صناديق الانتخابات والرقم السري المفقود

غدا ستعود صناديق الانتخابات العراقية مرة ثالثة كي تتقيء لنا القتل والدمار والفساد. تعود مرة أخرى كي تبتلع أحلام الحالمين بعراق ديمقراطي حر، يعيش فيه الانسان بكرامة متنعما بثرواته، آمنا على مستقبل الوطن وأجياله. يمد يده الى الاخرين بدون حدود طائفية ومذهبية، ويتجول بين المدن والقرى بدون سيطرات عسكرية وجدران كونكريتية. لكن الصناديق في كل مرة تلقي في وجوه الحالمين أحلامهم وأمانيهم، وتصر على أن تنتج من عرفناهم أمراء حروب وطوائف وأميين فاشلين. المعضلة الرئيسية في كل هذا البؤس الصادر من الصندوق هو أننا لازلنا لا نملك الرقم السري له.
لقد أعطونا صناديق الفوضى الخلاقة والاضطراب السياسي والامني، وحشروا فيها عملاء وخونة وأذرعا لهذا الطرف الاقليمي وذاك الدولي، ثم قالوا لنا انتخبوا، وعندما قلنا بأنهم سيئون قالوا انتخبوا أحسن السيئين، وأدنى الموغلين في مستنقع الخيانة، وأقل القتلة سفكا لدماء الابرياء، ومن خف سعاره الطائفي، وخفت مسروقاته حتى لو غلا ثمنها، لان العراق الجديد ليس فيه الا هؤلاء، هم المسموح لهم بتصدر المشهد السياسي، لانهم الوارثون الوحيدون لزمن الاحتلال ومناهجه وتعاليمه المقدسة، واتفاقياته العلنية والسرية، المتمسكون بوصايا بوش وراميسفلت ودك تشيني، وهم الوحيدون الممتدة تواريخ صلاحيتهم الى ما شاء اللصوص الدوليون، فقد ولى زمن الوطنية في عالم اليوم، وتداعت الحدود بعضها فوق بعض، ولم يعد للاوطان من شرف واستقلالية قرار، حتى بات كل مقاوم ولو بالكلمة يسمى ارهابيا، ويستحق أن تجتمع عليه كل قوى الكون كي تجتث عقله، وربما رأسه. الغريب في كل هذا المشهد أننا أمام فتاوى دينية صدرت من هذا الطرف وذاك تدعو الى عدم التخلي عن هذا الصندوق، رغم كل المآسي والكوارث التي جلبها لنا، منطلقين من أن ليس هنالك طريق آخر يمكن به ادارة البلاد وتمشية أمور العباد، لكن مُطلقي هذه الفتاوى عجزوا حتى اليوم عن أن يُقدموا حلا واحدا يمكن الركون اليه، كي يقتص به العراقيون من سارقيهم وقاتليهم الذين خرجوا من الصندوق، بعد أن انتخبهم المواطن المدفوع بهذه الفتاوى نفسها التي صدرت في العامين 2006 و2010. أي أننا أمام فتاوى دينية تشجع على الانتخاب كحق، لكنها لم تقم الحدود على السُراق والقتلة والفاسدين.
أليس من الجدير بمن يُصدر الفتوى بالتشجيع على الانتخاب، أن يُعلن الاسماء الصريحة لكل من ساهم وشارك وكان مسؤولا مسؤولية مباشرة عن هدر أربع سنوات من عمر الوطن وأجياله، هي عمر الدورة الانتخابية، ويطالب ويشجع الناس على الاعتصام حتى استحصال المال العام منهم، ومنعهم من الترشح مدى العمر؟ كما أن التشجيع على الانتخاب في ظل هذا الحشد الطائفي وتكتل الفاسدين واللصوص والقتلة، سوف يُعطي كل هؤلاء حصانة من المساءلة وحجة للدفاع عن أنفسهم بأنهم مُنتخبون من الشعب. ألم يُحاجج المالكي كل الاصوات المعترضة على نهجه الفاشل بأنه منتخب من الشعب؟
اذن نحن أمام عملية دفع للناس للعملية الانتخابية بدون وضع كوابح وخطوط حمر على الناتج منها، في ظل انعدام الثقافة السياسية القائمة على الاعتراف بالخطأ والاستقالة من المنصب، وبذلك سوف نبقى أمام مشهد متكرر يزيد الناس فقرا ويزيد البلاد تخلفا ودمارا. كما أن من يفتون بضرورة المشاركة في الانتخابات انما ينسون أنهم يدفعون الناس الى تقديم حق الاختيار على حق البقاء، بينما يُفترض أن يكون حق البقاء دوما متقدما على حق الاختيار، وقد أثبتت السنوات السابقة من عُمر العملية الانتخابية أنها هددت حق البقاء للمواطن العراقي.
ألم تحصل عمليات إبادة جماعية؟ ألم تحصل جرائم انسانية جماعية، كما حصل في الحويجة ويحصل في الانبار اليوم؟ اذن الانتخابات العراقية في ظل الاوضاع القائمة والضرورات الموجودة والظروف السائدة، هي شكل من أشكال الاستحقاق الانتخابي، أي أنها مجرد مظهر انتخابي يطفو على السطح، لكن الغاطس من جوهر العملية السياسية بعيد تماما عن الديمقراطية الحقيقية. المظهر الانتخابي هو أشبه باعادة ترتيب الادوار لانتاج مشهد تمثيلي آخر، أو إعادة التوزيع الموسيقي لاغنية قديمة، كي يقولوا لنا بأن العملية السياسية دخلت في مرحلة إعادة التقييم، وانها استجابت لمنطق الاشياء في التطور والنضج، وهو فرق كبير بينها وبين العملية الانتخابية كاستحقاق الضرورة، التي تأتي بزعامات ومناهج ووسائل وطرق جديدة، كاستجابة ايجابية لتحديات المرحلة السابقة من عمر العملية الانتخابية، وما بين التحديات واستحقاقات الضرورة كعملية انتخابية تتطور الممارسة الديمقراطية وتنضج. أنظروا الى كل المرشحين ليس هنالك من لديه برنامج قادر على النهوض بالبلد، رغم كل أزماته الكارثية، بل ان البعض منهم يطرحون أنفسهم على أنهم هم البرنامج، وآخرين يطرحون المذهب على أنه هو برنامجهم الانتخابي، أو أن مرجعيتهم الدينية في الداخل أو الخارج هي البرنامج، بينما يغيب المواطن الذي ينبغي أن يكون هو الهدف من العملية الانتخابية المصممة أصلا كوسيلة لتحقيق انسانيته وتقدمه.
نعم أعطونا صناديق لكن مفاتيحها ليست بأيدي العراقيين، وتزوير الارادات الشعبية لا تتم فقط بالتلاعب بالنتائج وتزويرها لصالح هذا او ذاك وحسب، بل عندما تُصادر حرية الناس التي هي المفتاح الحقيقي للصندوق الانتخابي. هل أن ملايين العراقيين الذين قالوا انهم انتخبوا في الاعوام 2006 و2010 كانوا كلهم جهلة، فانتخبوا اللصوص والقتلة الذين قادوا البلاد لثمانية أعوام؟ يقينا لا، لكن الذي حصل أن غالبية تلك الملايين كانوا لا يملكون الحرية الكافية للانتخاب. كان ومازال القتل على الهوية دافعا للتشبث بأي شيء كمنقذ.
كان ومازال الجوع والحرمان وتهديد الوجود دافعا حاسما لانتخاب أي مرشح. كانت ومازالت الطائفية والعشائرية والحزبية والجهوية عوامل سالبة لحرية الاختيار. أين حرية الانتخاب، والجيش وقوات سوات يطوقان المدن والقرى والارياف، ويصبح كل مواطن عرضة للاعتقال والقتل بالشبهة أو بصناعة تهمة؟ كيف يجد أهل الانبار حرية الاختيار وهم يُقصفون بالطائرات وراجمات الصواريخ؟ وأهل ديالى بالمليشيات التي تغير عليهم كل يوم فتقتل وتدمر؟ اذن نحن أمام مشهد الغريق الذي يبذل كل ما بقي لديه من طاقة كي يلحق بالقشة، ضنا منه أنها ستنجيه من الغرق إن تعلق بها، لكنها محال أن تنجيه. نعم ستتم العملية الانتخابية لكنها ستكون بدون حرية. أنها ستسير مدفوعة بعامل رد الفعل السلبي على أوضاع سلبية، وستكون النتائج كارثية، خاصة أنه لم يعد اليوم هنالك من ضامن يحمي العراق من السقوط في وادي التفكك والانهيار.
باحث سياسي عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية