“صلاة المستوطنين الصامتة” في الأقصى.. خطف المسجد ونزع القداسة الإسلامية عنه

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

القدس- “القدس العربي”: عاصفة من التصريحات والمواقف التي تدين قرار محكمة صلح الاحتلال في القدس الذي بموجبه قدم رأيا مؤيدا لصلاة اليهود في المسجد الأقصى، فبحسب القرار طالما هي “صلاة صامتة تعتبر عملاً مشروعاً لا يمكن تجريمه”.

أما عن خلفية القرار، فهو صادر عن القاضية اليمينية المتدينة “بيلها يهالوم” في إطار رفع أمر المنع عن الحاخام “أرييه ليبو” الذي أدى مع تلاميذه طقوساً جماعية علنية متكررة في المسجد الأقصى المبارك خلال موسم الأعياد اليهودية في شهر أيلول الماضي.

وجاء في حيثيات القرار، إسقاط القاضية عن الحاخام “ليبو” قرار منعه من دخول الأقصى، حيث أمرت شرطة الاحتلال بتمكينه من ذلك.

أما الحاخام “أرييه ليبو” فهو أمين سر مجلس “السنهدرين الجديد” (مجلس اليهود الكبير، حيث ينظر إليه على أنه محكمة عليا للأمة اليهودية) الذي أسسه مجموعة من حاخامات التيار القومي- الديني بقصد إحياء الهيكل المزعوم وإقامته في مكان المسجد الأقصى، وإحياء كامل عباداته التوراتية.

وكان الحاخام “ليبو” قد أرسل مع مجموعة من الحاخامات مطلع هذا العام رسالة إلى رئيس وزراء السابق بنيامين نتنياهو طالبوه فيها بالسماح لهم بتقديم قربان الفصح داخل المسجد الأقصى المبارك، وهو الحلم الذي يعمل متطرفو جماعات الهيكل على تحقيقه في كل “عيد فصحٍ” توراتي.

ويعتبر قرار “محكمة الصلح” (وهي محكمة ابتدائية حيث تمثل أدنى محكمة في إسرائيل) بمثابة تأييد وليس حكما قضائيا. لكنّ فلسطينيين كثر ينظرون إليه على أنه سابقة قضائية تضفي المشروعية العلنية على صلاة اليهود في الأقصى بموجب محاكم الاحتلال، وهو يعزز توجه حكومة الاحتلال لفرض أداء الطقوس اليهودية داخل المسجد الأقصى المبارك ضمن أجندة “التأسيس المعنوي للهيكل”.

ممارسة في الساحات

وبعد يوم واحد على القرار، مارس مستوطنون طقوسا تلمودية وصلوات صامتة في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى صباح اليوم الخميس. حيث وثقت كاميرات ناشطين مقدسيين ومرابطين قيام مستوطنين متطرفين بالصلاة بصمت في باحات المسجد الأقصى، وهو الأمر الذي جاء متماشيا مع قرار محكمة الاحتلال.

جاء ذلك بعد أن اقتحم المستوطنون، اليوم، ساحات المسجد الأقصى. وبحسب أحد حراس المسجد، فإن عشرات المستوطنين اقتحموا الساحات عبر باب المغاربة، ونفذوا جولات استفزازية تجاه السور الشرقي، وأدوا صلوات فردية صامتة، بحماية مشددة من شرطة الاحتلال.

وينظر للقرار على أنه سيؤدي إلى تفاقم النزاع الديني في المنطقة في ظل إخلاله بالوضع القائم في المسجد الأقصى.

ثلاث رسائل

الشيخ ناجح بكيرات، نائب رئيس مجلس الأوقاف في القدس المحتلة، اعتبر أن القرار يحمل بين طياته ثلاث مسائل، الأولى: تسخير الاحتلال للجانب القانوني بشكل مباشر في عملية تهويد المدينة، مثلما سخّر المخابرات والشرطة والبلدية في عملية التهويد، وها هو يمنح الجانب القانوني الدور الكبير والصلاحية الكاملة للتهويد.

وتابع بكيرات: “علينا التأكيد أن المحكمة ليس لها صلاحيات من حيث المبدأ، كما أنها محكمة باطلة لأن القدس تصنف على أنها من الأراضي المحتلة عام 67، وهناك الكثير من القرارات الدولية التي تمنع الاحتلال من القيام بمثل هذه الأعمال وكل القوانين الموجودة باطلة”.

أما الرسالة الثاني بحسب بكيرات، فتتمثل في أن الاحتلال يريد أن يعطي المتطرفين فرصة أكبر لمحاولة تقسيم المسجد الأقصى زمانيا ومكانيا، وهي عملية تحريض مستمرة تشترك بها كل مؤسسات الاحتلال من دون استثناء.

أما الرسالة الثالثة فتتمثل في البدء بعملية خطف للمدينة باعتبارها عاصمة للاحتلال، وهو أمر يترافق مع نزع القداسة عن المسجد الأقصى، وتقديمه على أنه مكان مقدس لليهود أيضا.

وشدد بكيرات أن مثل هذه القرارات يجب أن يقف الجميع في مواجهتها، “هذه مسؤولية كل مسلمي العالم، فمعنى أن يصلي اليهودي في القدس أن القداسة الإسلامية انتهت”.

وأضاف أن خطورة السياسة الإسرائيلية، أنها قائمة على التدرج، وهو نهج تقوم عليه كل السياسة الإسرائيلية، والرسالة من القرار الأخير هي إنهاء القداسة والهوية الإسلامية بالتدريج.

وطالب بوقفة جادة من الجميع، شعوب ومؤسسات، “وليس أقل من هبة شعبية كما حدث سابقا، تعمل على وقف القرار ومنعه بأي شكل من الأشكال”.

وأكد بكيرات أنه علينا العمل على مزيد من الاحتجاج والرفض، “ففي حال مضى هذا القرار فإنه سيترتب عليه قضايا وقرارات ومشاكل جديدة”.

وطالب المطران عطا الله حنا بالوحدة الفلسطينية على اعتبار أنها أساس القوة، معتبرا أن “وحدتنا هي قوة لنا في دفاعنا عن القدس ومقدساتها وأوقافها وهويتها المستهدفة والمستباحة بشكل غير مسبوق”.

وتابع حنا: “نحن في مدينة القدس بحاجة إلى مرجعية وطنية مقدسية لا تستثنى أحدا ولا تمسّ أحدا، فالقدس للجميع ولا يمكن النهوض بواقعها وحمايتها إلا من خلال وحدتنا الوطنية وتعاوننا مع بعضنا البعض”.

إعلان حرب

أما ناصر الهدمي فقد وصف قرار المحكمة “بالـ”خطير جدا”، لكنه في الوقت نفسه “باطل لكون القدس مدينة محتلة ولا تنطبق عليها قوانين الاحتلال”.

وانتقد الهدمي الحكومة الأردنية والسلطة الفلسطينية وجميع الحكومات العربية، معتبرا أنهم جميعا لا يقومون بالمطلوب منهم لحماية الأقصى.

وحذر الهدمي من أن “الاستمرار في هذه النهج سيقود إلى انفجار الوضع ليس فقط في القدس، وإنما في كل فلسطين، فاللعب بالنار سيجر المنطقة إلى حريق كبير جدا”.

الأكاديمي والباحث في شؤون القدس جمال عمرو، أشار إلى أن “القرار شرعنة للصلاة اليهودية في الأقصى، وتجاوز لكل الخطوط الحمراء”.

 وأضاف: “القرار يمثل حالة من إعلان الحرب والتصعيد الخطير الذي لا يجب السكوت عنه ويتطلب فعلا بحجم القرار وتداعياته”.

بدوره، حذر رئيس الوزراء محمد اشتية من محاولات إسرائيل فرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى المبارك، وذلك عقب قرار المحكمة الإسرائيلية.

وطالب اشتية، الإدارة الأمريكية بالوفاء بتعهداتها بالحفاظ على “استاتيكو” المعمول به بالمسجد الأقصى المبارك، وعدم السماح بإحداث أي تغيير فيه.

وأكد مواصلة التنسيق في هذا الشأن مع الأردن، داعيا الأمتين العربية والإسلامية إلى اتخاذ مواقف جدية لوقف الإجراءات الإسرائيلية التي تشكل انتهاكا خطيرا لقبلة المسلمين الأولى.

ودعا رئيس الوزراء الفلسطيني قادةَ إسرائيل إلى الاستفادة من دروس الماضي، مذكرا بما حدث عام 2017 عندما تمكن المصلون من إفشال مخطط البوابات الإلكترونية التي وضعتها إسرائيل على مداخل المسجد المبارك.

وأدانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، قرار محكمة الاحتلال الإسرائيلي منح اليهود المتطرفين حقا بأداء الصلوات في باحات المسجد الأقصى.

وقال الناطق باسم الوزارة السفير هيثم أبو الفول، في بيان مساء الأربعاء، إنّ القرار باطل ومُنعدم الأثر القانوني حسب القانون الدولي الذي لا يعترف بسلطة القضاء الإسرائيلي على الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القُدس الشرقية، وأنه يُعد خرقا فاضحا لقرارات الشرعية الدولية المُتعلقة بالقُدس ومنها قرارات مجلس الأمن التي تُؤكد جميعها على ضرورة الحفاظ على وضع المدينة المُقدسة.

وأضاف أن القرار يُعد انتهاكا خطيرا للوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك، وقرارات اليونسكو، مشددا على أنّ المملكة، ووفقاً للقانون الدولي، لا تعترف بسلطة القضاء الإسرائيلي على القُدس المُحتلة.‎

وحذّر الناطق الرسمي من مغبة الإجراءات الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى المُبارك التي ستمتد تبعاتها إلى العالم بأسره، والتي تُمثل استفزازا لجميع المسلمين. ‎

وشدّد على أنّ المسجد الأقصى المُبارك/ الحرم القُدسي الشريف بكامل مساحته وباحاته البالغة 144 دونما هو مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى المُبارك الأردنية هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري بإدارة كافة شؤون الحرم وتنظيم الدخول إليه والخروج منه.

حرب دينية

بدوره ناشد المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، وخطيب المسجد الأقصى المبارك الشيخ محمد حسين، العرب والمسلمين لإنقاذ مدينة القدس والمسجد الأقصى مما يحاك ضدهما قبل فوات الأوان، وإحداث أمر واقع فيهما.

جاء ذلك في بيان أصدره ووصل “القدس العربي” نسخة منه، قائلا إن هذا القرار الذي اتخذ من أعلى المستويات السياسية، يفضح سياسة الاحتلال في فرض الأمر الواقع في المسجد الأقصى المبارك.

ودعا كل من يستطيع الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك إلى ضرورة إعماره وحمايته، محملا سلطات الاحتلال عواقب هذه القرارات البغيضة التي تزيد من نار الكراهية والحقد في المنطقة وتؤججها، ومبينا أن هذه القرارات إعلان من قبل سلطات الاحتلال لحرب دينية شعواء، يصعب تخيل عواقبها، وتندرج في إطار إطباق السيطرة على المسجد الأقصى المبارك، والتي تستفز مشاعر نحو ملياري مسلم في العالم.

وأكد رئيس دائرة القدس في منظمة التحرير الفلسطينية، عدنان الحسيني، أن قرارات محاكم الاحتلال الإسرائيلي، بشأن المسجد الأقصى، باطلة ومخالفة للقانون الدولي.

وقال الحسيني في بيان صحفي اليوم الخميس: “يثبت القضاء الإسرائيلي في كل مرة أنه إحدى أدوات الاحتلال لشرعنة تهويد المدينة المقدسة ومقدساتها الاسلامية والمسيحية وعلى رأسها المسجد الاقصى المبارك”.

وأعرب الحسيني عن قلقه من هذه السابقة القضائية التي تأتي مع الذكرى الـ21 لمجزة الأقصى في الثامن من تشرين الأول عام 1990، والذكرى السادسة لهبة القدس عام 2015، محذرا من لهيب سيشعل المنطقة برمتها، مذكرا بثورة البراق عام 1929 إبان الانتداب البريطاني لفلسطين والتي كان أحد أسبابها صلاة اليهود أمام حائط البراق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية