صعوبة إعادة إنتاج منظومة أمن مصرية بديلة

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

وصلت العلاقة بين منظومة الأمن المصرية والمواطن إلي طريق اللاعودة، وهذا أدخل مصر إلي نفق أكثر إظلاما من كل الأنفاق التاريخية السابقة. هذا علي الرغم من أننا نعيش عصرا لا وجود فيه لمجتمع، متقدم أو متخلف أو بين بين، بلا منظومة أمن تحميه، وتوفر لأبنائه الأمان والاستقرار، وهو نفسه العصر الذي لا تجد فيه دولة بلا قانون، أو بلا منظومة تقوم علي تنفيذه.

وهنا تأتي صعوبة حل هذه المشكلة شديدة التعقيد. وينشأ التعقيد بسبب الظروف، التي وصل فيها الوضع إلي حد المطالبة بإلغاء جهاز الشرطة وتصفيته، وارتفاع أصوات منددة ومطالبة بالاعتماد علي النفس، وإعمال قاعدة العين بالعين والسن بالسن. وهذا يطرح علي بساط البحث المدي المتاح لانتاج بديل يحقق للمجتمع ما يريد وللأفراد ما يتطلعون إليه. وفي هذا المناخ لم يكن مستغربا أن يوجه النائب طلعت السادات، عضو مجلس الشعب. الخارج لتوه من السجن، نداء إلي القوات المسلحة حتي تتولي إدارة شؤون البلاد!. منظومة الأمن الرسمية.. بتفرعاتها وتنوعها.. وتصرفاتها المدانة. ينظر إليها المواطن باعتبارها عبئا، ومصدرا للشر المطلق، فقد تجاوزت في سلوكها ممارسات الشياطين. وأعطت انطباعا رسخ عند المراقبين بأنها تبدو وقد تجردت من طبيعتها البشرية. فلا يبدو من بين منتسبيها معادٍ أو رافضٍ لممارسات تخرج عن حدود المعقول وغير المعقول. وتبدو أنها خضعت لـ تطهير أطاح بذوي المروءة والحس والضمير، وأن القلة الباقية، إذا كانت هناك قلة قد بقيت، تجبن أو تخاف من اتخاذ موقف يبرئ ساحتها مما ترتكبه هذه المنظومة من جرائم ضد الإنسانية، قد توقعها، إذا ما تغير الوضع، تحت طائلة القانون الدولي. ولا يشعر هؤلاء المراقبون بأن هناك، من بين مكونات منظومة الأمن المصرية، من يرفض هذه الجرائم ويستنكر ارتكابها.

والخطر الماثل الآن هو من تداعيات العلاقة المتوترة بين منظومة الأمن والمواطن، وهي تنحو نحو الثأر والانتقام. وجاء ذلك مصحوبا بدعوة لإلغائها والتخلص منها. وهذا في الواقع غير ممكن؟ فقد تعقدت الحياة وزادت المخاطر. لا المواطن بقادر علي تنفيذ ما يريد ويتمني، وليس لدي المجتمع إمكانية إنتاج البديل.. والمصريون وهم محقون في موقفهم، لا يتعاملون مع منظومة أمن حقيقية، إنما مع جماعة خارجة علي القانون، جعلت من منتسبيها جلادين وطغاة ومنتهكي أعراض وسفاكي دماء. ومهما بلغ تردي نظام حكم، كان يجب ألا يطال ترديه منظومة الأمن، لأن في ذلك خطرا عليه، فقد تستدير إليه وتجعله يدفع ثمن جرائمها التي ارتكبتها حماية وتأمينا له. وتحمله مسؤولية تحولها إلي يد قاتلة، ولا نقول باطشة.. تضرب بها العائلة الحاكمة كل من يفتح فمه بسؤال أو كلمة. وانسحب هذا التحول علي مكوناتها هي نفسها. فلماذا لا تستخدم هذه اليد لصالحها، وتصبح وسيلة التعامل الوحيدة مع المواطن الأعزل من أي قوة مادية أو معنوية. فتضفي علي كلامها حصانة، فلا يرد، وتوفر لأوامرها غطاء فلا يعقب عليها أحد. مما وضعها في مواجهة الناس والمجتمع. ويبدو أن هذه المواجهة كانت مطلوبة لمنع التواصل بينها وبين المواطنين. وكانت هذه خبرة حسني مبارك، بعد إضراب جنود الأمن المركزي، في ثمانينات القرن الماضي. ومقابله تحصل علي امتيازات لا حصر لها.. ومأزق هذه المنظومة أنها جزء من نظام حكم فقد صلاحيته، ومطلوب منها أن تمده بأسباب الحياة غير المتوفرة. بجانب أنها تقوم بكل مهام الدولة والحكم. وهي أعباء تنوء بحملها الجبال، وتتصور أن ما تقترفه من جرائم تقع مسؤوليته علي كاهل العائلة الحاكمة. وهي في النهاية، كما نقول في مصر: عبد مأمور، والقتل والتعذيب بأوامر وتعليمات، و أكل عيش. علي طريقة عشماوي الذي يحصل علي دخله من قطف الرؤوس التي يتولاها علي المقصلة عند تنفيذ أحكام الإعدام، مع الفارق أن عشماوي يعمل في إطار القانون، أما منظومة الأمن المصرية تمارس وظيفتها خارج القانون. وهي تفي بالالتزامات المطلوبة منها. بطش إلي أقصي درجة، وإهدار كرامة إلي أحط مستوي، وتدمير إرادة إلي الحد الذي يشل العقل والبدن عن الفعل. باختصار فإن المطلوب منها هو القضاء علي الوجود المادي والمعنوي للمواطن المصري.

وتتوفر لوزارة الداخلية موارد ضخمة. تمكن الوزير من الحصول علي دخل شهري يصل إلي ثلاثة ملايين جنيه مصري، وتمنح مساعدية مئات الألوف، ومن يليهم يحصلون علي عشرات الألوف. ومن أين تأتي هذه المبالغ في مجتمع فقير، ودولة توشك علي الإفلاس، وتجاوزت ديونها الداخلية والخارجية حدود الأمان؟ نجحت العائلة الحاكمة في وضع أكثر النظم تفننا في شؤون الجباية. تحصلها علي إيصالات وفواتير الغاز والكهرباء، وعلي رخص المحلات والمباني والسيارات، وعلي عربات الباعة الجائلين، وتصاريح المرور علي الطرق، وبطاقات الحفلات العامة والخاصة، وسرادقات العزاء والأفراح، وعلي مجالات لا تجد لها مثيلا إلا في مصر. ولو أن هذه المبالغ تصرف علي وجهها الصحيح لكانت مصر من أفضل بلاد العالم، ولكان المصريون الأكثر رخاء. إنها تصرف علي رجال الأمن والشرطة، فحصيلة رسوم الكهرباء، مثلا، توزع علي الهيكل الأمني من الوزير حتي أصغر شرطي، وهكذا رسوم الرخص والمرور وما يماثلها، ومع ذلك تعود بعضهم علي التسول وطلب المال. وإذا كان هذا في مجالات أمكن رصدها، لأنها مقننة ومسجلة. فما هو الحال مع غير المقنن وغير المسجل؟ وقد يكون أكبر من موارد الجباية الرسمية. فهناك رجال شرطة يفرضون إتاوات علي المحال العامة والخاصة، ويطلبون مبالغ مالية ومزايا عينية، يحصلون عليها من أصحاب المطاعم والمخابز والمحلات والورش، ومن سائقي النعوش الطائرة (الميكروباص)، والتوك توك، وأنواع المركبات التي ليس فيها ما يصلح للاستخدام الآدمي، وعلي سائقي سيارات الأجرة المستهلكة. وهذا السلوك من أهم مسببات الفوضي والحوادث والجرائم البشعة، خاصة جرائم الاغتصاب، من أطفال وصبية يقودون مركبات وحافلات، تحت تأثير المخدرات، وإذا ما انشغل رجل الأمن أو الشرطي بهذه الأمور فلن يجد الوقت الكافي للعمل الأمني الحقيقي. وهناك مناطق علي أطراف القاهرة وخارجها، يتسابق عليها أمناء الشرطة ويتصارعون، بسبب مواردها المالية الكبيرة، فالمخالفات فيها كثيرة، والأنشطة غير المشروعة فيها متضخمة، ويحصل الشرطي علي الإتاوة لإسقط المخالفات وتوسيع مجال الأنشطة غير المشروعة، بمعني آخر فهم يسبغون الحماية علي المخالفين والخارجين علي القانون. وأصبح في منظومة الأمن المصري أباطرة، علي النمط اللاتيني. يستخدمون تجار المخدرات والمطاريد في الأعمال القذرة، ومثال عزت حنفي، مالك أكبر مزارع المخدرات، في الصعيد، كان واضحا، ودفع حياته ثمنا. فلم يكن الرجل قد استوعب بعد أبعاد اللعب مع الكبار، ووظيفة هؤلاء الأباطرة إخراس اللسان إذا نطق، قطع اليد إذا احتجت، وقطف الرؤوس إذا أينعت. إلا أن خطأهم الجسيم هو في تصورهم أنهم يكونون أكثر أمنا وسط شعب ذليل، وبين مواطنين خانعين. وأنهم يجدون السند في ما يعرف بالفكر الجديد، وهو ليس بجديد، لكنه عنوان مرحلة يدير فيها جمال مبارك شؤون مصر بالكامل. ويتخذ من هذا المسمي غطاء لتجفيف منابع الحياة أمام الفقراء ومحدودي الدخل، وتصفية ما تبقي في البلد من ثروة. ويتبني به أكثر القيم تخلفا وتوحشا في التراث الرأسمالي، لم يتطلع أبدا إلي أفضل ما فيه ويأخذ به، ونعني مجال الديمقراطية وآلياتها. نهل وعب من بشاعات هذا التراث، وعاد به إلي سيرته الأولي وسجله التاريخي المروع، في مرحلة نشأة الظاهرة الاستعمارية. وهي التي تأسست علي جماجم وأشلاء ضحايا التطهير العرقي والديني والإبادات الجماعية. قضت علي أهل البلاد الأصليين في قارتي أمريكا واستراليا وامتداداتهما، واستجلبت العبيد، وأبادة الافارقة، لولا حركات التحرر، التي عوقت مدها الشيطاني. وجمال مبارك، ليس سوي رأس حربة، أعدت سلفا، لتشارك في إعادة انتاج الظاهرة الاستعمارية مجددا. بهرته أفكار توني بلير عن عودة الاستعمار الحميد، ومبادراته في الغزو الأخلاقي. يجد حياته واستمراره السياسي وغير السياسي في الولاء لواشنطن وخدمة مخطط جورج دبليو بوش. المكلف من الرب بحرق الأخضر واليابس في عالمنا التعيس، ويربط بقاءه بتلبية نداءاته المقدسة للقضاء علي الوجود المادي والحضاري للعرب استجابة تقربا وولاء للصهاينة. وبعد أن قويت شوكة بوش والتحاق ألمانيا وفرنسا بركبه. فطن جمال مبارك إلي إمكانية استغلال هذا الظرف، فطلب من والده شد الرحال إلي فرنسا، طلبا لوساطتها هي وألمانيا للتخفيف من قبضة بوش علي العائلة، علي أن يبدي الاستعداد لتلبية ما يطلب منه، ولأن الفرصة كانت مواتية، بسبب حاجة أمريكا إلي المجهود العسكري والمالي والميداني العربي، فبدونه لن تشتعل الحرب المذهبية، ولن يعاد إنتاج مرحلة الاستعمار الحميد والاحتلال الأخلاقي!! ، ولن تتسع دوائر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. وعلي كل عربي أن ينظر حوله، شرقا أو غربا أو جنوبا أو شمالا، فسوف يجد صورة أو أخري من الإبادة أو التطهير العرقي. وحصل علي وعد بالدعم، وبدأت إجراءات الإفراج عن الجزء المجمد من المعونة، وصفقة سلاح كبري، لزوم المعركة القادمة ضد حزب الله وسورية وإيران. وتقرر تعطيل الإفراج الصحي عن أيمن نور، وإلغاء حزبه. وكل ذلك حدث أثناء جولة كونداليزا رايس في المنطقة.

والاستعمار العائد يعيد ترسيخ قواعده، ويرتب صفوف رجاله ووكلائه. ترك للصراعات الطائفية والمذهبية أن تتكفل بأمر الإبادة الجماعية في بعض المناطق العربية، واستنفر قبائل وأعراق لتتولي مهمة التطهير العرقي في مناطق أخري. أما مصر الجائزة الكبري يتكفل بها جمال مبارك ودعاة الفكر الجديد مع المنظومة الأمنية، بعد أن أخذ علي عاتقه إبادة الفقراء وقتلهم، بدلا من القضاء علي فقرهم، بالأوبئة والمياه الملوثة والأغذية السامة والحوادث المروعة. ومن يبقي منهم حيا تتولي الشرطة أمره، وتقوم بإعاقته وشله، جسديا ونفسيا. وهذا ما يجعل تغيير بنية منظومة الأمن المصرية، ومعالجة ما لحقها من خلل وانحراف مستحيلا. ولا تبقي إلا الثورة حلا!!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية