صفقة كوشنير

حجم الخط
0

ينبغي الأمل في أنه عندما صلى جارد كوشنير، وجيسون غربنبلت، وديفيد فريدمان، أول أمس، فإنهم طلبوا المغفرة والغفران عن خطيئتين ارتكبوهما قبل وقت قصير من يوم الغفران. إحداهما وقف المساعدة الأمريكية بمبلغ 20 مليون دولار لمستشفيين في شرق القدس، أحدهما هو الوحيد الذي فيه قسم لمعالجة أمراض الشيخوخة ويعالج فيه الأطفال. والخطيئة الثانية هي وقف مخصص بمبلغ 10 مليون دولار لتمويل برامج ولقاءات بين أطفال إسرائيليين وفلسطينيين.
كوشنير هو صهر الرئيس دونالد ترامب، مستشاره الكبير والرجل الذي يهمس في إذنه. وضمن أمور أخرى هو مسؤول عن سياسته في الشرق الأوسط. أما غرينبلت فهو مبعوث الإدارة الخاص للنزاع الإسرائيلي و« الفلسطيني. وفريدمان هو سفير الولايات المتحدة في إسرائيل. كلهم يهود نشأوا في التربة نفسها. تعلموا في مدارس دينية ثانوية في الولايات المتحدة. وغرينبلت أنهى أيضًا دراسته في مدرسة دينية في إسرائيل. وبعد ذلك واصلوا الدراسة في جامعات أمريكية معتبرة. غرينبلت وفريدمان هما محاميان، وكوشنير ورث امبراطورية عقارات عن أبيه، الذي حكم بالسجن لسنتين على الغش وإخفاء الضريبة والتحرش بشاهد. عمل فريدمان وغرينبلت كمحاميين ومستشارين لمجموعة ترامب، وكوشنير هو ابن بيت. قربهم من ترامب وعملهم معه ساعدهم على تلقي وظائف منشودة ومواقع قوة وتأثير في إدارته. رغم فوارق السن و« فريدمان ابن 60، غرينبلت ابن 52 تقريبًا، وكوشنير ابن 37 و«لهم ميزة مشتركة: فكر محافظ ترامبي ودعم لليمين والقومية الإسرائيلية المتطرفة.
هذه هي اليوم الثلاثية التي تصمم السياسة الأمريكية في النزاع الإسرائيلي و« الفلسطيني. لا وزارة الخارجية، ولا البنتاغون ولا السي.اي.ايه. في بداية ولايتهم حاولوا أن يبلوروا ما وصفه ترامب بأنه «صفقة القرن»، التي كان يفترض بها أن تحقق اتفاقًا مخترقًا للطريق بين إسرائيل والسلطة. وادعى الرئيس بأن إسرائيل هي الأخرى سيتعين عليها أن تدفع ثمنًا. اليسار الإسرائيلي اليائس تعلق بترامب وكأنه المخلص. وكرر ترامب هذه الأقوال حتى بعد أن نقل في شهر أيار الماضي السفارة إلى القدس. وحتى اليوم يواصل رجال ترامب التلميح بأن خطتهم ستخرج إلى حيز التنفيذ وستفاجئ الجميع. ولكن كلما مر الزمن تعاظمت الشكوك في إسرائيل، وفي الولايات المتحدة، وفي السلطة الفلسطينية.
السلطة، بقيادة أبو مازن، قطعت كل اتصال مع الإدارة في أعقاب نقل السفارة من تل أبيب، ومنذئذ وهي ترفض اللقاء مع مندوبيها وترفض كل مبادرة للحوار. وردًا على ذلك، قرر كوشنير الانتقام. من كتاب الصحافي بوب ود وورد عن البيت الأبيض ترامب «الخوف» ترتسم صورة كوشنير كإنسان ذي نزعة قوة، نوازع داخلية ونابش لا يكل ولا يمل. هدفه الإهانة، والمعاقبة والفرض على السلطة لقبول إملاءات ترامب ونتنياهو لتسوية سلمية خانعة مع إسرائيل. وهو يؤمن على ما يبدو بأنه يمكن معاقبة الضعفاء من خلال إضعافهم أكثر فأكثر. لعل هذا ساري المفعول في عالمه الروحي، الذي تضايق فيه قروش العقارات السكان المستضعفين وتطردهم من ممتلكاتهم مقابل القروش، ولكن هل ينطبق هذا أيضًا على شعوب ذات تاريخ وعزة وطنية؟
مثلما في بشرى أيوب، وجه كوشنير ورفيقاه الضربة تلو الأخرى إلى السلطة الفلسطينية. كانت الأولى وقف التمويل الأمريكي بمبلغ 360 مليون دولار لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وبعد ذلك أغلقوا ممثلية م.ت.ف في واشنطن وطردوا الممثل وعائلته، وهذا الأسبوع أغلقوا أيضًا حسابات البنك. بأفعالهم هذه توقفت الولايات المتحدة في واقع الأمر عن الادعاء بأنها وسيط نزيه، هذا إذا كانت كذلك في أي مرة على الإطلاق.
يمكن الجدال في حكمة الخطوة بالنسبة للأونروا، فمنذ الحرب العالمية الثانية اعتنت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين بعشرات ملايين البشر. وباستثناء فترة قصيرة أقيمت فيها دائرة خاصة للعناية بتأهيل اللاجئين بعد الحرب الكورية، فإن للاجئين الفلسطينيين وحدهم وكالة خاصة ومميزة. هناك من يدعون، ولا سيما بالطبع في اليمين، بأن الأونروا تخلد مشكلة اللاجئين، وتغرس فيهم الوهم بأنهم سينالون العودة إلى ديارهم ذات يوم، تتجاهل التحريض ضد إسرائيل في المدارس، وتضخم عددهم، وتسمح للسلطة الفلسطينية وللعالم العربي أن يستخدموهم بتهكم لمناكفة إسرائيل. ينبغي الاعتراف بأن شيئا ما في هذه الحجة.
ولكن حتى لو كانت حاجة إلى تفكيك الأونروا ونقل العناية باللاجئين إلى مفوضية الأمم المتحدة، أو نقل الأموال مباشرة إلى حكومات الدول التي يسكنون فيها و« غزة، والسلطة الفلسطينية، ولبنان، وسوريا، والأردن و« يجدر بناء مثل هذه الخطوة بالتدريج وليس بطريقة ضربة واحدة وانتهينا. يجب إعداد الأرضية لذلك جيدًا، ففي النهاية يدور الحديث عن بني بشر، فقراء، كيس القمح وزجاجة الزيت اللذين يتلقيانهما يسمحان لهم بالعيش. فضلاعن ذلك، فإن وقف التمويل للأونروا أو حلها دون إقامة جهاز وخطة بديلة سيضران بغزة وبالضفة، ثم بالأردن الذي يعيش أزمة اقتصادية إلى أخرى ويختنق على أي حال تحت عبء ملايين اللاجئين من حرب الخليج في العراق ومن الحرب الأهلية في سوريا، والأردن هو حليف مهم، سواء لإسرائيل أم للولايات المتحدة. كلتاهما لا تريدان أن توجها للنظام الهاشمي ضربة أخرى. ليس صدفة أن جهاز الأمن لا يستطيب خطوات إدارة ترامب. وبالتأكيد ليست الضربات التي تأتي انطلاقًا من إحساس الإهانة والامتشاق من تحت الإبط لكوشنير ورفيقيه. لا مفر، ولا مرتين، سمعنا من رئيس الأركان ومن كبار رجالات هيئة الأركان، ومن المخابرات أيضًا بأن الهدوء في الضفة يعتمد على مرسيين. الأول هو التعاون الأمني مع السلطة، الذي يخدم مصالح مشتركة بينها حفظ الاستقرار النسبي ومكافحة حماس. ويمكن الافتراض بأن التعاون سيستمر، وأنه كان للإدارة الأمريكية ما يكفي من العقل ألا تقلص المساعدة لأجهزة الأمن الفلسطينية، ربما لأن هذا الموضوع ليس بالمسؤولية المباشرة لكوشنير، بل للبنتاغون.
المرسى الثاني هو اقتصادي؛ فالاستقرار والهدوء يبقيان ضمن أمور أخرى وربما أساسًا لأن مئات آلاف الفلسطينيين يخرجون كل صباح للعمل ويعيلون عائلاتهم. والمس المفاجئ بالأونروا من شأنه أن يضعضع هذا الاستقرار وهذا الأمن الاقتصادي، ولا سيما في غزة، حيث الوضع الإنساني على أي حال على شفا حفرة. وخطير بلا تقدير، ولا إنساني حقًا، هو القرار بوقف المساعدة للمستشفيين ولبرامج التعليم، ولا سيما عندما يكون هذا من فعل يهود مؤمنين في فترة الأيام الفظيعة بين رأس السنة ويوم الغفران. هذه هي أيضًا خطوات غبية من كل ناحية كانت. فإسرائيل تدعي بأن القدس هي مدينة موحدة كل سكانها، يهودًا وعربًا، وفي مسؤوليتها. وبالتالي فإن عليها أن تحرص على صحة الجميع، بما في ذلك سكان شرق المدينة. إذا لم تتم إعادة التمويل الأمريكي، فسيتعين على حكومة إسرائيل أن تنقل من ميزانيتها الأموال الناقصة. كما أن إلغاء التمويل لبرامج التعليم المشتركة للأولاد اليهود والعرب هو كالسهم المرتد. فإسرائيل تشكو من أن جهاز التعليم الفلسطيني ينمي الكراهية لإسرائيل ولليهود وينم أحيانًا عن نزعات لاسامية. أما البرامج التي ألغيت فكانت تستهدف التوازن حيال الكراهية والتحريض. وهي تربي على التعايش والتسامح وقبول الآخر. والآن اذهب لتشرح كل هذا لشاب ابن 37 يعتقد أنه يعرف بشكل أفضل من الجميع ما الذي ينبغي عمله.

يوسي ملمان
معاريف 21/9/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية