صعايدة المسلسلات

حجم الخط
0

صعايدة المسلسلات أحمد عبد الرازق كنت أشاهد مسلسلا آخر عن الصعايدة من تلك المسلسلات التي باتت الشاشة الفضية تعج بها والتي أعترف أن معظمها يصور أهل الصعيد على أنهم كائنات قادمة من عوالم آخرى عندما فاجأتني فكرة لذيذة كانت زوجتي أول من تلقفها مني قلت لها بصورة عفوية ومفاجئة ‘لو رصدوا لأهل الصعيد مئة جنيه عن كل حلقة من تلك المسلسلات التي يمثل الصعايدة فيها مادة التسلية المجانية للملايين لصار حال الصعيد والصعايدة أفضل مما هو عليه الآن بمراحل’ وقبل أن أخوض في المزيد علي ان أعترف أيضا أن بعضا من تلك الأعمال التي تناولت صعيد مصر والصعايدة اقتربت إلى حد كبير من واقع هؤلاء الناس الذين يعانون الامرين في معيشتهم.

ما تزال الأعمال الفنية المطروحة عبر المسلسلات التليفزيونية المصرية تدور في فلك رؤية لم تتغير للصعيدي المتنفذ القوي عضو مجلس الشعب وتاجر السلاح الذي يملك القصور والاطيان والذي يحيط به رجال اشداء يأتمرون به (همام أبو رسلان في افراح ابليس وسيادة النائب جعفر العرباوي في موعد مع الوحوش ومندور بيه ابو الدهب في حدائق الشيطان) وهذه ليست سوى أمثلة للعديد من الأعمال التي اغرقت في رسم صورة ربما لاتمت للقاعدة العريضة لأهل الصعيد بصلة ومع إدراكي لحقيقة أن العمل الفني لايجب أن يكون رصدا حرفيا للواقع وأنه لابد من بعض الخيال إلا أن الإسراف في الخيال أحيانا يكسر الحد الفاصل.

بين الحقيقة والزي.. والحقيقة الواقعة هي أن معظم من كتبوا تلك الأعمال و التي تكسر الحد الفاصل بين الخيال والواقع ربما كانوا من أبناء الصعيد أصلا لكن الحقيقة أيضا هي انهم فقدوا تلك الصلة بواقع الصعيد فهم يكتبون عن واقع انفصلوا عنه لسنوات ولايعيشون تفاصيله بالمطلق.. والواقع الذي لاتعكسه جل تلك المسلسلات هو أن معظم محافظات الصعيد ترزح تحت الفقر المدقع ووفقا لمعظم التقاريرالصادرة عن الأمم المتحدة أو عن منظمات مصرية فإن معظم الفقراء في مصر يتركزون في صعيدها ويشير التقرير الأخير للأمم المتحده عن الفقر في مصر إلى أن أغلب الفقراء في مصر يعيشون في محافظات الوجه القبلي، حيث تبلغ نسبة الفقراء فيها حوالى 55.2’من إجمالي عدد السكان، بينما تنخفض نسبة الفقراء بالوجه البحري لتصل إلى 41.1′. ويشير أحد تقارير الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن نسبة 44′ من فقراء مصر يسكنون الصعيد وأن نسبة الأمية ترتفع به إلى 41 ‘ كما ان نسبة 36’ من شباب الصعيد غير قادرين على الزواج بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة فأين هي حقيقة ذلك الواقع المرير من قصور أبطال المسلسلات الوهمية. الواقع الذي لا تظهره مسلسلات الصعايدة هو أن محافظات الصعيد لاتشهد أي نوع من التنمية الزراعية إذ تتفتت فيها الملكية الزراعية لتصبح الملكيات الكبيرة لقلة قليلة ربما كانت هي بالفعل الأقرب لأبطال المسلسلات بينما تعمل الغالبية كأجراء، وفي عهد النظام البائد ساء حال الفقراء من فلاحي صعيد مصر لدرجة كبيرة إذ لم ينج هؤلاء من بطش السياسات الخرقاء لهذا النظام والتي كانت تبيع مصر لصالح قلة قليلة من الفاسدين وفي سياق ما كان يسميه نظام مبارك باقتصاد السوق إزدادت حالة فقراء الصعيد سوءا بصدور القانون الجديد للإيجارات الزراعية والذي أطلق يد الملاك في تحديد الإيجارات بما أوصلها لمبالغ خيالية عجز معها معظم فلاحي صعيد مصر عن الوفاء بها وواجهوا البطش على يد أجهزة أمن النظام التي كانت تعمل لصالح الملاك في طردهم من أراضيهم الزراعية المستأجرة. ليست هذه محاولة لرسم صورة قاتمة مقابل الصورة الوردية التي ترسمها مسلسلات الصعايدة لكنه رصد حقيقي للواقع المرير الذي يغمض كاتبو الدراما أعينهم عنه.. حتى هؤلاء الذين عاشوا يوما في تلك البلاد باتوا في حالة من الإنفصال عن الواقع يستمتعون بكتابة ومشاهدة احداث يدركون في أعماقهم انها بعيدة كل البعد عن الواقع.. وفي مصر الجديدة التي تنهض بعد انكفاءة طويلة تحتاج الدراما التي تتناول واقع صعيد مصر إلى ثورة موازية تنحو تجاه مزيد من الواقعية بحيث تعكس تفاصيل ذلك الواقع بعيدا عن الزيف والتلفيق ولاينسحب هذا على صعيد مصر فقط وإنما ينسحب على مناطق كثيرة من المحروسة غيبتها الدراما وغيبها الإعلام في ظل مدرسة سيطرت إبان عهدي السادات ومبارك تقول إن رصد الواقع المأساوي لأبناء مصر من فقر وجوع وبطالة هو نوع من الإساءة وهي نظرية فاشلة تماما فعلاج مشاكل مصر يحتاج إلى كشفها وتعريتها كخطوة أولى للتعامل معها وعلاجها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية