بغداد – ا ف ب: عادت صفارات الانذار المبكر من الكوارث الطبيعية والحروب لتدوي في بغداد للمرة الاولى منذ عام 2003، عبر اطلاق تجريبي لمنظومة جديدة خاصة بها، حملت معها ذكريات عن حوادث لم تمح من اذهان العراقيين.
ودوت صفارات الانذار في معظم انحاء العاصمة العراقية عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر الجمعة (08.00 ت غ) لمدة دقيقة واحدة بعد ثمانية اعوام من توقفها عن العمل اثر اجتياح العراق بقيادة القوات الامريكية وسقوط نظام صدام حسين. وسبق دوي الصفارات توجيه ثلاث رسائل للمواطنين عبر المنظومة ذاتها تفيدهم بان اطلاق صفارة الانذار المبكر هو عبارة عن تجربة للمنظومة الجديدة لا اكثر. وكانت السلطات ابلغت العراقيين بالموعد المحدد عشية عملية الاطلاق التجريبي عبر وسائل الاعلام والرسائل الهاتفية القصيرة. وفي شوارع بغداد التي بدت شبه مقفرة في واحد من يومي العطلة الاسبوعية، تفاوتت ردود فعل المواطنين بين من فوجىء بها ووقف يستمع الى الصفارة، وبين من تجاهلها واستمر في عمله او سيره. واختار آخر ان يهز رأسه وهو يمر من امام احد مراكز الدفاع المدني الذي كانت تصدح فوقه صفارة الانذار، بينما اغتنم ثلاثة شبان الفرصة لتأدية رقصة الدبكة العراقية ‘على انغام’ الصفارة. وقال توما (51 عاما) وهو يغسل سيارته في منطقة الكرادة وسط بغداد ‘لا نريد ان تذكر سوى ما هو خير، فلنتجاهل ما كانت تعنيه هذه الصافرة لنا، ولنركز على ما يفيدنا’. واضاف ان ‘الامور تسير نحو الافضل، او على الاقل، نتمنى ذلك’. وفي وقت سابق تقاسم اربعة ضباط واربعة من رجال الدفاع المدني في غرفة خاصة في المركز الرئيسي للدفاع المدني في منطقة الحارثية، غرب بغداد، المهام المرتبطة بالمنظومة. وفيما كان افراد الدفاع المدني يتلقون من مواطنين بلاغات عن حوادث تحت لافتة حمراء كتب عليها ‘منظومة الانذار المبكر’، وضع احد الضباط مفتاحا في جهاز الكتروني ثم امر باطلاق صفارات الانذار من خلال جهاز كمبيوتر. وركنت قرب مدخل الغرفة شاحنة صغيرة عليها شعار الدفاع المدني العراقي ‘معالجة واطفاء وانقاذ’ تحمل في داخلها جهاز كمبيوتر مماثلا يستخدم في حال تعطل الجهاز الاساسي. وكان مدير الدفاع المدني العام اللواء لطيف كريم مزهر اكد لوكالة فرانس برس بان ‘هناك 300 صفارة انذار في الوقت الحالي بينها 126 في انحاء متفرقة من العاصمة والبقية في مراكز المحافظات’. واضاف ‘سننشر 700 صفارة انذار اضافية في مناطق اخرى من العراق في المستقبل القريب’. وذكر مزهر ان منظومة الانذار الجديدة التي بدات بصناعتها شركة يونانية عام 2009 ‘اكثر تطورا من المنظومات السابقة’، رافضا الكشف عن تكلفتها. ورفض مدير الدفاع المدني العام الحديث عما قد تثيره هذه الصفارات في اذهان العراقيين من ذكريات عن حروب سابقة. وقال ‘ليس هناك من استعادة للذكريات، هذه المنظومة جزء من حالة التحضر ومن حالة الامان التي يجب ان توفرها الدولة للمواطنين’. واستخدمت منظومات للانذار المبكر في العراق خلال حرب الخليج الثانية التي اعقبت اجتياح العراق للكويت عام 1990 وخلال الحرب العراقية الايرانية (1980 – 1988) والاجتياح الامريكي عام 2003 خصوصا. وقال ابو شهلاء (62 عاما) ‘تربيت على هذه النغمة، سمعتها في الثمانينات، وفي التسعينات، وقبل ثماني سنوات’. وتابع ‘نخرج من حرب لندخل في حرب اخرى، هكذا قضينا سنين حياتنا، وهذه الصفارة لطالما كانت العنوان باننا نتجه نحو الحرب’. واعتبر انه ‘ليس هناك من امان، او من حماية، نخرج من منازلنا ونحن نعلم اننا قد نقتل في اية لحظة، هذه الصفارة لن تحمينا، ولن تفيدنا بشيء، انها فقط تستثير ذكرياتنا وتحرك فينا ما يشبه الحنين الى حروب لم تنته بعد’. ورغم مرور ثماني سنوات على الاجتياح الامريكي للعراق، لا تزال البلاد تشهد اعمال عنف شبه يومية تشمل الهجمات الانتحارية وتفجير السيارات المفخخة اضافة الى عمليات الاغتيال بالاسلحة المزودة بكواتم للصوت. وقد بلغت هذه الاعمال وبينها مواجهات طائفية ذروتها بين عامي 2006 و2008. ويؤكد مسؤولو الدفاع المدني ان الغاية من هذه المنظومة ليس التحذير من الحروب فقط، بل ان عملها الرئيسي يتركز على امور اخرى. ويشير مزهر الى ان المنظومة الجديدة تشمل اربع نغمات ‘تحذر من الكوارث الطبيعية والحرائق والتلوث والحروب، اضافة الى انها تستخدم للتواصل مع مراكز الدفاع المدني في كافة المناطق، وكذلك لمخاطبة الناس’. وهناك نغمة خامسة تعلن انتهاء مرحلة الخطر، وهي النغمة التي اطلقت امس. ويتذكر عدي (36 عاما) وهو يعد فنجان قهوة لبيعه في كشك يملكه كيف ان ‘صافرة الانذار لم تدو منذ عرفها الا لتعلن عن حرب او غارة’. وتابع ‘كنا نركض للاحتماء عندما نسمعها، لكننا نامل ان يتغير ذلك اليوم، وان تستخدم في غير اوقات الحروب’. يذكر ان الصافرة لم تسمع في انحاء عدة من بغداد، وبينها منطقة الزعفرانية (جنوب) والدورة والسيدية (جنوب غرب) واطراف مدينة الصدر (شرق)، بحسب ما افاد شهود عيان فرانس برس. وقال عدي ‘الصافرة الجديدة ضعيفة، فالصافرة السابقة كنت تهزنا من الداخل والخارج’.