتصباً والتاريخ مغيباً فلا يمكننا التفكير بخلق منظومة ثقافية عربية قادرة علي التكلم بلغة العصرالهجرة في الأدب العربي المعاصر لعمر الشارني (3 من 3)
سعيد بوخليط الطيب صالح: وموسم الهجرة إلي الشمالهذه الرواية معروفة أكثر عند القارئ العربي وهي ذات بناء تقني دقيق جدا ومهيأ بما فيه الكفاية.
بعد عودته من إنكلترا، حيث أنهي أطروحته الجامعية، وبعد لقائه بالمعارف القدامي، فإن الراوي سيتعرف علي مصطفي سعيد وهو إنسان غريب الأطوار والمزاج، شخصية كيفية تميل أكثر إلي البوهيمية جاء إلي القرية وتزوج من ابنة أحد السكان. وفي حقيقة الأمر، فالأمر يتعلق هنا بالبطل الحقيقي كذات تعشق المغامرات والرحيل واللا-استقرار والأسفار الكبري، يقول الأستاذ الشارني: مثل كل العباقرة، فإن شخصية مصطفي سعيد متعددة الأشكال والمعاني: إنه لكل العوالم والمغامرات. ويؤثر في محاوره صديقه الوثيق منذ أول لقاء، يسكنه ويلازمه في عزلته ولقاءاته.
يظهر مصطفي سعيد كشخص منقطع عن جذوره، بلا ماض أو ذاكرة حاملا شعار أنا أكذوبة. بلا أم أو أب يفتقر لأي نوع من الارتباطات الاجتماعية. كائن مختلف عن باقي الكائنات الآدمية الأخري، بلا عواطف أو أحاسيس. إنه كتلة متجمدة من المشاعر التي تنتاب باقي البشر.
أول مشهد تم التركيز عليه في الرواية، هو تواتر تيمة المدرسة في مجموعة من مقاطعها. والمسألة ليست وليدة الصدفة أو الاعتباط. ذلك أن المدرسة تشكل ـ وظلت دائما كذلك ـ في برنامج المثقف الوطني التقدمي مشروعا مجتمعيا وحضاريا من أجل تحقيق التقدم وتجاوز التخلف.
إن تعميم تعليم منفتح ومتين كأولية، كأولية في قلب الاختيارات الاجتماعية، يمثل ذلك بلا شك مفتاح المجتمعات العربية من أجل الدخول إلي حلقة الأمم المتقدمة.
لقد سعت الديكتاتوريات السياسية دائما إلي إفشال بشتي الوسائل، العلاقة الإبداعية التأسيسية الجدلية بين المدرسة والمجتمع. بل ظل رهانها قائما بالأساس علي تفعيل شعارات دوغماطيقية جوفاء، وإفراغ المؤسسات التعليمية من أي مضمون أو محتوي تقدمي، بل ووضع البرامج الدراسية علي مقياس ومنوال الطموحات السياسية الاستبدادية لهذه الأنظمة. بالتالي كانت النتيجة مأساوية: نسبة أمية كبيرة تنخر وتستنزف جسد الوطن العربي، والإحصائيات مخجلة في هذا السياق، إضافة إلي ضعف هذا التعليم وضحالة مردوديته. أو عجزه الكلي عن النهوض بالمهام التاريخية المنتظرة منه.
يشكل مصطفي سعيد باكورة هذا العنف السياسي والعسكري والثقافي الذي يمارس يوميا علي المواطن العربي. إنه بالأحري عنف رمزي، يغتال تاريخه وحاضره وتطلعاته وأحاسيسه وأفراحه وأحزانه…. وينعكس بلا شك علي توازنه النفسي.
عاش مصطفي سعيد هذا العنف في صورته التراجيدية والمأساوية والتي وصفها علي مستوي علاقاته الغرامية الكثيرة والمتعددة حيث أعطاها أقصي احتمالاتها علي مستوي التحقق، وكانت علاقات عنيفة في أغلب الأحيان، لكنها في حقيقة الأمر تستند علي رؤية فلسفية عميقة جدا. تظهر تطور الذات العربية والوعي العربي في صياغة مفهومية جديدة للعلاقة بالآخر والعالم.
ركز مصطفي سعيد كثيرا في مغامراته العاطفية هاته علي ثقافة منظومة الجسد، باعتباره اللغة الحقيقية والطبيعية التي يمكن أن يتكلمها الجميع دون اختلاف في الفهم والتمثل: هذا الهاجس بالجسد يشتغل كحيز للحقيقة المؤكدة، حيث ينتفي كل خداع أو كذب لتظهر الحقيقة الإنسانية في عرائها وصفائها. كل شيء يقوم كما لو أن العقول انخدعت، ولم يتبق للبشر سوي اللغة الطبيعية تلك التي تربط بين الأجساد وتمكنها من التواصل في صمت أي في تركيبها الخاص: لغة الحب والموت كما أنه: فيما وراء أكاذيب الثقافة والعوائق والانشطارات والمصالح والأنانيات، ثم والحسابات الدنيئة وكذا الأنفس البئيسة، تبقي طريق الطبيعة والجسد قادرة علي أن تسود عند كل واحد منا وتجعله يدرك العلاقة مع الآخر.
نستخلص بمعني من المعاني دعوة لتجاوز لغة الإيديولوجييا والأفكار والتمركز علي الجسد، لأنه اللغة الوحيدة التي توحد وتجمع بين الأفراد والشعوب، وتردم الهوات والاختلافات وتملأ الثغرات التي تصنعها وكذا التمايزات بين الأمم والشعوب. باختصار، الجسد لغة يتكلمها ويفهمها الجميع: كل شيء يتم في الواقع كما لو أن ثقافات الجسد، البسيطة والوفية لإنسانيتها تظهر اليوم كأفق للخلاص، وواحات للسلام ومرافئ للحب. وبإمكان البشرية أن تجد من خلال ذلك بعضا من شبابها. يبدو أن ثقافات الجسد والشهوة تشتغل اليوم بالنسبة للعالم الصناعي تقريبا مثل المجتمعات البدائية بخصوص المجتمعات البوليسية.
ظل الأفق الفكري للمجتمعات العربية، ينظر بنوع من الارتياب إلي الجسد: مما جعل التراكمات النظرية في هذا الإطار قليلة جدا، لأنه تم الربط دائما بين الجسد والخطيئة، كما أن الإيروس يحيل علي الطابو والمحرم.
الحديث عن الجسد في الثقافة العربية مبحوح ومحتشم بل مجروح.
الجسد محاصر، لأنه الذات في فاعليتها المباشرة والآنية. وبما أن الأنسقة الكليانية، والمنظومات الدوغماطيقية تتوخي تحييد وقتل هذه الفاعلية، فإنه من الضروري ضبط العنصر الأساسي في هذا اللعبة وتحويله إلي مجرد هيكل.
حمولة معرفية ونص ايديولوجيكل تحرر للأجساد يمثل انطلاقة واندفاعة كبري للتاريخ. ولذلك فإن رواية موسم الهجرة إلي الشمال، إضافة إلي نصوص أخري رسخت رؤية ومنظوراً جديدين للمتن الروائي العربي، وكذا الحمولة المعرفية والمضمون الإيديولوجي لخطابه. وبالتالي، إضافة إلي جدتها وروعتها علي مستوي اللغة والرؤية الفنية ومضمون الوعي، فإنها، خاصة مقاربة جديدة ومبدعة للجسد، ارتفعت بهذا الكيان إلي درجة متميزة حضاريا.
لقد توقف علي أن يكون خطيئة، أو مجرد أداة للإشباع الغرائزي بل استرجع وبامتياز قيمته الفلسفية. أن تكتب عن الجسد، معناه أن تكسر جدار وحاجز الصمت عن جزء كبير من الثقافة العربية بقي مهملا وهامشيا ومغيبا، في حين أنه يمثل تعبيرا كبيرا داخل الثقافة العربية. لذلك من الحتمي، خلخلة ثوابت هذه القيمة المحظورة.
الجسد محظورعند السياسي ورجل الدين وأصحاب المعتقدات الجاهزة…. ولا شك أن الذات المحاصرة لا تخرج عن براثين هؤلاء، حيث نجد العلاقة عكسية وطردية بين الذات العربية ووجود هؤلاء.
كلما ضعفت سلطة الكليانية تحررت الذات. أما حينما تتقلص وترتد مدارات هذه الذات فإن لحظة السياسي المحافظ والمتدين الرجعي تصير محددة لما سواها.
يجب إذن القيام بعمليات أركيولوجية داخل الثقافة العربية القديمة منها والحديثة للتنقيب عن النصوص التي تستلهم هذه الروح الحداثية واستثمار ذلك لبناء هذا الأفق الجديد الذي نتوخاه لتقافتنا.
هناك تطوير في الرواية وصياغة جديدة لثقافة الجسد وكذا ثقافة الطبيعة. ذلك أنه في الصحراء الشاسعة ذات الطبيعة القاسية والقاحلة، فإنه يتم التمركز بشكل كبير علي التوظيف الجسدي والقوة الفيزيائية، حيث يلعب ذلك دورا محددا وأساسيا في المجابهة المباشرة مع الطبيعة وتتضاعف القيمة الحضورية والتأسيسية للجسد. يعقب الأستاذ الشارني علي ذلك قائلا: الثقافات المتواضعة أو الباردة لم تعد بأي شيء: مع بقائها ملتصقة بتواضعها وبرودها. فإنها لم تترك أبدا مجالها: لقد بقيت دائما كما كانت ثقافات للجسد. مند البداية ينكرون الجسد، حتي ولو كانوا في الغالب ضحيته الصامتة والمحددة. لقد جعلوا دائما من الجسد في الآن ذاته فضاءهم الرمزي وكذا ثروتهم النفسية: شيء تجب صيانته وإعادة إنتاجه، وموضوع يجب تقويته وكذا التسامي به. وسيلة نعيش بها الطبيعة ونتمتع بها.
الاحتكاك بالطبيعة والقسوة التي تبديها، ثم محاولة السيطرة علي قواها هو ما يوحد الشعوب بأكملها، ويجعلها تواجه المصير نفسه. من ثم تتكلم لغة مشتركة أي لغة الجسد. ففي صحراء شاسعة ومترامية الأطراف لا يمكن إلا الرهان علي الجسد، لأنه وحده يكفل البقاء.
مصطفي سعيد والذي ظل يعرف نفسه كأكذوبة، نبي الصحراء الجديد، جاء كمنقذ للإنسانية ومبشر بثقافة وفلسفة بديلتين للجسد. لأنه في الحقيقة الأمر المقياس والمرجع الوحيد لكل ثقافة تسعي الي إعطاء الإنسان آدميته الحقيقية.
تحديد الذات باعتبارها أكذوبة ـ شيء غير قائم، مجرد عدم ومساحة لغوية تلوكها الألسن في حين لا مقابل لها علي أرض الواقع ـ يمثل وعيا نقديا إيجابيا يقابل بشكل جذري الوعي النرجسي المرضي كما يحضر عند توفيق الحكيم.
أنا أكذوبة، وان كانت تظهر نوعا من الدونية والعدمية، فإنها علي المستوي النفسي تعكس شعورا صادقا وتاريخيا، يؤكد بأن هذه الذات حية جدا، ومشاعرها قائمة. تتفاعل جدليا وبشكل ذكي وجيد مع الأشياء والعالم. إنها لا تقتنع ولا ترضي بتاريخها بل تطمح دائما إلي الممكن المنفتح الذي هو أفضل وأحسن.
أنا أكذوبة، انتقاد تاريخي وبلاغي من الناحية الانطولوجية لواقع يثير التقزز والغثيان عند نموذج إنساني كيفي ومتميز جدا كما هو الشأن مع مصطفي سعيد.
انا اكذوبةأنا أكذوبة، إيمان يقيني بالمستقبل وخلق لانفتاحات لا نهائية لكي تبلور الذات كل احتمالاتها. تكسير وتحطيم أصنام نرجسية فارغة، منتفخة بأوهام وسذاجة اليقينيات والمعتقدات الزائفة. حالة صادمة لوعي يعتقد بأنه مكتمل ومطلق.
أنا أكذوبة، بداية وفاتحة عهد جديد للوعي العربي.
لحظة تأسيسية بامتياز. فالإحساس بالعبث وباللاجدوي يفصح عن وجود خلل في علاقة هذا الوعي مع نفسه والعالم. شعور بقدر ما ينفي ويلغي فإنه يؤسس ويبني ويبدع.
يقول الأستاذ الشارني مختزلا رؤيته المعرفية لمغامرات هذا العربي الجديد مصطفي سعيد في تجاوز جريء لانطوائية محسن:” بالموازاة نعاين لاتمركزا للذات، كتشهير ذاتي يأخذ شكل نقد ذاتي، ورد الاعتبار للآخر أو في جميع الأحوال تحييده كوجه غريب عن مأساة الأنا. ولكن يظهر بأن هذه المحاكمة تشير إلي نشوء تراجيديا، نلاحظ بأنها تظهر وتنمو وتنحل حسب تمنهج وعي نقدي مستعد لمواجهة العالم وكذا مواجهة عالمه، وأن يبدو قويا في تحمل مصيره وأن يمتص ذاتيته.
لم تكن الرواية الأولي إلا نشيد ذاتية منذهلة بنفس سعيدة، راضية عن ذاتها وأسطورتها. ولكن مثل كل نفس سعيدة. فإنها تفرغ العنصر الدرامي وتدفعه إلي ماوراء حدود ذاتيتها، والتي تظهر بأنها أسرها الحقيقي. إنها نفس تمتدح الغني في لب فقرها، والحرية في صميم عبوديتها ثم المعرفة في جوهر جهلها.
إنها أسير أوهام تجعل منها ديكورات متسامية لسجنها. لأن النفس السعيدة كيان تعويض، تبحث علي حجب فرغها بأثاث من قش وأن تبدد عتمتها العميقة بنيران زائلة. في هذه العلاقة مع ذاتها والعالم تندرج علاقتها مع الآخر، والذي يختفي هو كذلك في حقيقتها، ويظهر في صورتها الوهمية. لهذا السبب، فإن هذه العلاقة لا تقوم لا علي اتفاق أو اختلاف ولا تعطي حيزا لتحالف أو مجابهة. إنها مستوعبة كليا في نوع من العلاقة الانطوائية والنرجسية حول الذات، حيث تحاصر الذات وتخفي عنها وجه العالم. بالمقابل، فإن الرواية الثانية تمثل لائحة سوداء عن عالم يتزحزح حيث يقوم الوعي الشقي بشكل مريح. هنا تصنع المأساة دخولها المجلجل إلي العالم الروائي العربي. تظهر الذات صراحة اضطرابها العميق وتعلن علانية وبقوة عن جرحها وتمزقها. مع ذلك، فإن المأساة تبقي حبيسة عنصر خارجي يبدو بأنها تعيشه كحتمية. كما هو الحال، مع اليونان فإن البطل بالتأكيد يتحرك بقوي داخلية، تفرض عليه من الخارج ولا يمكنه إلا الخضوع لها بشكل أعمي.
إنه مشهد جميل في سواده ترسمه الروح العربية المستسلمة لقدرها والخاضعة لمصيرها، مصير ترسخ منذ الأزل. لكن ما يثير الانتباه، هو أن العلاقة مع الآخر تندرج ضمن منطق القدرية. بقدر ما تحمل الذات اضطرابها وتصرخ تمزقها، فإنها تنخرط في المجابهة والصراع مع الآخر، إنه صراع مفتوح وقوي، يحدث علي جميع المستويات ولكنه ينتهي دائما بفشل الذات، لأنه في حتمية القدر هاته التي تسلب البطل، فإن الفشل عملة مهيمنة، بدونها فإن المأساة لا معني لها. في شبكة القدر هاته، يجب في الواقع أن يكون الآخر مرتبطا بقوي الشر، مجسدا عنصر مؤامرة واسعة ضد الذات، تأخذ أحجاما كونية تقتضي من بين شروطها سقوط الذات.
بطل حقيقي للتراجيديا العربيةمصطفي سعيد بطل حقيقي للتراجيديا العربية بذاتيته المضطربة وخضوعه للقدرية ثم فشله النهائي والمميت. لهذا السبب ومثل بطل عند شكسبير فإنه لا يتوقف عن تعريف نفسه كـ شبح، طيف و أكذوبة. إنه يمثل هذا الوجه السياسي والفني الذي لازم وأغري في جماليته الروائية الوعي العربي الملغوم بهذه التناقضات، والغارق في واد من الدموع يحتفظ بالكاد علي القوة بأن يقول النجدة.
أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد:
رواية أحلام مستغانمي، قصيدة مهداة إلي الهجرة والمنفي والألم والحنين.
تصفية حساب مع التاريخ والذات، ومحاكمة لما مارسناه علي هذا التاريخ.
وفي حين كانت رواية موسم الهجرة إلي الشمال نفسها إعادة تصفية حسابات مع التاريخ بمعني من المعاني، لكن كمقولة كونية مجردة، ذات حمولة فلسفية عميقة، فإن عمل مستغانمي يحاكم ويمارس نقدا ذاتيا علي تاريخ وقائعي وسياسي مباشر.
تأملات الطيب صالح تحيل علي تراجيديا إنسانية في صراعاتها النفسية والوجودية، تعيش تمزقا وانقساما بين إكراهات المصير المشترك المرتبط بوضع زماني ومكاني محددين ثم طموحات شخصية لا نهائية.
بينما رواية أحلام مستغانمي تفضح وتكشف عن فشل المشروع السياسي للدولة الوطنية، وإحباط أجيال بأكملها نظرا للإخفاقات السياسية والاجتماعية الكبيرة التي تلت مباشرة ما سمي بتصفية الاستعمار، وإن كان من الضروري وضع ذلك بين مزدوجتين نظرا لأن خروج هذا الاستعمار بقي في نهاية المطلق صوريا وشكليا بعد أن وطد طبقة إقطاعية هجينة، حتي ترعي مصالحه الاقتصادية والعسكرية. وبالتالي، فالثورات التي خلفت آلاف الشهداء والمناضلين ـ يكفي أن نستحضر مثال الثورة الجزائرية ـ ذهبت سدي وعبثاً ومع أدراج الريح. كانت تضحيات هؤلاء مجرد نباح كلاب، حيث سرعان ما عادت الأمور إلي طبيعتها الأولي. اشتغلت الأنظمة العسكرية والديكتاتوريات الفاسدة وفق الاستراتيجيات الاستعمارية لتبقي البنيات المجتمعية جامدة، وما نتج عن ذلك من تراكمات تحولت مع مرور الأيام إلي أزمات هيكلية وبنيوية تدفع اليوم الشعوب الثمن غاليا بسببها.
لا تخوض رواية أحلام مستغانمي في تاريخ مثالي، ولكنها تقوم علي أحداث محددة ومعطيات واقعية. تاريخ يظهر كخلاصة سلبية. وتختلف عن عمل الطيب صالح في كونها تقود مشروع محاكمة مقصودة للذات والمجتمع، مع تبني طريقة الرواية السياسية. لكنها علي منوال موسم الهجرة إلي الشمال، فإن النص يقارب ويمارس لعبة لغوية عن تاريخ يختلط ويمتزج فيه الحب بالموت. بطل ذاكرة الجسد يعيش سيكولوجيا تمزقات وتشظيات كثيرة ومتعددة. فالمونشو الذي يقيم في باريس بعد أن فقد يده في الجبهة وترك الجزائر، يتأمل من منفاه الاختياري وبشكل ساخر مفارقة سوريالية، حيث مكر التاريخ واستهزاء القدر. ذلك أن أولئك الذين ظلوا يحاربون المستعمر الأوروبي هم الذين يلهثون اليوم إلي قنصليات هذا المستعمر في طوابير طويلة من أجل الحصول علي جواز العبور. أوروبا هي الملجأ والخلاص.
يعني ذلك بان التاريخ توقف عن السريان كليا. لم نحقق أي شيء منذ خروج المستعمر عن الأرض العربية. وبالتالي فإن شعوب المنطقة تجد نفسها محاصرة بين مخالب واقع اقتصادي واجتماعي مترد جدا، مما يدفعها إلي هجرة أوطانها للبحث عن حق في الحياة وشرط مقبول للوجود.
يخرج الوعي العربي هنا من تمركزه الذاتي ويترك نرجسيته الطفولية. ثم يتجاوز تمزقه التراجيدي القاتل حيث يتعامل مع الآخر بنوع من الموضوعية والنضج والحكمة. وتتحول الهجرة إلي فضاء للتأمل وخلق المسافات. إنها ليست مرآة تحيله إلي ذاته كما هو الشأن مع الحكيم.
ولا صحراء تدفعه إلي تحققه الكلي أو النقي المطلق كما يحدث مع الطيب صالح، بل علي العكس تشكل الهجرة في ذاكرة الجسد مجالا للهدوء والسكينة والتفكير. كما أن الآخر يغير من وجهه، فهو ليس أخرية الذات، بل وجهاً ثانياً للذات نفسها في لحظة مجابهة: يغير الآخر من وجهه، إنه ليس قط الآخرية أو إفساداً للذات، سلطة غربية عنها بحيث يتواجدان في علاقة مجابهة تاريخية، إنها الوجه الآخر للذات، نصيبها الملعون وجزؤها الفاسد. تصور يسعي إلي رؤية جديدة للتاريخ تزيح عنه الحمولة التيولوجية و الإكلينيكية، لكي نلمس تطوره الموضوعي العقلاني.
فأكبر سؤال يطرح اليوم علي الوعي العربي – والأدب العربي بطبيعة الحال مكون أساسا لهذا الوعي- يتمحور حول التاريخ والزمان. والتفكير في ذلك، يعني محاولة القبض علي المصير.
تشتت وتبعثر إمكانات الذات في الزمان والتاريخ يحتم مسألة البحث في العلاقة التداخلية والتفاعلية بين الزمان وهذه الإمكانات.
الزمان وحده يموضع هذه الإمكانات ويحدد لها شروطها. وبالتالي يشكل التنظير للزمان مدخلا أساسيا ومفتاحا لكل تحقق فكري سليم.
افتقر الوعي العربي للزمان والجسد والتاريخ. أصبح يحاصر ممكناته باستمرار لأن الجسد حرية والزمان سيرورة والتاريخ تبلور. أي علاقة بين الزمان والتاريخ؟ الزمان مقولة ميتافيزيقية والتاريخ مجال وقائعي الأول رؤية مفهومية والثاني تموضع تجريبي.
لقد ظل التاريخ العربي ملتصقا بمفهوم ثيولوجي.
فالزمان سيرورة إلهية والتاريخ لحظة مطلقة تكتمل في غياب أية مبادرة بشرية. فهم ستكسره رواية ذاكرة الجسد وقبلها موسم الهجرة إلي الشمال. حيث التاريخ وضعي يأخذ مساره الحقيقي باعتباره حصيلة مواقف واختيارات إنسانية محضة. لذلك يمكننا إعادة كتابته من جديد وتجاوز صيغه الخاطئة. الارتكاز علي التاريخ باعتباره الحلقة المفقودة أو المغيبة من قبل أعداء التاريخ، أي أولئك الذين يتوخون بقاء المجتمعات العربية علي الهامش منه. ننتقد تاريخنا السياسي ونسعي إلي تجاوز زيف وأغلوطات إرثنا الثقافي.
الشعوب لا تملك إلا تاريخها، وتكتب حكاية الوطن بعرقها ودمها: بينما آخرون يكتبونه في جدادات وكذا أرشيفات بوليس فظيع وجيوش دموية ثم يوقعونها بختمهم الزجري. تم حقا اغتيال التاريخ العربي، وانحرف عن الدروب التي كان عليه أخذها من أجل أن يكون تاريخنا الحقيقي والفعلي. ممتليء بالأكاذيب والديماغوجية.
وبالتالي فإن أسماء مثل مصطفي سعيد أو المونشو وغيرهما في نماذج إبداعية أخري، تمثل في حقيقة الأمر تراكمات كيفية في تطور هذا الوعي. تؤكد علي ضرورة محاكمة التاريخ بكل نزاهة وموضوعية وتجرد من أجل الحاضر والمستقبل.
العودة إلي الماضي، تكون هنا نسبية محكومة برؤية تاريخية للوقائع والمعطيات وبالتالي لا تضخيم ولا تعديم. وإنما تأخذ الأحداث حسب شرطها وحجمها الواقعي.
لقد ظل التاريخ عقدتنا بامتياز، يخيفنا ونخشي من لعبة مكاشفته فتحدث عملية الهروب والمراوغة، كما نخلط بين التاريخ والتراث. يتم الحديث عن أحدهما باسم صور الآخر، نسقط صورتنا التقليدية للتراث علي التاريخ، في حين تأخذ المعادلة الصيغ التالية: التاريخ تراث، وللتراث تاريخ.
التاريخ حكم بشري وقيمة انسانية، من الضرورة إذن خضوعه لمنطق وضعي انطلاقا من عملية تقويم لانفعالات وعقلانيات تتأرجح بين جدلية السقوط والتحقق.
التاريخ إذن هو محور الروايات الثلاث، لكن مع اختلاف الرؤية فيما يخص المقاربة. مع الحكيم بقي هذا التاريخ غالبا ومسيطرا وقابعا داخل أقبية من ذهب. وفي اللحظة الثانية مع الطيب صالح وأحلام مستغانمي، فإنه سينزل من برجه لكي يخضع للفحص والتحليل والتمحيص والنقد ثم المحاكمة إيجابا أو سلبا.
يجب أن تحقق ثورة علي مستوي الكتابة، تلامس أجسادنا وتاريخنا، حتي نعيد لرؤيتنا حيال العالم شيئا من انتباهها ويقظتها.
اغتصاب التاريخما دام الجسد مغتصباً والتاريخ مغيباً أو مزيفاً فلا يمكننا البتة التفكير في إمكانية خلق منظومة ثقافية عربية قادرة علي التكلم بلغة العصر.
الأعمال الثلاثة صرخة ضد واقع عربي مترهل، تحركه مؤسسات ثقافية وسياسية واجتماعية شائخة وقروسطية تقوم علي نظرية ماضوية ونزعة تقليدانية. يقول الأستاذ الشارني وهو يتأمل الموقف: بالتأكيد فالتقليدانية سلوك ينحو إلي إعادة إنجاز حلول مستهلكة داخل مواقف جديدة. إنها تمثل بشكل عام نوعا من اليرقان التاريخي يعيق بل يوقف أحيانا وبشكل جلي تطور الشعوب التي يصيبها…. لهذا السبب، فإن التقليدانية لم تكن أبدا واقعة كونية داخل مجتمع ما. إنها دائما موقف مجموعة إن لم تكن طبقة يجب دائما محاربتها.
خيانة الثورة والمبادئ الكبري التي ذهب ضحيتها آلاف الشهداء وذلك لتحقيق مجتمع عادل يقتسم ثروته وخيراته الجميع، وفشل المشروع السياسي الوطني أديا إلي دخول المجتمعات العربية مرحلة ما قبل الكولونيالية وإخضاع المواطن العربي إلي سيادة أنظمة كليانية لا تؤمن إلا بالحكم الفردي الأتوقراطي. عملت علي تجميد المسارات الطبيعية الممكنة لأي تقدم مجتمعي، فأقامت دولة داخل الدولة وعملت علي اجتثاث كل ملامح ولبنات المجتمع المدني الذي تسيره مؤسسات حرة.
لقد تحدث المونشو في ذاكرة الجسد عن نوع من الاغتصاب الســياسي le viol politique لرسم الصورة التي حدثت مباشرة بعد الاستقلال بين حركات التحرر والأنظمة السياسية. الاغتصاب في مفهومه الجنسي يمثل ويعبر عن واقع حقيقي، تم فيه خطف واغتيال عذرية التاريخ أي تلك الأحلام العفوية والنبيلة لكل الناس وحقهم الطبيعي في حياة كريمة. يقول الأستاذ الشارني: نلاحظ إذن قيام معادلة بين الصنف الجنسي للتملك المغتصب للوطن، والصنف السياسي للتملك العنيف، أي بالقوة ودون شرعية.
تطرح رواية أحلام مستغانمي إذن كخلاصة فشل الأنظمة الوطنية في تحقيق استقلال فعلي وحقيقي، واستثماره من أجل بلورة اختيارات سياسية واقتصادية حقيقية، كان من الممكن أن تضعنا حقا في قلب التاريخ.
لقد أخذوا البلاد واغتصبوها سياسا، بالمفهوم الجنسي للكلمة. لذلك فإن المونشو وضع في نفس المستوي، الاغتصاب السياسي والجنسي ما داما يحيلان علي المعني ذاته. كما أن الوطن كالمرأة مشاعرهما زئبقية تعيشان أقصي تجلياتها.
قد يحتضنك الوطن ويضمك بقوة إلي صدره حتي تكاد تنقطع أنفاسك. كما قد يتحول إلي وحش يلقي بك إلي أقصي غياهب الجحيم.
وربما الصيغة التي حضرت بها المرأة عند مصطفي سعيد أو المونشو، كما كشف عنها الأستاذ الشارني بذكاء وبلاغة يمكن أن نعكسها هنا علي الوطن لنقول: يتم تقديم المرأة كغاية ومرة كوسيلة، ومرة كحاملة للحب والأمل”خصوبة” ومرة يتم ربطها بالحيل والمساومة والابتزاز. ومرة يتم تملقها ومداهنتها ومجاملتها واحترامها ومرة مكروهة ومرفوضة ومحتقرة وتباع بالجملة أو التقسيط.
هو الوطن كذلك، يتواري أحيانا من مساحة أحلامنا، حينما يتنكر لجوارحنا. لكننا رغم كل شيء نعشقه إلي النخاع مثل المرأة تماما.