صمود السلطة السودانية الزائف في دارفور

حجم الخط
0

صمود السلطة السودانية الزائف في دارفور

بوازع ضمان إفلات مسؤولين سامين من تتبع جنائي دولي لتورّطهم في جرائم ضد الإنسانيةعمر المستيريصمود السلطة السودانية الزائف في دارفور نبرة انتصارية طغت علي التصريحات الرسمية السودانية المرحّبة بقرار الاتحاد الإفريقي يوم 20 ايلول (سبتمبر) 2006 بخصوص تمديد مهمة قواه في قطاع دارفور السوداني مدة ثلاثة أشهر إضافية، إلي نهاية 2006. كيف لا، والحلّ ـ الذي كانت تدعو له السلطة السودانية ـ أُقرّ بعدما تمّت تزكيته من أطراف هامّة مثل منظمة الأمم المتحدة (التي التزمت بإمداد القوي الإفريقية بالعتاد والدعم اللوجستي) والجامعة العربية (التي يترتب عليها تمويلها ـ 1 ـ)… يظهر القرار المذكور، وإلي حدّ كبير، كإذعان دولي لصرامة الرئيس السوداني اللواء عمر البشير وكإقرار ضمني بتعليق قرار مجلس الأمن عدد 1706 الصادر في 31 آب (اغسطس) 2006 والقاضي بنشر قوي تابعة للأمم المتحدة داخل إقليم دارفور. وحتّي الحكومات الغربية التي سبق أن تحمّست للقرار 1706 صار عدد منها لا يخفي ارتياحه اليوم من المخرج المعلن يوم 20 ايلول (سبتمبر) والذي ينهي ـ مؤقتا ـ أزمةً اندلعت مع معارضة حكومة الخرطوم القوية لقرار مجلس الأمن المذكور في تحد لـ المجموعة الدولية غير مسبوق منذ غزو العراق. مَخرج متوقّعبيد أن هذه التطورات لم تفاجئ الكثير من المراقبين. فالقرار 1706 اشترط موافقة الحكومة السودانية قبل أي شروع لنشر القوي الأممية، ممّا اعتُبر صيغة توفيقية تراعي إلي حدّ ما الرأي السوداني. وهنا تجدر الإشارة إلي أنّ المساعي الغربية هدفت منذ شهور إلي الحصول علي تعاون مع حكومة الخرطوم. هكذا سارعت الإدارة الأمريكية، قبل استصدار القرار 1706، إلي إرسال جنداي فرازر نائبة وزيرة الخارجية إلي السودان لعرض عدد من الحوافز علي الحكومة من بينها رفع العقوبات الدولية السارية منذ أكثر من عقد من الزمن كما اقترحت عقد لقاء بين بوش والبشير بمناسبة الجمعية العامة للأمم المتحدة. في هذا الإطار تبدو لهجة خطاب بوش إزاء السودان ـ وإن حرص علي تحاشي أوصاف حادّة خصّ بها إيران حديثا ـ موجّهة للتجاوب مع الحملة الداخلية الضخمة حول دارفور أكثر منها إلي أخذ تدابير عملية لا تسمح بها أوضاع إدارة بوش المتعكّرة داخليا ودوليا من جراء الورطة العراقية. دبلوماسية مكبرات الصوت وأوحال منظمة الأمم المتحدةعلي هذا الأساس انحصرت الجهود الأمريكية في نطاق الضغط الدبلوماسي علي حكومة الخرطوم قصد إقناعها بـ المنافع التي قد تجنيها من تعاون فعلي مع الأمم المتحدة علي تفعيل القرار 1706. فتحذيرات كوندي رايس القوية للقيادة السودانية التي صرحت بها يوم 27 ايلول (سبتمبر) تلاها نقد لاذع وجّهه البريطاني مارك مالوك براون، المساعد الرئيسي للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة كوفي عنان، إلي حكومتي بوش وبلير حيث لم يتردّد، في تصريح لصحيفة الاندبندنت بتاريخ 29 ايلول (سبتمبر)، علي التنديد بـ دبلوماسية مكبرات الصوت والتهديدات غير المجدية في ملف دارفور، تصريحات لاقت الدعم بعد زيارة رئيس المفوضية الأوروبية خوان مانويل باروزو الذي ناشد كلا من الخرطوم والدول الغربية أن تبدي مرونة كافية للتوصل إلي صيغة تسمح للأمم المتحدة بتحسين الأوضاع الأمنية في دارفور خلال زيارته إلي الخرطوم يوم السبت 30 ايلول (سبتمبر) 2006. هناك في الواقع شبه إجماع يسود داخل المنظمة الأممية علي الاعتراف بأنه لا يوجد أي بلد اليوم مستعد إلي إرسال جنوده لمواجهة الجيش السوداني ممّا دفع كوفي عنان إلي التذمّر من عجز المنتظم الأممي علي تفعيل قرارات مجلس الأمن العديدة المتعلّقة بدارفور حيث نشاهد الرجال والنساء والأطفال يشرّدون من بيوتهم بواسطة القتل والاغتصاب وحرق قري بأكملها، ممّا يضفي طابعا ازدرائيا علي طموحنا، بوصفنا مجموعة دولية، إلي توفير حماية تجاه أبشع المعاملات مثلما جاء في خطابه لدي افتتاح الجلسة العامة الـ61 للأمم المتحدة. واعتبر الرئيس الأمريكي أن قضية دارفور قد تضع مصداقية الأمم المتحدة علي المحكّ. صلب قضية دارفور: مأساة فظيعةالسلطة السودانية التي أرفقت تصلّبها الدبلوماسي بحملة إعلامية عنيفة شهّرت بـ محاولات الغزو و نوايا إعادة الاستعمار و مخطّطات التقسيم و مرامي الاستيلاء علي الموارد النفطــــية لتبرير رفضها انتشار القوي الأممية بدارفـــــور، متوعّـــدة الغزاة بتحويل التراب السوداني إلي مقابر لهــــم، لا تبالي في الواقع بالســـيادة الوطنية السودانية (2)، إذ سبق وأن تــــنازلت عنـــها للســـماح لآلاف الجنـــود التابعـــين للاتحــــاد الإفريقي بالانتشـــار في التراب السوداني (3) … هذه الــقوي التي أجمعت التــــقديرات علي اقتصارها علي دور المتفرّج، من جراء إمكانـــاتها الهزيلة، وعدم قدرتها علي منع الانتهاكات الجسيمـــة التي تقتـــرفها القوي النظـــامية وأتباعها من قبائل الجنجويد. الصرامة الرسمية السودانية ـ في رفض انتشار جنود تحت لواء الأمم المتحدة ـ ترجع في حقيقة الأمر أكثر إلي حالة الذعر التي انتابت القيادة منذ يوم 31 اذار (مارس) 2005 لمّا أحال مجلس الأمن، بمقتضي القرار 1593، ملف دارفور علي المحكمة الجنائية الدولية مرفقا بقائمة اسمية موجّهة للمدعي العام تخص 51 مسؤولا بجهاز الدولة السودانية يفترض فتح تتبّع جنائي في شأنهم من جرّاء اقترافهم جرائم ضد الإنسانية. أمام هذه الورطة، الناجمة عن نهجها الاستبدادي، اختارت القيادة السودانية اللجوء إلي الهروب إلي الأمام بتعزيز الحملة العسكرية ضد أهالي دارفور وإلي تضليل إعلامي يهدف إلي حجب صلب قضية دارفور عن أنظار الرأي العام العربي وإخفاء المأساة الفظيعة التي أصابت أهالي الإقليم والتي تقدّر ضحاياها بالملايين تعرضوا لحملات واسعة للقتل الأعمي (قرابة الـ200000 قتيل) والاغتصاب والتعذيب والتهجير والنهب والسلب. وتبعا لذلك تعتبر محاولات الابتزاز للدعاية النظامية التي عمدت إلي إقامة علاقة بين دارفور وجنوب لبنان مزرية تماما إذ سعت إلي تشبيه صمود اللواء البشير المزعوم، في وجه المؤامرة الصهيونية (التي طالت السودان)، بمقاومة لبنان بزعامة حزب الله (4) للعدوان الإسرائيلي الأخير. فمُقَاتِلُو حزب الله واجهوا جيشا غازيا يعدّ من أقوي جيوش العالم وأحدثهم عتادا في حين سخّر الجيش السوداني النظامي طائراته لإبادة مواطنين عزل الذين هم ليسوا بالغزاة وإنما رعاياه الذين يتوجب عليه أن يسخّر طاقاته في حمايتهم. إجماع عربي رسمي لمؤازرة حكومة الخرطوم… وسكوت النخب المخجل عن المأساة للأنظمة العربية، التي أحجمت عن مؤازرة لبنان وحزب الله، وسارعت بالمقابل إلي نجدة النظام السوداني. فهي تغافلت عن فظاعة الجرائم التي اقترفت بدارفور في حين انتقدت الجامعة العربية القرار 1706 ووصفته بالـ متعجّل وتجرأ وزير الخارجية المصري علي تحذير الولايات المتحدة من عواقب نشر قوات أممية دون موافقة الحكومة السودانية. (5) هذا ليس بالغريب، فقرار مجلس الأمن يعني إحالة ملف انتهاكات دارفور علي المحكمة الجنائية الدولية وهـــــي سابقة تنذر بنهاية عهد تمتعت خلاله الأنظمة العربية بحصــــانة كاملة للعبث بمواطنيها.من المؤسف أن النخب العربية لم تقدّر قرار مجلس الأمن رقم 1593 حقّ التقدير لما انجرّ عنه من فتح بوابة الأمل أمام تطلّعات ملايين ضحايا الاستبداد ونشطاء حقوق الإنسان في العالم العربي. وذلك علي الرغم من أنّ القرار يكرّس في الوقت ذاته تنازلا خطيرا للجهات المعادية للمحكمة الجنائية الدولية ولجميع آليات مكافحة الإفلات من العقاب والتي تتزعّمها الولايات المتحدة الأمريكية ـ بإقرار مجلس الأمن لمبدأ استثناء منظوريها في قضية جرائم دارفور ـ ممّا يؤدّي إلي تفاقم قاعدة ازدواجية المعايير المعتمدة حاليا داخل الأمم المتّحدة ويخضع أداء آليات المحاسبة الدولية لعلاقة القوة ولمصالح الدول الكبري وهو من شأنه أن ينال من مصداقيّة هذه الآليات.هذا ويزداد الأسف بسبب استقالة المثقّف العربي من واجب نجدة أهالي دارفور حيث كان من المفترض أن يتصدّر الحملة من أجل دعم كل الإجراءات الدولية الهادفة إلي حماية المدنيين بالإقليم ـ وخاصة منهم النساء والأطفال ـ وإحلال السلام، تمهيدا لإحداث الإصلاحات الديمقراطية، وفي مقدمتها مهمّة وضع حدّ لإفلات الجناة من العقاب وتفكيك آليات الحصانة التي وضعت لحمايتهم.1 ـ الاتحاد الأوروبي يساهم هو الآخر في تمويل هذه القوة.2 ـ كما تجاهلت تواجد القوي الأممية الحالي في جنوب السودان بمقتضي اتفاقية السلام التي أبرمت سنة 2005 والتي انهت حربا أهلية دامت أكثر من عقدين ـ وذهب ضحيتها قرابة المليون ونصف المليون من أبناء السودان إضافة إلي نحو أربعة ملايين من المشرّدين ـ وكان لذات الســـياسات الحكومية الضـــلع الأكبر في ذلك. مع التذكير بدعم الولايات المتحدة الكـــامل لنظام جعفر النميري الذي أشعل النار آنذاك بادعائه فرض أحكام الشريعة الإســــلامية علي كامل التراب السوداني. 3 ـ في نطاق اتفاقية السلام المبرمة بمدينة أبوجا النيجيرية في ايار (مايو) 2006 بين هذه الحكومة وقسم من المتمرّدين 4 ـ مثلما جاء علي لسان نائب الرئيس السوداني يوم 3 ايلول (سبتمبر) 2006.5 ـ طرأ تعديل مهم في الموقف المصري بعد ما أعلنت إدارة بوش عزمها الضغط علي السودان بواسطة حكومات عربية صديقة لها، إذ صارت الخارجية المصرية تلحّ منذ أيام علي ضرورة تفعيل القرار 1706. صحافي من تونس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية