صدمة التراث ‘العقلانية القرآنية’

حجم الخط
0

مروان العياصرة يقدم (جون كونتغهام)، الباحث في العقل وتاريخ العقلانية إسهاما فاعلا في تحديد المفهوم العام للعقلانية والعقلاني من حيث هي المحاجة العقلية التي تفضي إلى الصواب وتقود السؤال إلى الجواب، ومن حيث هو الذي يؤمن بالعقل سبيلا للفكرة وطريقا للإيمان، ولعله قدم حسما للجدل حول مسألة كثر فيها الجدل بين العقلي والديني، معتبرا أن (يكون المرء عقلانيًّا بالمعنى الفلسفي لا يعني بأية حال أنه مُنكرٌ لوجود الله، فبعض من أشهر الفلاسفة العقلانيين قد وضعوا الله في الصميم من أنظمتهم الفكرية). وهذا مدار الحديث في موضوعة العقلانية القرآنية، والتي فرضتها سجالات حادة في الساحة الفكرية حول اختصاص الدين باللاعقلانية، وانه مجرد خصوصيات ذات مستويات روحية بحتة، حيث أنه من جملة ما أحاط به الكثيرون الدين الإسلامي من شبهات، بأنه احتفاء بمعاني القداسة في إطارها، وهذا ما عرض له الأستاذ محمد أسد في ترجمته المذهلة للقرآن الكريم للغة الانكليزية، إذ أشار إلى أن القرآن الكريم شكل اختلافا كبيرا عما اعتاده الناس من أتباع الديانات السابقة والكتب السماوية الأخرى من أن الكتب المقدسة هي كتب روحية خالصة، إلا أن القرآن الكريم جاء بخاصية مختلفة تماما عن هذا السياق، من حيث هو يركز تركيزا كبيرا على العقل ويحطم الحد الفاصل بين الديني والدنيوي والروحي والعقلي.

يؤسس الأستاذ أسد في هذا الالتفات المهم لبعد مغاير في دراسة الخطاب الديني/الإسلامي، ومدخل هذا الخطاب هو المدخل العقلاني الذي تسير وفقا له كل الأحكام والمعاني القرآنية في جميع الأمور الدنيوية والأخروية، فإذا كان العقلانيون الذين تبنوا فكر نقد العقل الديني لأنه عقل لا يحتفي بالعقلانية، وما ظهر فكرا وسلوكا من أدلة دامغة على أن الدين تبنى العقل قائدا والعقلانية منهاجا، وسار في سياقاته القولية والعملية وفقا للمحاجة العقلية، وعليه فإن بروز فكر العقلانية القرآنية/الدينية تواجه بقوة وإيجابية فكر نقد العقل الديني، مع النظر العقلي الواعي في أن السلوك الديني الذي هو ناتج من نواتج الفكر أولا والخطاب ثانيا إذا ما جاء غير متساوق مع الفكر فإنه لا يعني بأي حال من الأحوال قصورا في المنهج، أو تهمة في سياق الفكر باللاعقلانية، إذ أن متبني الفكر الإسلامي ليسوا كلهم من النضوج الفكري ما يتم إسقاط أخطائهم أو أغلاطهم على الفكر، وإنما هي أخطاء سلوك، وأغلاط أتباع.

إن أهم دلالات العقلانية القرآنية هو هذا الأسلوب القرآني الذي (خاطب الرشد العقلي في البشرية)، في قيمها وقناعاتها وأفكارها وتصوراتها، في أزمنتها المتعددة، هذا الأسلوب الذي أعاد إنتاج التصورات المضطربة للإنسان في سائر مواقفه وأزمنته، بتصور كلي وشمولي يجمع أطراف علاقة الإنسان بخالقه وبهذا الكون الممتد عبر المكان والزمان، كما انه أعاد إنتاج أفكاره المفككة التي تتألف منها تلك التصورات المضطربة، وإعادة توجيهها ضمن أبعادها المادية والروحية، وهو ما يتفق مع تكوين الإنسان من بعدين رئيسين (الروح والجسد). يقع الكثيرون في ظلم بيِّن للعقلانية القرآنية في محاولة تفسيرها تفسيرا سطحيا يتنازل عن اللب والعمق ويتمسك بالقشور والعناوين المباشرة، ومن ذلك أن يقاس الخطاب العقلي القرآني بالجمل والعبارات القرآنية التي أوردت كلمة يعقلون أو أحد معانيها غير المباشرة من مثل يتدبرون أو يتذكرون أو يفقهون، وكل دلالاتها عقلية، إلا أن الاكتفاء بهذا التدليل يعد تجنيا وظلما وتجاوزا للنظر العقلي في العقلانية القرآنية، وذلك لسبب بسيط وهو أن العقلانية القرآنية تتبدى بشكل جلي في كل قيم وأحكام القرآن، ولنا أن ننظر في آية (لا إكراه في الدين) كم فيها من عقلانية مطلقة هذه التي تقرر قيمة عليا من قيم الحياة، وهي الحرية، وأسماها حرية العقيدة والمعتقد، وفي كل آية من آيات القرآن الكريم (استجاشة للتفكر والتدبر وإعمال العقل، في آيات الأحكام وآيات الكون وآيات الروح كي تعطي العقل البشري والقلب الإنساني صورة واضحة عن حقيقة الوجود الإنساني وحقيقة الحياة وتكاليفها وارتباطاتها، وتنشئ تصورا صحيحا للأوضاع والقيم والموازين) وكل اعتبارات حياة الإنسان (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة). إن ما جاء به القرآن الكريم، هو بحق ـ وبشهادة علماء ثقات من علماء الغرب المنصفين ـ كتاب جمع بين دفتيه كل ما يقيم حياة الذات الإنسانية وفقا لمنهج قيوم، يقوم على قيم احترام الذات واحترام حياتها وبقائها واستمراريتها، واحترام رأيها وأفكارها وعلاقاتها وارتباطاتها، عبر مداخل عقلية وبرهان عقلي لا يقبل الشك، وهو نقيض لما جاءت به العقلانية الغربية التي حطمت الذات وأفقدتها كثيرا من اعتباراتها الرئيسية، وهنا نلفت إلى ما ذكره الدكتور التيجاني عبد القادر في بحثه القيم حول العقلانية الغربية إلى جهد العالمين الغربيين المنصفين (ثيودور أدورنو وهوركايمر) في كتابهما المشترك (جدلية التنوير) قد التفتا باهتمام إلى قضية العقلانية الغربية وأن ميول الحضارة الغربية اتجهت لتحطيم نفسها نظرا إلى مفهومها عن العقل والعقلانية، والذي تحول بفعل حركة التنوير، وبتأثير الفكر العلمي الحديث، إلى قوة ‘لاعقلانية’ تسعى للهيمنة على الإنسان بعد أن فرغت من الهيمنة على الطبيعة؛ أي أن عملية ترشيد (أو عقلنة) المجتمع الإنساني لم تقد في المحصلة النهائية إلا إلى الفاشية والنازية ونحوهما من النظم الشمولية التي قضت على حرية الإنسان.

هذا جزء يسير من النظر في العقلانية القرآنية على ما في هذا الموضوع من بحث ودراسة تحتاج الى جهد ومساحة أكبر بكثير مما نلفت إليه هنا بتواضع وبجهد المقل، إلا أن الــــباب يبقى مشرعا لمزيد من النظر والقراءة في ذات سياق هذا الموضوع المهم في إطار إعادة إنتاج تراثنا وإعادة تقديمه للعالم بلغة عقلانية وتنويرية ايجابية.’ كاتب اردني([email protected])

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية