صلاح الوديع: يجب ان نتذكر جيدا لكي ننسي

حجم الخط
0

صلاح الوديع: يجب ان نتذكر جيدا لكي ننسي

مسيرته مرت بالشعر والرواية وصولا الي قضايا انتهاكات حقوق الانسان في المغربمحمد العربي غجوصلاح الوديع: يجب ان نتذكر جيدا لكي ننسي أن تلتقي بالشاعر صلاح الوديع معناه أنك تلتقي بشخصية متعددة الأبعاد، غنية بحضورها الإنساني والإبداعي، ثرية بعمق ومساحة انشغالها بما هو فكري وإبداعي وحقوقي وسياسي. المركز الثقافي الأندلسي بمرتيل في إطار سلسلة أنشطته حول: الكلمة وسنوات الجمر استضاف مساء يوم الجمعة 17 شباط (فبراير) 2006 صاحب جراح الصدر العاري 1974 ولا زال في القلب شيء يستحق الانتباه 1984 ورواية العريس 1988 ليفسح أمام الحضور فرصة مساءلته حول الكتابة والشعر في سنوات الجمر والرصاص ومتابعة تجربته الجديدة في إطار هيئة الإنصاف والمصالحة وإماطة اللثام عن تفاصيل مباشرته الميدانية لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والوقوف عند خلاصة تجاربه وتصوراته للراهن السياسي والحقوقي والإبداعي في مغرب اليوم. صلاح استهل كلامه بالحديث عن أهمية الكتابات التي ارتبطت بالتعبير عن هذه المرحلة وسجل الزخم الكبير لهذه الكتابات ووفرتها باعتبارها انفجارات الذاكرة وتفجيرا للمسكوت عنه حول الفظاعات التي كانت ترتكب في الدهاليز والأقبية. يقول صلاح: بالإضافة إلي القيمة التوثيقية لتلك الكتابات فهي قد وضعت جيلا كاملا في مواجهة ذاكرته حيث أصبح القول تحريضا علي التوجه للمسكوت عنه.. فالذي يقرأ لبوريكات والمرزوقي يفاجأ بدقة التفاصيل كما أن السينما والتشكيل في المغرب استفادا من هذه التجربة .تفاوتت هذه الكتابات يقول صلاح من حيث قيمتها الفنية والأدبية بعضها اطلع فقط بمهمة إثبات سياق وأحداث لا يذكرها إلا من عاشها وبعضها الآخر استطاع أن يرتاد آفاقاً إبداعية وأدبية علي درجة كبيرة من التميز.وعلي العموم فالكتابة السجنية كما يري صلاح هي ذات قيمة علاجية .. فثمة إحساسات حميمية ذات طابع وجداني ونفسي لا يستطيع سبر أغوارها إلا الكتابة.. وذلك في نوع من التجاوز الداخلي لمحبطات سيكولوجية تمنع عملية التآكل الداخلي… الكتابة بهذا المعني هي تأمين للصمود الداخلي في وجه آلة السجن الجهنمية التي تتوخي تدمير الذات وتقليص أبعادها الإنسانية والاجتماعية إلي أبعد الحدود،وفي هذا السياق يتحدث صلاح عن روايته العريس التي لاقت ترحيبا وإقبالا كبيرين في الوسط الثقافي والأدبي.. هذه الرواية التي حولت المضمون المأساوي لطقوس التعذيب ويوميات الاعتقال إلي نوع من الملهاة و السخرية المرة التي أضفت علي هذا العمل الأدبي باعتراف الناقد السوري صبحي حديدي تميزا ما كان ليتحقق له لو سلك فيه كاتبه منحي تقريريا عاديا.صلاح الوديع انطلق في هذا العمل من قاعدة ذهبية ما فتئ يكررها وبصيغ مختلفة علي امتداد اللقاء الذي استغرق ثلاث ساعات: نعم للعودة إلي الذاكرة.. لكن دون السقوط في اجترار آلامها . يجب أن نتذكر جيدا لكي ننسي . أيها السجن قد علمتني معني أن أحب الحياةلكنني لا أسمح لك بأن تسكن روحي وتسمم حياتي إلي الأبد .بهذه الروح كتب صلاح رواية العريس وبهذه الروح أيضا كان يباشر الاتصال بضحايا سنوات الرصاص هو وزملاؤه في هيئة الإنصاف والمصالحة لإعداد سيناريوهات جلسات الاستماع العمومي التي بثت بعضها قنوات التلفزيون المغربي،بهذه الروح المتعالية علي أحزان الماضي وجراحاته وآلامه يدعو صلاح للنظر للمستقبل بنظرة مغايرة، نظرة لا يتم فيها تبخيس الذات وتتفيه منجزاتها فهيئة الإنصاف والمصالحة حسب صلاح خطوة هامة علي درب تصالح المغرب مع ذاته وماضيه وعملية بيداغوجية هامة تابعها كثير من المراقبين الدوليين والحقوقيين بالكثير من الاهتمام والتقدير… وتبقي تمرينا ضروريا في مسلسل الطموح لبناء ديمقراطي لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب المؤسساتي فحسب بل يراعي التربة الثقافية العميقة في الوجدان…ويبقي في الأخير صلاح الشاعر الذي صدح في منتصف السبعينيات وفي منتصف الثمانينيات بصوت شعري متألق في ديوانيه جراح الصدر العاري و لا زال في القلب شيء يستحق الانتباه ، يبقي هذا الشاعر حاضرا في ضمير القصيدة المغربية وفي تلافيف وجدانها… يبقي صوتا من أصوات سمفونيتها الباذخة الألوان… ويبقي جمهور شعره وهو يتابع لحظته الشعرية علي قناة دوزيم تواقا إلي ما ستتفتق عنه أنامل هذا المنحدر من سلالة الشعر حيث الأم شاعرة والأب شاعر والآفاق كلها مطوقة بالشعر وواعدة بكل ما يخصب تربة الإبداع ويبذر فيها نباتا جديدا.. ولعل التجارب الإنسانية العميقة التي خبرها صلاح الوديع وهو يعود لفتح الصفحات الأليمة لماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان قد تساهم ولا شك في تحريك مخزون الدفق الشعري لديه وقد تلمس الجمهور الحاضر في مركز الأندلس مساءئذ هذه القدرة الاستثنائية علي سرد التفاصيل في وصف شاعري محرق انزلق إليه الشاعر دونما سابق تخطيط وهو يحكي عن فظاعة سجن أكدز ومنطقة تاكونيت وجبل صقر ذي الصخور المرعبة السوداء والسجين المعلق من رجله في فراغ لا نهائي وصمت لا نهائي وكأننا أمام مشهد سوريالي قيامي تقشعر له الأبدان.. فهل للشاعر أن ينفلت من كماشة الحقوقي ليحرر مارد الشعر من قمقمه؟كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية