القاهرة ـ «القدس العربي»: بات التبرع لصندوق «تحيا مصر» الذي دشنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في يوليو/ تموز2014، بابا للعديد من المصريين إما للهروب من التضييق السياسي، أو إثبات فروض الولاء للنظام الحاكم، أو البحث عن الشهرة وتحقيق مصالح من خلال ارتباط المتبرع بالسلطة.
آخر المتبرعين، كان محمد جبريل، مقرئ شهير للقرآن الكريم، إذ قال، قبل أيام في بيان عبر «فيسبوك»: «أعلن عن تبرعي بمبلغ 3 ملايين جنيه نقدا (168 ألف دولار أمريكي) لصندوق تحيا مصر حبا وطواعية، مشاركة مني في تنمية بلدي الغالي على قلبي».
بعد ساعات من بيان التبرع، عدله جبريل حاذفًا المبلغ وجهة التبرع، ليصبح: «أعلن عن تبرعى بمبلغ ( ـ ) لبلدي مصر حسبة لله ثم حبًّا لها ولأهلها وللظروف التي تمر بها البلاد، والصدقة تدفع سرا وعلانية».
وربط مراقبون بين تبرع جبريل وتحسين علاقته مع النظام عقب أزمة اشتعلت بينهما.
تعود جذور هذه الأزمة إلى ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان في عام 2015 حينما أعلنت وزارة الأوقاف منع جبريل من العمل الدعوي وإمامة المصلين، بدعوى خروجه على تعليمات الوزارة في دعاء القنوت، ودعائه على الحكام الظالمين والسياسيين والإعلاميين الفاسدين الذين وصفهم بـ «سحرة فرعون».
وقال جبريل في دعائه «اللهم نعوذ بك من فساد الإعلام ومن جاهلية الحكام والأمراء ومن ضلال العلماء».
مختار جمعة وزير الأوقاف، أعتبر وقتها، أن «دعاء جبريل على الحكام الظالمين كشف الوجوه المتلونة التي تسقط واحدة تلو الأخرى». وطلب من التلفزيون المصري وقف أي تسجيلات لجبريل، كما ناشد الدول «التي تواجه الإرهاب» بعدم استضافته.
في اليوم التالي، منعت سلطات مطار القاهرة جبريل من السفر إلى العاصمة البريطانية لندن، وقالت مصادر في المطار، إن قرار المنع جاء بناء على طلب من إحدى الجهات الأمنية، لكنه تمكن من السفر بعدها بأيام قبل أن يعود نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وأشارت وسائل إعلام محلية، في أكتوبر الماضي، إلى توقيف جبريل عقب عودته من بريطانيا.
ولم يعلق المقرىء المعروف ولا جهات أمنية على هذه التقارير، ثم خرج جبريل بعد نحو 24 ساعة مطمئنًا متابعيه بأنه بخير دون توضيح.
ابتزاز الاتهامات
لاعب مصر الدولي، ونادي ليفربول الإنكليزي، محمد صلاح، كان واحدا من أشهر المتبرعين لصندوق «تحيا مصر»، حيث سبق له التبرع بما يقرب من 5 ملايين جنيه مصري، وظهر صلاح في صورة مع السيسي بعد تبرعه
وجاء تبرع اللاعب الشهير، بعد حملة دشنها مؤيدو السيسي، ضد صلاح اتهموه فيها بالانتماء لجماعة «الإخوان المسلمين».
واعتمدت الحملة وقتها، على فيديو لمحمد صلاح يتحدث فيه لإحدى المذيعات، خلال فترة حكم الإخوان، وتسأله عن موقفه من الجماعة، فرد ضاحكا: «كلنا مسلمون، ووضع يده على لحيته».
وأثناء تدشين مشروع محور قناة السويس، خاطب السيسي رجال الأعمال قائلا:»ستدفعوا يعني ستدفعوا، أقول ستدفعوا يعني ستدفعوا، خلي بالك يعني إيه صندوق أنا أشرف عليه؟»، ما اعتبر رسالة إلى رجال الأعمال المصريين، إما التبرع للصندوق أو التضييق على أعمالهم في مصر.
وسارع الكثير من رجال الأعمال إلى التبرع للصندوق، وكان أشهرهم رجل الأعمال محمد أبو هشيمة، الذي تبرع بما قيمته 50 مليون جنيه مصري.
التبرع بالإكراه
وتناقلت مواقع التواصل ووسائل إعلامية محلية، شهادات حول التبرع لصندوق «تحيا مصر».
ودشن مؤيدو السيسي ما عرف وقتها بـ« القائمة السوداء»، التي اعتبرها البعض دليلا على وجود إكراه على التبرع.
جبريل ومحمد صلاح أشهر المتبرعين… وحملات القائمة السوداء طالت رجال أعمال وفنانين
فى المقابل، تناقلت وسائل إعلامية أخبارا اعتبرها البعض تدخلا في إطار الإكراه الصريح على التبرع، مثل ما قام به المستشار مجدي البتيتي، محافظ بني سويف، حيث خصم من رواتب الموظفين ما قيمته مليون ونصف المليون جنيه، تبرعا لصندوق «تحيا مصر»، مؤكدا أنها الدفعة الأولى التي قام بخصمها من العاملين في المصالح والمديريات والهيئات الحكومية في المحافظة.
وسادت حالة من الغضب الشديد بين الموظفين بسبب هذا التبرع الإجباري.
كما تناقلت وسائل إعلام موافقة المجلس التنفيذي لمحافظة الشرقية، برئاسة سعيد عبد العزيز محافظ الشرقية، بالإجماع على التبرع بنصف شهر لصالح صندوق «تحيا مصر».
كذلك أعلنت النقابة العامة للعاملين في المرافق، برئاسة عادل نظمي، مساندته لقرارات الحكومة بشأن إصلاح المسار الاقتصادي، ولهذا فإن المجلس وافق على التبرع بمبلغ 271 ألف جنيه من اشتراكات العاملين بالكهرباء والإسكان ومرفق المياه والصرف الصحي لصندوق «تحيا مصر».
في السياق، طالب الكاتب عمرو الشوبكي في مقالة له في «المصري اليوم» الناس بالتبرع بمحض إرادتهم لصندوق «تحيا مصر»، مؤكدا أن «إجبار الناس، خاصة أبناء الطبقات الوسطى، على التبرع، لأن حظهم العاثر وضعهم في موقع حكومي أو وظيفة تابعة للدولة، بداية فقدان الثقة في جوهر فكرة التبرع التي يفترض أن تعكس ثقة الناس في قيادتهم السياسية».
وعرض ما قال إنه نموذج عملي على الإجبار قائلا: «جاءتني رسالة من أستاذ في جامعة الأزهر يتحدث عن إجبار الأساتذة على التبرع لصندوق «تحيا مصر»، وهو أمر في غاية الخطورة وستكون له نتائج سلبية كثيرة على فكرة التبرع ومستقبلها».
وزاد: «أنا أعمل أستاذا مساعدا في إحدى الكليات في جامعة الأزهر، وقد فوجئنا بإعلامنا بضرورة الحضور لاجتماع مجلس القسم لإحاطتنا بأن عميد كلية أصول الدين (وهي ليست كليتي) اقترح خصم يوم بمشتملاته شهريا لمدة عام دعما للاقتصاد وصندوق «تحيا مصر»، والشيء الجميل أن مجلس الجامعة قد وافق بتاريخ 16/7/2014 (وهذا يعتبر من أسرع القرارات التي تم البت فيها)، ويبدأ التنفيذ من رواتب شهر أغسطس/ أب».
حملات الإجبار على التبرع طالت الوسط الفني، بعد شن هجوم على مواقع التواصل الاجتماعي تحدث عن أجور ودخل الممثلين والمطربين، ما دفع عددا منهم، إلى التبرع للصندوق، في محاولة لتفادي تأثير الحملات التي طالتهم.
الفنان أحمد حلمي تبرع بقيمة أجره وكامل إيرادات أحد أفلامه بعد خصم التكلفة الإنتاجية لصالح حملة «دعم مصر» لـ«النهوض بالاقتصاد المصري»، وأيضاً، تبرعت الفنانة غادة عبد الرازق بمليون جنيه مصري، فيما أعلنت الصفحة الشخصية للمطرب المصري عمرو دياب على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» منذ فترة عن قيامه بالتبرع بمبلغ 9 ملايين جنيه.