صفقة‭ ‬ربع‭ ‬القرن‭!‬

حجم الخط
0

‭ ‬من‭ ‬تربى‭ ‬تربية‭ ‬دينية‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يزور‭ ‬الكنس‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬لا‭ ‬مباليًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬السنة‭. ‬هناك‭ ‬نموذجان‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬الرهيبة‭: ‬واحد‭ ‬يذوب‭ ‬في‭ ‬الصلوات،‭ ‬ويتأثر‭ ‬بالمنشدين‭ ‬وبالأنغام،‭ ‬يجلس‭ ‬صامتًا‭ ‬ملتفًا‭ ‬بخرقة‭ ‬الصلاة،‭ ‬والثاني‭ ‬ينفر‭ ‬من‭ ‬الصلوات‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬الدخول‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬دقائق‭ ‬متواصلة‭ ‬إلى‭ ‬الكنيس‭. ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬حساب‭ ‬النفس‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬التوبة‭. ‬وأنا‭ ‬أنتمي‭ ‬إلى‭ ‬النوع‭ ‬الثاني،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يتمكنوا‭ ‬أبدًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يجلسوا‭ ‬بارتياح‭. ‬وفي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أصل‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬السبوت‭ ‬وأسمع‭ ‬العزف‭ ‬وأقرأ‭ ‬الكتاب‭ ‬وأفكر‭ ‬فيما‭ ‬يجري‭ ‬حولي‭. ‬وأسمح‭ ‬لنفسي‭ ‬بأن‭ ‬أخرج‭ ‬كل‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭ ‬لأشعر‭ ‬بالارتياح‭ ‬مع‭ ‬يهودية‭ ‬عديمة‭ ‬البخور‭. ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬حساب‭ ‬النفس؟‭ ‬هذا‭ ‬اختراع‭ ‬يهودي‭ ‬رائع‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬يناسب‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحالي‭. ‬وكي‭ ‬يعمل‭ ‬عندي‭ ‬ينبغي‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أعرق‭. ‬وفي‭ ‬يوم‭ ‬الغفران‭ ‬أجدني‭ ‬أرتاح‭ ‬ولا‭ ‬أحتاج‭ ‬للعرق؛‭ ‬فهذا‭ ‬يخرج‭ ‬مني‭ ‬الخطايا‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬أعرف‭ ‬بوجودها‭.‬

عندما‭ ‬نفحص‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬يتبين‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬نماذج‭ ‬أخرى‭ ‬يصعب‭ ‬عليها‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬حساب‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬صيغته‭ ‬الحالية‭. ‬فبعد‭ ‬25‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬اتفاقات‭ ‬أوسلو‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬تقريًبا‭ ‬حساب‭ ‬للنفس‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬أمنيات‭ ‬سياسية‭. ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬يحصى‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬سكبت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬دون‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية،‭ ‬وقد‭ ‬باتت‭ ‬نهائية‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬ينتبه‭. ‬

اتفاقات‭ ‬أوسلو‭ ‬التي‭ ‬تظاهرت‭ ‬ضدها‭ ‬هي‭ ‬حقيقة‭ ‬ناجزة،‭ ‬وما‭ ‬بدأ‭ ‬كرهان‭ ‬خطير‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬اليسار‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬أنهار‭ ‬من‭ ‬الدم‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬أصبح‭ ‬الحل‭ ‬السياسي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يتبناه‭ ‬اليمين‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأخير‭. ‬أما‭ ‬التغيير‭ ‬الدراماتيكي‭ ‬فيخلق‭ ‬موقفًا‭ ‬خاصا‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭. ‬يسهل‭ ‬على‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يتعاطى‭ ‬مع‭ ‬خطايا‭ ‬الماضي‭ ‬وألا‭ ‬يسأل‭ ‬كيف‭ ‬ابيضت‭ ‬وأصبحت‭ ‬مصلحة‭. ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬الوزراء‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭. ‬التعليمات‭ ‬التي‭ ‬يصدرونها‭ ‬تهم‭ ‬للجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شر‭… ‬أدروجة‭ ‬فلسطينية‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الادعاءات‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬اليسار‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬اليمين‭ ‬لا‭ ‬يوفر‭ ‬الحلول،‭ ‬صحيحة‭ ‬نظريًا‭ ‬فقط،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العملي‭ ‬فاليمين‭ ‬ودع‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬وبشكل‭ ‬عبثي‭ ‬فإن‭ ‬اتفاقات‭ ‬أوسلو‭ ‬هي‭ ‬حله،‭ ‬هو‭ ‬فصل‭ ‬غير‭ ‬كامل،‭ ‬ولكنه‭ ‬فصل‭. ‬الحدود‭ ‬تغيرت‭ ‬في‭ ‬أوسلو‭ ‬وفي‭ ‬فك‭ ‬الارتباط‭ ‬وليس‭ ‬هنالك‭ ‬من‭ ‬يعيدها‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭. ‬غزة‭ ‬هي‭ ‬منذ‭ ‬الآن‭ ‬دولة‭ ‬عدو‭. ‬السلطة‭ ‬على‭ ‬40‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬المساحة‭ ‬مفصولة‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭. ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬من‭ ‬الفصل‭ ‬السياسي،‭ ‬والحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الفصل‭ ‬الأمني‭. ‬للحقيقة،‭ ‬إن‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬يتحركان‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬نفسه‭. ‬مشروع‭ ‬ألون‭ ‬حديث‭ ‬مع‭ ‬الغور‭ ‬كالحدود‭ ‬الشرقية،‭ ‬كتل‭ ‬مستوطنات‭ ‬كبرى‭ ‬وتجمعات‭ ‬سكانية‭ ‬فلسطينية‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬مع‭ ‬حكم‭ ‬محلي،‭ ‬وعلم،‭ ‬ونشيد‭ ‬قومي‭ ‬وقوة‭ ‬عسكرية‭  ‬ـ‭  ‬شرطية‭ ‬محدودة‭.‬

من‭ ‬يرد‭ ‬حسابا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬للنفس‭ ‬عن‭ ‬اتفاقات‭ ‬أوسلو‭ ‬فيراجع‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭. ‬فخطوات‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بالنسبة‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬هي‭ ‬المسمار‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬المسيرة‭… ‬إلغاء‭ ‬الميزانيات‭ ‬للوكالة،‭ ‬وإلغاء‭ ‬الممثلية،‭ ‬وتقليص‭ ‬أموال‭ ‬المساعدة‭. ‬ترامب‭ ‬اختار‭ ‬جانبًا،‭ ‬ولشدة‭ ‬حظنا‭ ‬اختارنا‭. ‬

في‭ ‬بداية‭ ‬حرب‭ ‬لبنان،‭ ‬حاول‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬إقناع‭ ‬المحليين‭ ‬بالتمييز‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭. ‬الشيوعيون‭ ‬كانوا‭ ‬الأشرار،‭ ‬والأمريكيون‭ ‬الأخيار‭. ‬هذا‭ ‬السحر‭ ‬خططوا‭ ‬لعمله‭ ‬بواسطة‭ ‬هوليوود‭. ‬فيبثوا‭ ‬للقرويين‭ ‬ذلك،‭ ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬هذا‭ ‬جزئيًا‭. ‬ولكن‭ ‬الاشرار‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬انتصروا‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء‭ ‬انتقل‭ ‬الأمريكيون‭ ‬إلى‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬صدمة‭ ‬فيتنام‭ ‬العائق‭ ‬النفسي‭ ‬الأكبر‭ ‬أمام‭ ‬الأمريكيين‭ ‬لتبسيط‭ ‬الأمور‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بات‭ ‬مركبًا،‭ ‬متوازنًا،‭ ‬لا‭ ‬أخيار‭ ‬ولا‭ ‬أشرار،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬كهؤلاء‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭. ‬

اتفاقات‭ ‬أوسلو‭ ‬برعاية‭ ‬كلينتون‭ ‬كانت‭ ‬مركبة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مخيف؛‭ ‬فقد‭ ‬تضمنت‭ ‬الإرهاب‭ ‬الفلسطنيي،‭ ‬وتخلت‭ ‬عن‭ ‬آليات‭ ‬الرقابة،‭ ‬وانطلقت‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬الافتراض‭ ‬بأن‭ ‬مصالح‭ ‬وعادات‭ ‬إرهابي‭ ‬مثل‭ ‬عرفات‭ ‬تتغير‭ ‬بمصافحة‭ ‬واحدة‭. ‬كما‭ ‬كان‭ ‬تسليم‭ ‬بالتحريض‭ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم‭ ‬وتجاهل‭ ‬تام‭ ‬لعبث‭ ‬مثل‭ ‬الأونروا‭  ‬ـ‭  ‬وكالة‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬تبقي‭ ‬على‭ ‬إحساس‭ ‬اللجوء‭ ‬للجيش‭ ‬الرابع،‭ ‬العائق‭ ‬للسلام‭. ‬وبالمناسبة‭ ‬من‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬رفاه‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬كان‭ ‬يمكنه‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬يقيم‭ ‬آليات‭ ‬مساعدة‭ ‬لا‭ ‬تعزز‭ ‬إحساس‭ ‬اللجوء‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬ترامب،‭ ‬مع‭ ‬كنز‭ ‬الكلمات‭ ‬المحدود‭ ‬والمشاكل‭ ‬الشخصية،‭ ‬فقد‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬الرؤيا‭ ‬المبسطة‭ ‬للأخيار‭ ‬والأشرار،‭ ‬وكنا‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬الأخيار‭.‬

من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬رابين‭ ‬قصد‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة‭ ‬حين‭ ‬وقع‭ ‬على‭ ‬اتفاقات‭ ‬أوسلو‭ (‬وقد‭ ‬ادعى‭ ‬أن‭ ‬لا‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قوله‭ ‬بيقين‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬رابين‭ ‬ورجال‭ ‬أوسلو‭ ‬خلقوا‭ ‬حلامؤقتًا‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي‭ ‬فلسطيني،‭ ‬دولة‭ ‬ناقصة،‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭ ‬الحل‭ ‬الوحيد‭. ‬فقبل‭ ‬بضعة‭ ‬أسابيع‭ ‬كتبت‭ ‬عن‭ ‬صفقة‭ ‬القرن‭ ‬لترامب،‭ ‬وحسب‭ ‬المطلعين‭ ‬فإن‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬هي‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭.. ‬الصفقة‮»‬‭.‬

‭ ‬التهديدات‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬الدولة‭ ‬فارغة‭ ‬من‭ ‬المضمون،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬دولة‭ ‬ثنائية‭ ‬القومية،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬الحلم‭ ‬الصهيوني،‭ ‬بل‭ ‬لقوى‭ ‬السوق،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬احتساب‭ ‬مليوني‭ ‬فلسطيني‭ (‬فقد‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬تخلصنا‭ ‬من‭ ‬مليوني‭ ‬فلسطيني‭ ‬في‭ ‬غزة‭).‬

‭ ‬التهديد‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬الأبرتهايد؛‭ ‬دولة‭ ‬مواطنين‭ ‬مع‭ ‬حقوق‭ ‬كاملة‭ ‬ومواطنين‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الثانية،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬يشهر‭ ‬بها‭ ‬نواب‭ ‬عرب،‭ ‬مشرعون‭ ‬متساوون‭. ‬هذا‭ ‬لن‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬ستضم‭. ‬إذن‭ ‬ماذا‭ ‬نعمل؟‭ ‬تحقيق‭ ‬المصلحة‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬مع‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬منعًا‭ ‬لدولة‭ ‬ثنائية‭ ‬القومية‭. ‬اليسار‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصيغة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬خطوط‭ ‬1967،‭ ‬أما‭ ‬اليمين‭ ‬فيتردد‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬الخط‭. ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬نموذج‭ ‬مشابه‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الموجود‭ ‬هنا‭ ‬منذ‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭.‬

يوعز‭ ‬هندل

يديعوت‭ ‬14‭/‬9‭/‬2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية