السؤال الكبير عن حال مصر الآن هو كيف تنفق حكومتها الأموال التي تعهد صندوق النقد الدولي ومؤسسات التمويل الدولية والدول المانحة بتقديمها أخيرا بعد أن أنفقت أكثر من 40 في المئة من أموال صفقة رأس الحكمة في سد احتياجات عاجلة خلال أيام قليلة. أهمية الاتفاق الأخير مع الصندوق تعود إلى أن هذه المؤسسة الدولية التي تهيمن عليها عمليا الولايات المتحدة هو في الوقت نفسه بمثابة «المايسترو» الذي يقود أوركسترا التمويل في كل من مصر والأرجنتين، ونحن نعرف حال كل منهما. وطالما أن مصر رضخت لشروط الصندوق، التي كانت قد صيغت بندا بندا في مذكرة تفاهم رسمية في نهاية الشهر الأول من العام الحالي، على أساس اتفاق قرض التسهيلات الممدة في نهاية عام 2022 وجرى الإعلان عنها في اليوم التالي مع عودة وفد الصندوق إلى واشنطن من القاهرة، فإن حزمة تمويلية ضخمة ستهبط على مصر تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار، إضافة إلى 35 مليار دولار تمثل قيمة صفقة «رأس الحكمة» التي ثبت أنها ليست كافية لإخراج مصر من عنق أزمة السيولة الأجنبية التي تعاني منها. الآن وبعد الاتفاق الأخير مع الصندوق، الذي راحت الحكومة في مصر تراوغ في تنفيذ شروطها المسبقة منذ أول الشهر الماضي حتى 6 من الشهر الحالي، فإن التعهدات التمويلية بقيمة تتجاوز 55 مليار دولار إما أنها تعيد الحكومة إلى رشدها، وتقودها إلى طريق الصواب، أو أن تدفعها إلى مواصلة غيّها والسقوط إلى الهاوية. ويعلم الخبراء أن الأموال وحدها لا تشتري التنمية، بل إنها قد تكون قيدا عليها في الأجل الطويل، إذا فسدت السياسات الاقتصادية، وأصيب حرية الإرادة بفساد مصالح الجماعات الخاصة. ومن سخرية الأقدار أن مصر وهي فيما هي فيه إذا بها تسمع السيد اللواء رئيس هيئة قناة السويس يخرج على الناس بافتكاسة يتندر عليها المصريون الآن بشأن مشروع جديد لازدواج قناة السويس! ألا يتعلمون! الاختبار الكبير الآن للسلطات الحاكمة في مصر هو الرشادة في استخدام الموارد التمويلية الموعودة، بحيث لا تصبح عبئا على حياة الناس في السنوات المقبلة، ولكن تكون محركا قويا للتنمية وتحسين شروط الحياة اليومية؛ فبرامج الحماية الاجتماعية مثل «تكافل» و«كرامة» تمثل في حقيقتها سُبة اقتصادية واجتماعية يجب إنهاء الأوضاع التي أدت للحاجة إليها.
الاتفاق الجديد مع الصندوق
اتفاق على مستوى الخبراء يحتاج قبل تنفيذه إلى موافقة مجلس مديري صندوق النقد الدولي الذي قد ينظر فيه قبل نهاية الشهر الجاري وليس قبل بداية شهر رمضان كما كانت تريد الحكومة. لكن يوجد لدى الصندوق إدراك لحاجة مصر الملحة للموافقة على الاتفاق بأسرع وقت ممكن. ويتعلق الاتفاق الذي بدأت السلطات المصرية النقدية والمالية تنفيذه في 6 اذار/مارس باستيفاء الشروط المتفق عليها مسبقا لاستيفاء المراجعتين الأولى والثانية لقرض التسهيلات الممدة للصندوق الذي كان قد تم التوصل إليه في نهاية عام 2022 ثم تعثر تنفيذه ولم تحصل مصر إلا على الشريحة الأولى منه فقط. وبمجرد موافقة مجلس المديرين على الاتفاق فإنه من المفترض أن تحصل مصر على الشريحتين الثانية والثالثة من القرض بقيمة 700 مليون دولار تقريبا. فوق ذلك فإن الاتفاق يتضمن أيضا زيادة قيمة القرض إلى 8 مليارات دولار، بزيادة 5 مليارات دولار عن القيمة الأصلية. كذلك ستحصل مصر على قرض بقيمة 1.2 مليار دولار من صندوق الصلابة والاستدامة لزيادة قدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات البيئية والجيوسياسية التي تركت أثرا سلبيا على تدفقات الموارد وتكلفة الواردات بسبب حرب غزة، واضطراب الملاحة في البحر الأحمر. كما أن الاتفاق يتضمن تدخل الصندوق لدى مؤسسات تمويل دولية متعددة الأطراف منها البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي وبنك التنمية الأفريقي والدول المانحة وعلى رأسها الدول العربية الخليجية لتقديم ما يقرب من 12 مليار دولار.
صفقة رأس الحكمة طارت
وكانت دولة الإمارات قد توصلت إلى صفقة مع السلطات القائمة في مصر للحصول على امتياز تاريخي لتطوير إقليم سياحي جديد في مدينة رأس الحكمة على ساحل البحر المتوسط وما حولها مقابل قيمة مالية معلنة تبلغ 35 مليار دولار حصلت منها مصر فعلا على 15 مليار تعادل 43 في المئة من قيمة الصفقة في أواخر الشهر الماضي، وسوف تحصل على القيمة المتبقية فيما بعد. ومع أن التفاصيل القانونية للصفقة غير معلنة أو لم يتم الانتهاء من إعدادها بعد، فإنها جاءت في وقت شديد الحرج بالنسبة للحكومة في مصر، سواء فيما يتعلق بسداد التزاماتها تجاه الدائنين أو حاجتها لتمويل الواردات المتوقفة تقريبا. وما تزال البضائع المتراكمة في الموانئ في انتظار إطلاق التمويل الكافي لسداد مستحقات الواردات إلى الشركات المصدرة في الخارج.
ومع أن البنك المركزي أتاح للبنوك حوالي مليارين من الدولارات لهذا الغرض، فإن رئيس مجلس الوزراء يقدر قيمة الواردات المتراكمة في الموانئ انتظارا للتخليص الجمركي والإفراج عنها لدخول السوق المحلي بحوالي 7 مليارات دولار. أي أن ما اتاحه البنك المركزي من سيولة دولارية للبنوك التجارية لصالح المستوردين يعادل ما يقرب من 29 في المئة فقط من الاحتياجات التمويلية العاجلة لإخراج البضائع من الجمارك إلى السوق المحلي. ولسد فجوة التمويل العاجل للواردات فإن البنك المركزي سمح للبنوك التجارية بشراء الدولار من السوق دون التقيد بالسعر الرسمي المعلن وهو حوالي 31 جنيها للدولار. ومع فتح أبواب البنوك يوم 6 اذار/مارس لاستقبال بائعي الدولار بسعر تجاوز 40 جنيها، ثم بدأت حمى المنافسة لجذب أكبر قدر ممكن من الموارد الدولارية، لتمكين البنوك نفسها من تمويل عملائها المستوردين بما يقرب من 5 مليارات دولار، ليصل السعر إلى 50 جنيها. ومن الطريف هنا أن البنك المركزي لم يعلن قيمة متوسطة للسعر الذي يحدد نطاق هامش التداول في السوق قبل الحاجة إلى تدخله في السوق بيعا أو شراء، بما يحقق الاستقرار النقدي وكبح جماح التضخم، ولكنه ترك السوق لتتحرك كيفما شاءت. ونعتقد أن ذلك حدث لسببين، الأول أن البنك المركزي لا يملك موارد دولارية كافية ويريد المحافظة على قيمة الاحتياطي النقدي ودفع البنوك التجارية إلى تعويض النقص من السوق بأي ثمن. والسبب الثاني هو أن البنك المركزي المصري ليست لديه الخبرات المصرفية الكافية لإدارة سوق صرف مرنة، لأن خبرته تنحصر في سياسة سعر الصرف الثابت أو الإداري. وسوف يحتاج البنك المركزي إلى الموارد والخبرات الكافية قبل أن يصبح قادرا على التصرف بحكمة في سوق صرف مرنة. أحد مقومات سوق الصرف المرنة يتمثل في قدرة البنك المركزي على التدخل في السوق المفتوحة بين البنوك بالبيع والشراء بما يحافظ على الاستقرار النقدي المستهدف.
ملامح السياسة
الاقتصادية الجديدة
رسم صندوق النقد الدولي للسلطات المصرية خطوط السياسة الاقتصادية والمالية التي يجب أن تلتزم بها من خلال المحاور الستة التالية:
أولا: نظام أسعار صرف مرن يبدأ بإنهاء وجود أكثر من سوق وأكثر من سعر للدولار، الأمر الذي يساعد على زيادة القدرة على جذب الدولار وإنهاء الاختناقات في السيولة بالعملات الأجنبية. كما أن ذلك يعيد الثقة إلى النظام المصرفي وإعادة تشغيل سوق تداول الدولار بين البنوك، والمساعدة على تحقيق هدف السيطرة على التضخم وتخفيضه. النظام الجديد لسعر الصرف يعني أن الحكومة لن تصبح في وضع يمكنها من احتكار الدولار والحصول عليه من المنابع المحلية بسعر رخيص، حرمان الحكومة من هذه الميزة يعني ارتفاع تكلفة الإنفاق الحكومي بالعملة المحلية بنسبة تصل إلى 61 في المئة إذا افترضنا أن سعر الدولار استقر في السوق حول 50 جنيها مقارنة بما كان عليه قبل قرارات 6 اذار/مارس. هذا الارتفاع في تكلفة الإنفاق لما يعادل الدولار بالعملة المحلية من شأنه أن يطلق موجة جديدة من ارتفاع الأسعار في السوق.
ثانيا: تطبيق سياسة نقدية متشددة من أجل تخفيض التضخم، والحد من ظاهرة الدولرة التي كانت قد بدأت في الانتشار في قطاعات مختلفة منها العقارات وتجارة السيارات إضافة إلى تجارة الذهب. ورحب الصندوق بإعلان البنك المركزي يوم الأربعاء الماضي زيادة أسعار الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس مرة واحدة إضافة إلى قرار الشهر الماضي برفع سعر الفائدة بمقدار 200 نقطة أساس. وقد رفعت البنوك التجارية على الفور أسعار الفائدة على حسابات التوفير، إضافة إلى تشجيع العملاء على فتح حسابات توفير جديدة مجانا بدون رسوم إدارية، وإصدار شهادات إيداع جديدة بالجنيه المصري بأسعار فائدة تصل إلى 30 في المئة. ومع أن التضخم قد يرتفع مؤقتا لفترة وجيزة، إلا أن هذه السياسة تهدف إلى تخفيض معدل التضخم بسحب السيولة من السوق. لكن سياسة التشدد النقدي هذه سيكون لها أثر سلبي واسع النطاق على القطاع الخاص، الذي يعاني بالفعل من ضعف القدرة على التمويل بأسعار الفائدة ذات الطابع «الرادع» حتى قبل الزيادات الأخيرة. كما أن كفاءة هذه السياسة في تخفيض التضخم تتوقف على تخفيض الإنفاق الحكومي، لأن زيادة الإنفاق العام تمثل أحد أهم محركات التضخم. وليس من المعقول استخدام سياسة نقدية متشددة جنبا إلى جنب مع سياسة مالية توسعية، لأن أثر كل واحدة منهما يلغي أثر الأخرى. وقد أكد الصندوق على هذه الحقيقة في أكثر من موضع.
ثالثا: تعزيز قوة المالية العامة للدولة من أجل زيادة القدرة على خدمة أعباء الدين العام. وقال الصندوق إن الحكومة تعهدت بإدخال إيرادات محلية إضافية في الأجل القصير، بما في ذلك ترشيد الإعفاءات الضريبية، واستخدام جزء رئيسي من الموارد الناتجة عن تخفيض الاستثمار لتخفيض الدين العام. ويعتبر الدين العام المحلي والخارجي هو المعضلة الرئيسية التي تعيق نمو الاقتصاد المصري. ومع أن السلطات القائمة تبرر زيادة الاقتراض بالحاجة إلى تمويل مشروعات تنموية، فإن الثابت منذ حصلت الحكومة على قرض الـ 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي منذ 8 سنوات أن شراهتها للاستدانة زادت، وأن عائد المشروعات التي يتم تمويلها يكاد يكون منعدما. بل إن احتياجات سداد الديون أجبرت الحكومة على اتخاذ قرارات متسرعة لبيع أصول استثمارية تحت ضغط الحاجة إلى تمويل مدفوعات سداد الديون، إضافة إلى زيادة عبء الضرائب العامة بما يعادل 0.5 في المئة سنويا.
وتشير حسابات الموازنة العامة للدولة عن النصف الأول من السنة المالية الحالية إلى حقائق صادمة تتعلق بقيمة الفوائد المسددة، التي تمثل جزءا من أعباء خدمة الدين ولا تشمل قيمة أقساط سداد الدين الأصلي. وقد بلغت فوائد الدين العام الداخلي والخارجي حوالي 793 مليار جنيه مقارنة بحوالي 393 مليار في النصف الأول من السنة المالية السابقة، بزيادة 400.1 مليار جنيه، محققة قفزة بنسبة 102 في المئة تقريبا. أي أن مدفوعات الفائدة تضاعفت لتبتلع وحدها نسبة 84.3 في المئة من إجمالي المصروفات العامة للدولة المصرية. الأشد إيلاما هو أن إيرادات الضرائب المصرية التي يدفعها الأفراد والشركات، بما فيها الأجنبية العاملة في مصر أصبحت لا تكفي سداد الفوائد المستحقة على الديون، حتى أن كل الإيرادات الضريبية أصبحت تمثل 83.5 في المئة فقط من مستحقات الدائنين الواجبة السداد في النصف الأول من السنة المالية الحالية.
رابعا: وضع إطار إجرائي لأبطاء الإنفاق على مشاريع البنية الأساسية، التي يتم تنفيذها خارج رقابة الموازنة العامة للدولة. وعلى وجه الخصوص لاحظت سلطات الدولة أنه من الضروري تخفيض الاستثمارات العامة من كافة قنوات التمويل، بما في ذلك الموازنة العامة للدولة، والمؤسسات المملوكة للدولة، والهيئات الاقتصادية وغيرها. وقال الصندوق إن رئيس الوزراء أصدر قرارا آلية لمراقبة ذلك تحت إشرافه تشارك فيه كافة السلطات المعنية، برئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات. وكانت الحكومة قد اتخذت قرارا في الشهر الماضي بتخفيض الاستثمارات العامة بنسبة 10 في المئة في السنة المالية الجديدة التي تبدأ في أول تموز/يوليو المقبل. لكن صندوق النقد الدولي حدد سقفا للاستثمارات في المشروعات القومية بما لا يتجاوز 20 مليار دولار من جميع مصادر التمويل.
خامسا: وافقت السلطات المصرية أيضا على الحاجة إلى مستوى كاف من الإنفاق الاجتماعي لحماية غير القادرين. وفي هذا السياق من المقرر زيادة موارد صندوقي تكافل وكرامة في موازنة السنة المالية الجديدة 2024/2025. وكانت الحكومة قد أعنلت مؤخرا زيادة تلك الموارد بقيمة 180 مليار جنيه للسنة المالية الجديدة. كما قالت الحكومة إن تلك الإجراءات تتضمن حماية الطبقة الوسطى التي تأثرت كثيرا في الآونة الأخيرة من ارتفاع الأسعار.
سادسا: تطبيق استراتيجية إصلاح سياسة ملكية الدولة، لتحقيق شروط منافسة عادلة للقطاع الخاص. ويشمل ذلك إلغاء الإعفاءات الضريبية أو المعاملة الضريبية التفصيلية للمشروعات المملوكة للدولة، والاسراع بتنفيذ برنامج خصخصة الشركات العامة، لأن من شأن ذلك أن يشجع الشركاء على زيادة الاستثمار في مصر.
هذه المحاور التي جاءت في الاتفاق مع الصندوق تمثل من الآن ملامح السياسة الاقتصادية الجديدة في الأجل المتوسط، وليست مجرد إجراءات عابرة في الأجل القصير.