صناعة الموافقة: الغرب وفلترة النموذج الإرهابي

في يوما ما كان نيلسون مانديلا يوصم بالإرهابي من قبل السلطة البيضاء الحاكمة في جنوب افريقيا، ومعها كانت تصطف الكثير من الدول الغربية، لكن حينما سقطت مبررات استمرار نظام الفصل العنصري، الذي فرضه الغربيون «البيض» على السكان الأصليين السود، خرج من سجنه بعد أن قضى في زنزانة انفرادية فترة زمنية تصل إلى 26 عاما، وأصبح مانديلا رمزا للحرية في نظر الغرب الأبيض نفسه. فما الذي تغير، وماذا تغير؟ وكيف حدث التغيير؟ مع أن مانديلا لم يتغير، بقي محافظا على قناعاته في الحياة والنضال، التي بسببها وصم بالإرهابي، وبسببها أيضا أصبح رمزا لمن يقاتل دفاعا عن حرية شعبه وبلده.

الرواية الأمريكية

مصطلح «الإرهاب» بات مثيرا للالتباس، في إطار مفهومه المتداول في القاموس السياسي، ضمن حدود من يملك السلطة وصنع القرارات الدولية، وفرضها على البشرية، يبدو المصطلح في غاية المطاطية بعد أحداث 11 أيلول /سبتمبر 2001 طالما أن استعماله يتم في منطقة رمادية، إلى الحد الذي يصعب الإمساك به وبمدلوله، وإذا ما أردنا فهمه على حقيقته، بعيدا عن سطوة الرواية الأمريكية التي لا يمكن الوثوق بها، لأنها دائما ما تتغير من الضد إلى الضد، حسب مصالح الأمريكيين، عندئذ سيكون من الضروري، طرح هذه الاسئلة: من الذي أطلقه؟ وعَلى مَن؟ ولِماذا، ومتى؟ وفي اللحظة التي نتفق جميعنا «رغم اختلاف هوياتنا الثقافية وقناعاتنا الأيديولوجية وانتماءاتنا السياسية» على إجابة واضحة لا لبس فيها، تحدد «الإرهابي» عن غيره، حينذاك لن نقع في حيرة كبيرة، إذا ما أردنا الإشارة إلى الإرهابي الذي يشكل خطرا حقيقيا على الإنسانية.
الإشكالية ليست في الشخص الذي يُطلق عليه صفة الإرهابي، إنما من يمنح نفسه الحق في أن يصنِّف الآخرين إلى إرهابيين وأحرار، وفقا لمصالحه، ويحتكر لوحده هذا الحق، بالتالي ليس غريبا ولا مفاجئا أن يصبح الفلسطيني الذي يقاتل دفاعا عن أرضه وشعبه وحقه في الحياة إرهابيا .بينما من يفتك به قتلا وتدميرا وتهجيرا، يتم استقباله في أعلى المحافل الغربية، والتصفيق له احتفالا بما ارتكبه من جرائم.


ما الخيارات المتاحة أمام الفلسطيني أو السوري أو اللبناني، لكيلا يُحشر اسمه ضمن قائمة الإرهابيين، إذا ما وجد نفسه محاصرا من كل الجهات، وصوبت نحوه أسلحة التجويع والقمع والحصار والقتل والإبادة، من الداخل والخارج، ومن القريب والبعيد؟
بمثل هذا الحال سيختار، مُرغما، الموضع الذي يُصنف فيه إرهابيا من قِبل الذين يوجهون أسلحتهم نحوه، ليس لأنه بالفطرة إرهابي، وليس لأنه أختار بإرادته وبوعيه أن يكون إرهابيا، إلاَّ إذا كان مختلا عقليا أو مريضا نفسيا، بالشكل الذي يعجز عن التمييز ما بين الأبيض والأسود، بين القتل دفاعا عن النفس والقتل بدافع المتعة وإرضاء للنفس المريضة، فهذا شأن آخر.

من هو الإرهابي؟

من لا يرضى أن يموت مُهانا من قبل الآخرين، ليس إرهابيا إذا ما رفع السلاح مضطرا، وأطلق الرصاص دفاعا عن كرامته. ومن يرفع صوته رافضا أن يتم التعامل معه على أنه أقل درجة من الإنسان ليس إرهابيا. ومن يدافع عن عرضه وماله وأرضه ووطنه ليس إرهابيا.
يصنف الغرب البشر الآخرين على هوى مصالحه الاقتصادية، فأصدقاء اليوم أعداء الأمس والعكس صحيح، ومن كان حليفا سيتحول إلى إرهابي إذا ما اصطدمت مصالحهم بمصالحه، ولن يترددوا في أن يهدوا البيت على رأسه، إذا لم يذعن لهم حتى لو كان منتخبا من قبل شعبه. فكيف لنا أن نثق بالغرب بعد كل التجارب التي مررنا بها، على الأقل منذ منتصف القرن العشرين وحتى سقوط نظام آل الأسد الإجرامي في 8 كانون الأول /ديسمبر 2024، كيف نثق بأن من يطلقون عليه صفة الإرهابي، هو إرهابي فعلا، ونحن نجدهم بغمضة عين ينظرون إليه باعتباره حملا وديعا، ويمدون يدهم لمصافحته ومساندته؟ هل علينا أن نصدق كل ما يصدر عنهم من تقييم وفرز وتصنيف، وننساق معهم جملة وتفصيلا، ضاربين عرض الحائط بالمنطق والموضوعية والعقل والعدالة والانصاف؟ فالحرب على العراق عام 2003 عندما غزته أمريكا وحلفاؤها قامت تحت مزاعم مكافحة الإرهاب وحماية الأمن الدولي، رغم أنها تسببت في تدمير الدولة بكل مؤسساتها التي لا يقل عمرها عن 100 عام وقتلت مئات الآلاف من المدنيين، رغم ذلك، لم يتم تصنيف الحملة العسكرية على أنها إرهابية من قبل الغرب.

ما الذي يعفينا من الخطأ؟

لا جدال في أن الغرب يملك كل أدوات القوة المفرطة، وأعقدها وأكثرها فتكا وتدميرا، وأن الميزان يميل لصالحهم، إذا ما حصلت أي مواجهة عسكرية معهم، لكن هل هذا يعفينا من خطأ الانسياق وراء ما يسوقونه من تضليل وتزييف وتحريف للوقائع والأحداث والأشخاص؟ ومثال بسيط على ذلك، ما أقدمت عليه مراسلة شبكة CNN الأمريكية في سجن صيدنايا سيئ الصيت، بعد أيام من تحرير السجناء الذين كانوا معتقلين داخله، عندما أرادت أن تخدعنا بمشهد تمثيلي هزيل قصدت من خلاله أن يتحول ضابط إرهابي تابع لنظام آل الأسد إلى ضحية، هذه المراسلة نموذج للعقلية المؤسساتية التي تدير الإعلام الأمريكي والغربي عموما، الذي يستغبي المتلقين برسائله، ولا يتردد في أن يمارس عليه كل ما في متناول اليد من أساليب التضليل، حتى عندما تنكشف ألاعيبه ويعتذر، يعود ليمارس هذه اللعبة مرة أخرى وكأن شيئا لم يكن، وفي هذا السياق يرى المفكر الأمريكي تشومسكي، أن الإعلام الغربي لا يعمل كمؤسسة مستقلة تبحث عن الحقيقة أو تدافع عن الحريات العامة، بل هو جزء من آلة ضخمة تديرها الشركات الكبرى والحكومات، التي تسعى إلى تكريس مصالحها. ووفقا لتشومسكي، فإن وسائل الإعلام الكبرى ليست مجرد مراقب محايد، بل تعمل على «صناعة الموافقة» (Manufacturing Consent) وتوجيه الرأي العام لصالح القوى الاقتصادية والسياسية المهيمنة. ويُشجع الإعلام على تبني وجهات نظر معينة ويقوم بتجاهل أو تشويه الحقائق التي تتعارض مع مصالح هذه القوى.

تنظيمات مسلحة بين المقاومة والإرهاب

اليوم في المنطقة العربية هناك تنظيمات مسلحة تسيطر على أراضي وثروات ضد إرادة الدولة والسلطة المركزية الحكومية، ولدى هذه المنظمات مقاتلون بأعداد كبيرة وقواعد عسكرية ومؤسسات إعلامية ناطقة باسمها «صحفا ومواقع إلكترونية وقنوات فضائية ومحطات إذاعية، ومراكز بحث ودراسات»، ولأنها حظيت بمباركة الغرب «الأبيض» ودعمه العسكري والسياسي والمالي، تجري كل تحركاتها بشكل علني، ويتم تقديم قادة هذه المنظمات في معظم مؤسساته الإعلامية على أنهم مقاتلون من أجل الحرية وليسوا إرهابيين، رغم أنهم متمردون على السلطات الرسمية المعترف بها دوليا، بعيدا عن موقفنا منها وكذلك عن أحقية وشرعية المنظمات في وجودها. لكن في هذه القضية ينبغي أن لا تغيب عن تفكيرنا هشاشة الأرض التي تقف عليها هذه التنظيمات المسلحة، طالما كانت تعتقد أن شرعيتها مصانة ومحفوظة من قبل الغرب، وينبغي عليها أن تتهيأ لاستيعاب الصدمة في أي لحظة عندما يتخلى عنها الغرب، إذا ما استجابت السلطات المركزية الرسمية لإملاءاته وحققت مصالحه الاقتصادية، حينئذ سيوضع زعيم المنظمة الذي يقاتل من أجل الحرية «حسب وجهة نظر الغرب»، ومن معه في قائمة الإرهابيين. أما إذا لم يذعن من يتصدر السلطة الشرعية في العاصمة، فسيفتح على نفسه أبواب جهنم، التي كان ينبغي أن تُفتح عليه منذ فترة طويلة، من بعد أن أرتكب عديد الجرائم بحق شعبه، وتم التغاضي عنها لأنه كان يسير وفق مزاج ورغبات الغرب وطوع أمره، بالتالي سيجد نفسه في خانة المجرمين المنبوذين، الذين هم أقل درجة من حيث الاحترام لدى الغرب مقارنة بالإرهابيين.
الخلاصة أن الغرب يطبق معايير مزدوجة في تعريف مصطلح الإرهاب بناءً على المصالح السياسية والاقتصادية، وليس بناءً على مبدأ موحد. ويتم تصنيف الجماعات التي تهدد المصالح الغربية على أنها «إرهابية»، بغض النظر عن السياق التاريخي أو السياسي، في حين الأفعال نفسها، قد تُعتبر «نضالًا مشروعًا» أو «مقاومة» في سياقات أخرى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية