يتألف أي مجتمع من نخبة وجماهير، قادة وأتباع، علماء ومتعلمين، رؤساء ومرؤوسين، زعماء وتابعين، موجهين ومستقبلين، هذا من حيث الشكل، أما الثقافة فهي مشتركة بينهما، عبر اللغة والدين والعادات والتقاليد وجغرافية المكان والمشكلات المجتمعية، والأحلام المشتركة، حيث تستشعر النخبة مشكلات الناس، وتعبّر عنها، وتبحث عن حلول لها.
فالنخبة والجماهير جماعة متجانسة نسبيا في نظرتهم العامة للكون والإنسان والحياة، كذلك في طرق عيشها وتفكيرها، وفي نظمهم الحقوقية والأخلاقية، ومتجانسة في أنماط انفعالها واستجاباتها، وهو تجانس نسبي فيه العديد من الفروق التي لا يمكن إخفاؤها داخل الجماعة، نظرا للفروق الفردية من جهة، واختلاف الأوضاع بين الفئات والطبقات المكونة للجماعة من جهة ثانية. وهو ما يندرج تحت ما يسمى «الدائرة الأوسع» التي تعني حالة الذاتية المشتركة بمعنى النزوع الفطري لدى البشر للتعاهد المتبادل والنزوع للاستجابة المشتركة، وبعض هذا النزوع عرفاني أو فكري وبعضه وجداني، ذلك أن الطبيعة البشرية لا توجد إلا داخل العلاقات بين الناس جميعا.
هذا من الجانب الاجتماعي الذي يجمع النخبة والجماهير، أما على صعيد الثقافة الرسمية والشعبية، فإن علاقتهما بالنخبة والجماهير جلية، فعادة تكون النخبة إما موظفة وقائدة في المؤسسات الثقافية، أو تستخدمها في الحضور والظهور، أو تعضدها بأفكارها ورؤاها، وهنا تكون النخبة قسمين: نخـــبة قائدة مســتقلة، أو ما يسمى «الصــفوة المثقفة الوطنـــية» وهـــؤلاء الذين يســـهمون مباشرة في ابتكــــار الأفــكار ونقلها وتحلــيلها، وتضم هذه الفئة المؤلفين والفنـــانين والعلماء، والفلاسفة والمفكرين والمتخصصين في النظريات الاجتمـــاعية، والمعلقين السياســيين والمعنيين بهموم الثقافة والتراث مع اختلاف توجهاتهم وأيديولوجياتهم وانتماءاتهم، ومعها ما يسمى «الصفوة المثقفـــة التابــــعة»، وهم جماعة من الذين يتفقون حول مجموعة من المفاهيم ذات المضامين الأيديـــولوجية المهيمنة في علاقات وممارسات تابعة ثقافيا وأيديولوجيا واقتصاديا وتتسم عضوية هذه الجماعة بالانغلاق على نفسها من الداخل، والانفتاح من الخارج وضعف حسها الثقافي ونفي العقل من أجل الذات.
فموقف الصفوة المثقفة ـ خاصة المستقلة ـ له دور تاريخي فاعل، خاصة أنها كانت حصن الدفاع عن الوطن وقيمه وهويته، ومواجهة الهجمات الثقافية والفكرية، وقد قامت بهذا الدور متسلحة بوعي متوارث من ثقافة عميقة الجذور، والمثال الأبرز في ذلك دور علماء الأزهر إبان الحملة الفرنسية وعهد محمد علي، والأجيال التالية منهم مثل رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، إلخ.
أما الجماهير فهي مستقبلة لإنتاج النخبة، وقد تعمل في المؤسسات الثقافية، ولكن يظل عملها محدودا بالقياس إلى قيادة النخبة وتوجيهها للمؤسسات الرسمية، سواء كانت من الصفوة المستقلة أو التابعة، فإذا نبغ مبدع أو فنان أو عالم فهو ينتقل من حالة الاستقبال إلى الإنتاج المعرفي، ومن ثم يكون مع النخبة، وبعبارة أخرى فإن النخبة المثقفة ليست فئة متوارثة، وإنما فئة عالمة مبدعة من مختلف شرائح المجتمع وفئاته وأيضا مؤسساته، فنجد الأزهر والجامعات ومراكز البحوث والفنانين والأدباء، يشكلون النخبة، وهم في طليعة من بيدهم التوجيه.
تعززت الفجوة بما يسمى «الحداثة» المتوحشة التي غزت المجتمعات العربية، في مختلف الجوانب، خاصة الجوانب الثقافية والنفسية والاجتماعية، فقد فقدنا روحية الجماعة، ولا حل لنا إلا بالعودة إلى رحاب الأرض أي أرض الوطن.
وبالطبع فإن النخبة ليست تيارا واحدا، فيمكن أن تكون من تيارات فكرية متعددة، مختلفة التكوين والاهتمامات والتخصصات، إلا أن ما يجمعها هو انبثاقها من روح المجتمع، وتبنيها الهوية الوطنية، وهذا يجعل النخبة ذات خيال، تنشر التنوير، وترنو لمستقبل الوطن، وتسعى إلى حل مشكلاته، وتحلم بالجديد له. لذا، يمكن أن نميّز بين دور النخبة والجماهير في إنتاج الثقافة والتعبير عنها، فهناك تمايز في القدرة على إنتاج الثقافة، فالنخبة تستوعب الثقافة الموروثة وتجددها وتزيد عليها، أما الجماهير فتأخذ من الموروث الحد الأدنى الذي يجعلها تتجانس وتتعايش مع الجماعة. كما أن النخبة تتميز في تمثّل مقولات الثقافة، فيكون تمثّلها واضحا ومحددا، وتتبناها بموضوعية وبرهنة وتحقيق بدون التباسات، أما الجماهير فتكتفي بالثقافة الظاهرة المعبّر عنها في سلوكيات وصور وطقوس، وكثير من الجماهير لا يهتم بمعرفة القناعات الفكرية والعقدية التي تقف وراءها. كذلك فإن هناك تمايزا في طرق التعبير، فالنخب تعبر عن الثقافة بالخطابة والكتابة والتأليف والإرشاد والتوعية، وتستخدم أرقى الأساليب الفنية، وأكثرها قدرة على تجسيد القيم الفنية السائدة التي توصلت إليها الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها وأيضا التعبير عن الأصالة الشخصية، أما الجماهير فتعبر عن ثقافتها من خلال السلوكيات الاجتماعية ونظم العيش والعادات والتقاليد والفنون المادية التقليدية، واستخدام الأزجال والغناء والحُداء والرقص، والأمثلة والحكم والحكايات ذات العبر، ورواية الأساطير؛ فهمها الأول والأخير نقل المعرفة أو الأمر أو النهي، كما عرفها واقتنع بها الشخص نفسه.
لقد تعززت الفجوة بما يسمى «الحداثة» المتوحشة التي غزت المجتمعات العربية، في مختلف الجوانب، خاصة الجوانب الثقافية والنفسية والاجتماعية، فقد فقدنا روحية الجماعة، ولا حل لنا إلا بالعودة إلى رحاب الأرض أي أرض الوطن، بما تعنيه من قيم الجماعة الوطنية، فالجماعة لا تعني الاجتماع فقط، بل المشاركة الإنسانية، وإعادة الروح، وفك حصار التطور المادي المضروب علينا، والذي فرض تطورا في العلاقات الاجتماعية، وبدلا من شوق الهجرة من الريف إلى المدينة، يعود الناس إلى الريف راغبين، وعلينا أن ننظر ما فعلته الحداثة بالقرية العربية، وما فعلته في بلدان أوروبا.
فمع دخول البلدان العربية عصر التحديث، قامت بنقل الكثير من مظاهر العمران والمدنية من الغرب مباشرة، واعتمدت في برامج التنمية على الآليات والخطط المستوردة من الغرب، بحكم جاهزيتها، وتجارب تطبيقها السابقة، وحالة الانبهار التي حلّت بالمخطط العربي، وهو يرى مظاهر التقدم الكبيرة في الغرب، بدون مراعاة خصوصية المجتمع العربي، وأن العمران يرتبط بالثقافة السائدة في المجتمعات المحلية، ومن الصعب فرض نموذج تنموي بدون تعزيزه وتكييفه مع القيم الثقافية السائدة، ومن مظاهرها إعلاء شأن المدينة على القرية، فازدادت الهجرة من الريف إلى المدن، لأسباب عدة منها: توافر فرص العمل، والخدمات المختلفة، وتفضيل المتعلمين العيش في المدن على القرى. ولعل الظاهرة الأبرز، طبيعة تخطيط المدن، حيث تقاربت كثيرا مع المدن الغربية، ما أثّر بالسلب على المكونات الاجتماعية، فظهرت الأسرة الصغيرة، وتلاشت تدريجيا العائلة الكبيرة، وتباعدت المسافات الروحية وضعفت العلاقات الاجتماعية، عما هي عليه في القرية. والأهم أن الخطاب الحداثي الثقافي كان نخبوي الطابع، غامض المفاهيم، نأى كثيرا عن الشرائح الشعبية البسيطة، التي راحت تجترّ موروثها الثقافي والفني، وتحتفي بما هو قريب من فهمها وإن كان مسطحا مبتذلا.
٭ كاتب من مصر