صفعة إسطنبول الثانية ونهاية عصر أردوغان!

حجم الخط
13

إن الهزيمة التي تكبدها الرئيس التركي في الانتخابات المعادة لبلدية إسطنبول، المدينة الأكبر في الدولة، ليست ضربة خفيفة أخرى في الجناح، واحدة من ضربات كثيرة تلقاها في العقدين اللذين يسيطر فيهما على الدولة بيد عليا. هذه صفعة تعد رنانة ومهينة على نحو خاص، وكفيلة بأن تبشر ببداية النهاية لعصر أردوغان في الدولة.
ظاهراً، هذه انتخابات بلدية عديمة الصلة بالساحة السياسية القطرية. ولكن أردوغان أصر على أن يركز الانتخابات في إسطنبول على نفسه، وهكذا جعلها اختبار قوة شخصية، لكنه فشل فيه. جرت انتخابات البلدية قبل نحو ثلاثة أشهر وجلبت معها مفاجأة كبرى. وافترض الجميع بأن حزب أردوغان سيفوز في الانتخابات بنصر جارف، إذ على مدى سنوات حكمه الطويلة، ولا سيما في العقد الأخير، دمر أردوغان بمنهاجية، وينبغي الاعتراف بنجاح الديمقراطية التركية والمؤسسات التي يفترض أن تحميها. فقد صفى استقلالية جهاز القضاء، وأبعد منتقديه من الجامعات ومؤسسات الحكم، وأخضع الجيش، وأخيراً سيطر على وسائل الإعلام.
ولكن أردوغان تكبد خسارة جسيمة: معارضوه انتصروا في المدن الثلاث الكبرى. في أنقرة العاصمة، وفي أزمير مدينة الميناء، وفي إسطنبول حيث يعيش نحو 16 مليون نسمة، نحو ربع سكان الدولة. في جهود يائسة لوقف الانجراف، أجبر أردوغان لجنة الانتخابات في إسطنبول على الإعلان عن انتخابات معادة بدعوى التزوير والفوضى، في ظل استغلال حقيقة أن الفارق بين المتنافسين كان نحو 1 في المئة.
لإسطنبول أهمية خاصة لأردوغان: في 1994 بدأ فيها طريقه السياسي، حين انتخب لرئاسة البلدية. كان هذا اختراقاً للتيار الإسلامي الذي رفعه إلى الحكم في الدولة. بعد ثماني سنوات من ذلك انتخب لرئاسة الوزراء، وفي العام 2014 أصبح الرئيس. في هذا المنصب أحدث أردوغان تغييراً في الدستور التركي منحه صلاحيات غير مسبوقة، بل وإمكانية أن يواصل تولي منصبه حتى العام 2029.
كان العقد الأول من حكمه، في ظل نجاحه، بمنح الدولة استقراراً سياسياً لم تشهد له مثيلاً في الماضي، ودفع الاقتصاد التركي إلى الأمام. كثيرون في المعسكر العلماني في الدولة أيدوه لأنهم ملوا استمرار تدخل الجيش في شؤون الدولة الذي، وبالتالي سعوا لأن يروا في أردوغان، رغم انتمائه للتيار الإسلامي، الحامي للديمقراطية التركية في وجه الجيش.
ولكن الحكم يورث الشهية؛ فقد أخضع أردوغان الجيش كي يصبح حاكماً وحيداً، في تطلع لإسقاط تراث أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة العلمانية، وتحويل بلاده إلى دولة إسلامية.
في السنوات الأخيرة بدا أن عصا الحظ أدارت ظهر المجن لأردوغان. فقد علق الاقتصاد التركي في مصاعب بينما وجدت تركيا نفسها في الساحة الإقليمية والدولية معزولة بل ومهزومة. صحيح أن أردوغان ظهر كسياسي خبير في الداخل، ولكنه سياسي فاشل في الخارج. وارتفع انعدام الرضى من طريقه وأدى إلى هزيمة رجاله في الانتخابات البلدية.
ولأنه يعد حاكماً كلي القدرة، تبث هزيمة أردوغان أملاً في المعارضة وتجسد بأنه يمكن توحيد الصفوف، مثلما حصل في إسطنبول، ثم إيقاع الهزيمة بأردوغان عبر صناديق الاقتراع. ثمة مثابة تشجيع للعديد من الأتراك ألا يواصلوا إنزال الرأس أمامه. صحيح أن هذه مسيرة طويلة، وهذا الرئيس الذي يتمتع بتأييد شعبي لا بأس به، ما زال مصمماً على حفظ حكمه. ومع ذلك، فإن الرحلة الطويلة تبدأ بخطوة صغيرة واحدة، وهذا جرى الأسبوع الماضي في إسطنبول.

ايال زيسر
إسرائيل اليوم 1/7/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية