ليلى سليمان اشتغلت على نص كلاسيكي بروح معاصرةدمشق ـ ‘القدس العربي’ ـ من أنور بدر: ‘صحوة ربيع’ للمخرجة المصرية ليلى سليمان كان من العروض المتميزة في مهرجان دمشق المسرحي الأخير، وأعتقد أن أهمية هذا العرض تكمن في راهنية موضوعه الذي يناقش قضايا الشباب والمراهقين تحديدا، لكن تميّز العرض جاء من اختيار المخرجة لنص يمكن اعتباره من كلاسيكيات المسرح العالمي للكاتب الألماني ‘فرانك فيدكيند’، الذي توفي عام 1918 مخلفاً وراءه عدداً من المسرحيات بينها ‘هرقل’، ‘بسمارك’، ‘موسيقى’، ‘فرانشيسكا’، أما مسرحيته ‘صحوة ربيع’ فهي تنتمي لأعماله الأولى وقد كتبها عام 1891م. المخرجة سليمان نجحت بتبيئتها مصريا، كما نجحت بمنحها الروح المعاصرة وهذا الأهم في هذا العرض، وقد ساعدها في ذلك راهنية الموضوع باعتقادي، فصراع الأجيال والتناقضات بين طموحات الشباب ورغبة الاكتشاف والتمرد لديهم في مواجهة قوانين المجتمع وأعراف الآباء أو قيمهم ما زالت مستمرة كجزء من قوانين المجتمع وتطوره، مما شجع على عرضها عبر قرن ونيف من الزمن وبأكثر من دولة في العالم، لعل آخرها النجاح الكبير الذي لاقته لدى عرضها على مسرح برودواي الأمريكي عام 2006. وقد استفادت المخرجة من روح النص الإنتقاديه لسلبيات المجتمع البرجوازي وأخلاقياته المتزمتة التي تسم كل أعمال الكاتب ‘فيدكيند’ في مناقشتها للمشاكل التي يواجهها قطاع الشباب من الجنسين في مصر وباقي المجتمعات العربية، في بداية تفتحهم الجنسي والمعرفي ومحاولاتهم خوض غمار تجاربهم الخاصة في الحياة، والتي تصطدم غالبا بقيود المجتمع والذهنية المحافظة للأهل عموما وكل ما هو مقدس، حيث تردد مجموعة من المراهقين في المشهد الأول من العرض كلمات النشيد الوطني، دون أي تقدير لدلالتها التقليدية في حركاتهم وإيحاءاتهم. وهذه الحركة لا تهدف إلى رفض تلك الدلالات والمعاني بقدر ما هي رفض لحامليها، وتعبير عن الجموح القاطن في تلك الأرواح الصغيرة، وإشارة واضحة للتناقضات بين الجيلين.
فجيل الآباء هو الحارس لقيم المجتمع وأخلاقياته من خلال مجمل مؤسساته التي تبدأ بالأسرة وتستمر مع المدرسة والشارع وكل رموز التعليم والثقافة، مقابل هؤلاء المراهقين الذين يضجون نشوة وعنفوانا ورغبة في التمرد وإثبات الذات، ومن هذا التناقض ينشأ الكبت والخوف وبالتالي الإحساس بالخطيئة. هذا التناقض بين الجيلين غالبا ما يكون ضحيته هؤلاء الفتية باعتبارهم الطرف الأضعف في هذه المعادلة، وهو ما رأيناه في موت الفتاة التي جمعتها علاقة عابرة بمصطفى أدت إلى الحمل، فما كان من والدتها إلا أن أعطتها دواء بهدف الإجهاض، لكنه أدى للوفاة أو للقتل سترا للعار.
مصطفى هو أحد الطلاب في المدرسة، لكنه يعمل ميكانيكيا أو سائقا مع أخيه على شاحنة ‘التوك توك’ كما يطلق عليها في مصر، أو ‘الطرطيرة’ وفق التسمية السورية، مما يُظهره أكثر خبرة من بقية زملائه الطلبة في الصف الثالث الإعدادي، كما يتضح من رسالة أحدهم إلى وزير التربية يشكو له من عدم قدرته على فهم المناهج، وبالتالي يشكل مصطفى مرجعية لزملائه الطلبة في أمور البنات والجنس والعلاقات عموما، بينما يبدو الآخر مستغرقا في قراءة دروس التكاثر، وثالث يعيش أوهامه وتخيلاته مع صورة، ورابع يمكن أن ينحرف مع زميل له، فيما يُصرون جميعهم على النظر إلى البنت المتحررة ‘لولي’ باعتبارها منحرفة، وتموت ‘رشا’ نتيجة جهلها أو جهل والدتها، بينما تُخطب الثالثة وهي سعيدة بأن زوجها المستقبلي سيضربها.
وقد لجأت ليلى سليمان إلى اختيار مجموعة من الطلاب للاشتغال معهم في هذا العرض، ثم قامت بورش تدريب مع أطفال ومراهقين مصريين ليستطيع الممثلون التقاط نبض الواقع والبيئة المصرية المعاشة راهنا، ولجأت إلى استخدام الفيديو وشاشات عرض وبنت سينوغرافيا محلية ومعاصرة في ذات الوقت، كما اشتغلت على شرطية العرض فوق الخشبة، بحيث شاهدنا عرضا ممتعا وجميلا وناقدا، شاهدنا عرضا لا يناقش قضايا المراهقين ومشاكلهم، بقدر ما ينتمي لهم ويتعاطف معهم في مواجهة ثقافة الكبت والعقلية التقليدية التي ترفض رؤية الحياة وما يجري بها من تطورات.
وهي في هذا العرض تأخذ قسطا من التجريب، لكنها وهذا الأهم تشتغل على ما يمكن تسميته التوثيق أيضا، فنستمع إلى قراءة واضحة لدرس التكاثر في كتاب الصف الثالث الإعدادي، الذي يدرس حاليا في مصر، إذ يبدأ الدرس بعد عبارة بسم الله الرحمن الرحيم، بالآية القرآنية ‘وخلقنا منكم ذكرا وأنثى’ ليمضي في شرح حول معدلات التزايد السكاني، وأثر ذلك في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مع تجاهل تام للمادة العلمية في هذا الموضوع، وعندما يسأل أحد الطلبة يكون الجواب: ادرسوا في البيت، وعندما تسأل البنت أمها، تأتي النصائح المعروفة في الأخلاق والتربية الشرقية، فلا يجد الطلاب إلا زميلا أكبر أو تجربة تقود إلى الانحراف فالخطيئة والعقاب. الإشكالية التي يمكن التفكير بها أيضا، أن ما كان يعانيه المجتمع الغربي أواخر القرن التاسع عشر، الذهنية المتعصبة دينيا واجتماعيا، وما كان ينتقده ‘فيدكيند’ عام 1891، ما زلنا نعاني منه في مجتمعاتنا العربية، وما زلنا مضطرين لانتقاده بعد مئة وعشرين سنة من الزمن، تشكل فرق الصفحة الحضاري بين مجتمعاتنا وبين ما وصل إليه الآخرون.’صحوة ربيع’ عرض يؤكد أهمية وجود نص قوي تنطلق منه التجارب الشبابية أو الجديدة، دون إغفال للمساحة الزمنية التي نعيشها، وتقنيات العرض المتاحة، وشرطية المسرح التي يمكن لها أن تختزل الكثير من تفاصيل الواقع، ويؤكد أيضا أهمية الاشتغال مع الممثلين في قراءة النص ضمن شرطية الزمان والمكان، بحيث يكونون لاحقا صانعين حقيقيين للعرض.
بطاقة العرض:’صحوة ربيع’ إخراج ليلى سليمانالنص للكاتب الألماني ‘فرانك فيدكيند’دراماتورج وفيديو: جوليا شولتزالممثلون في العرض هم: أحمد الجندي، حسام هلالي، عزت إسماعيل، سلمى سعيد، شيرين حجازي، محمد أبوالفتح، مهيرة مجدي، علي خميس.