صنعاء: التغييرات السياسية بعد الثورة لم تترجم الى تطورات اجتماعية او اقتصادية

حجم الخط
0

بقايا دولة او دولة هشة.. والشرطة لا زالت تستخدم نفس الاساليب السابقةصنعاء “القدس العربي” ـ من محمود معروف: هي صنعاء، طال اليها السفر، خمس سنوات مرت على اخر زيارة، لاصدق المدن في محبتها وخصومتها. في ساعات الفجر الاولى من يوم الجمعة 25 كانون الثاني/ يناير الماضي، تصل الطائرة المصرية مطار صنعاء (الدولي) لا شيء تغير بالمطار، لم يكن لدى اليمنيين وقت للانشغال ببناء المطار الجديد، في شوارعها رفقة سيارات الامن لا رائحة بارود بالهواء ولا اثار دماء على الجدران والشوارع.

لكن صنعاء 2013 بالتاكيد ليست هي صنعاء 2008، تدرك ذلك قبل ان تعزم على السفر، لكنك تبحث عبر السؤال عما تغير، والجميع يترك لك الاجابة بعد البحث ولقاء العشرات من الاصدقاء، باتجاهات مختلفة واحيانا متناقضة او متخاصمة.

مع الايام تعرف صنعاء وغابت منها شخصيات عرفتها وتكن لها محبة واحترام كبيرين، القاضي عبد السلام صبرة احد رموز ثورة 1948 وقادة ثورة 26 سبتمبر 1962، واللواء محمد ضيف الله قائد الطيران ووزير الدفاع الاسبق وعبد العزيز عبد الغني رئيس الحكومة ورئيس مجلس الشورى والقائد الناصري عبد القدوس المضواحي ومحمد الزرقة الدبلوماسي اليمني الذي عرفته بالرباط في ثمانيات القرن الماضي. لينضموا الى شخصيات اخرى تفتقدها في اليمن الجديد، لمكانتها في الحياة السياسية والاجتماعية، تفتقد الشيخ عبد الله الاحمر شيخ مشايخ حاشد ورئيس البرلمان الاسبق والقائد الاشتراكي جار الله عمر احد ابرز قادة الحزب الاشتراكي اليمني ويحيى المتوكل احد قادة المؤتمر الشعبي والشيخ مجاهد ابو شوارب احد ابطال حماية ثورة سبتمبر والقاضي عبد الكريم العرشي وعبد الله عبد السلام صبرة.

شخصيات، تفتقدها، ليس للعلاقة الشخصية التي ربطتك بهم طوال السنوات الماضية، لكن لانك تعتقد انها لو كانت على قيد الحياة، لكان التغيير في اليمن اكثر سلاسة واقل تكلفة وافضل نتائج. لكنها مشيئة الله، ان يصنع اليمن الجديد وهم غائبون دون ان يعرفوا مصير وطن لم تتضح حتى الان ملامحه التي تساهم بصياغتها اياد متعددة قد تكون الايادي اليمنية من بينها اقل تاثيرا.

اتيت صنعاء بمناسبة عقد الدورة الثانية للامانة العامة للمؤتمر القومي العربي، واختيار عاصمة اليمن لاحتضان هذه الدورة لم يكن صدفة، بل اختيار يحمل بعدا سياسيا عنوانه دعم التيار القومي العربي، بما يمثله من مفكرين وناشطين سياسيين وحقوقيين واعلاميين، للمسار الذي اخذته مهد الحضارة العربية للانتقال الديمقراطي، القائم على التغيير دون الاقصاء ودون الاستفراد، ودعما لارادة يمنية مستقلة تعمل على الذهاب بهذا المسار دون الوقوع تحت الوصاية الاقليمية او الدولية.

في لقائنا مع رئيس الحكومة محمد سالم باسندوة ورئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي، تلحظ تقدير اليمنيين لمبادرة الامانة العامة، ويتحدثون بقلب مفتوح عما تعرفه بلادهم من ازمات وهموم ومخاطر، يجمع اليمنيون انها تهدد مستقبلهم ومستقبل بلادهم اذا لم تنتصر الحكمة اليمنية كما انتصرت في التغيير الذي عرفته خلال السنة الماضية.

صنعاء….. لم تتغيرطوال الايام التي امضيتها بصنعاء، لم اجد تغييرا بالحياة اليومية التي اعرفها منذ اكثر من 24 عاما، شوارع مزدحمة بالسيارات بفوضى منظمة طوال اوقات اليوم، مع زيادة ملحوظة بعدد سيارات الاجرة قد تصل الى الى ضعف السيارات الخاصة حتى في اوقات الظهيرة، حيث من العادة ان يكون الصنعاني بالمقيل، كانت الشوارع مزدحمة، مزدحمة بالسيارات وبالكتل الاسمنتية المحيطة باحياء او منازل كبار المسؤولين او شيوخ القبائل او البعثات الدبلوماسية الاجنبية. لكن صنعاء موحدة، لم تعد هناك شرقية وغربية ولا حواجز لاطراف الازمة تراقب وتدقق، فقط قوات الامن والجيش تقوم الان بهذه المهام. لكن الدولة هي الدولة حتى لو كانت بقايا دولة او دولة هشة، فالشرطة لا زالت بنفس الاساليب السابقة، رغم التغييرات السياسية التي حصلت، فان المواطن اليمني لا زال يرى الحال كما كان، لكن القراءة الدقيقة لما عرفه اليمن منذ 2011 يدرك ان هناك الكثير من التغيير السياسي الذي يحتاج لسياسات تنظمه خلال المرحلة الانتقالية وترسخه في برامج تطبق ويلمسه المواطن.

لا احد هرب من صنعاء، الكل موجود هنا، قد يختلف موقعه بجهاز الدولةاو المسؤولية التي يتولاها او موقفه السياسي من نظام حكم الرئيس صالح، لكن الجميع هنا. التقيت بعشرات الاصدقاء ومعهم اخرين تشرفت بلقائهم للمرة الاولى، المتشائم منهم والمتفائل، يؤكدون على القفزة الهائلة بالحياة اليومية قياسا على ما كان عليه الوضع 2011، لا كهرباء لا ماء لا وقود واللا امان، يقول محمد الطيب عضو مجلس الشورى (الغرفة التشريعية الثانية) كان استعمال السيارة ضربا من الجنون، لان الوقود كان شيئا نادرا وارتفع سعره بالسوق السوداء اكثر من 6 مرات. كنت احمل اسئلة حول عناوين الازمة اليمنية، تسال وتنصت لاجوبة سمعتها من خلال المتابعة، لما يعرفه اليمن منذ انطلاق حراكه قبل عامين ووصوله الى توافق نظري للتغيير لحل ما تعانيه البلاد من ازمات متفجرة تهدد وجوده وينطلق نحو اقامة الدولة الحديثة، من خلال حوار وطني اعلن الرئيس عبد ربه منصور هادي انطلاقته يوم 18 اذار/ مارس القادم.

في لقائنا مع الرئيس عبد ربه هادي اكد ان اليمن الجديد الذي يطمح اليه ويسعى لاستكمال مرحلته الانتقالية التي مضى منها نصفها، سيقوم على منظومة حكم جديدة متوافق عليها تلغي الاقصاء والتهميش الذي عرفته البلاد طوال العقود الخمسة الماضية.

وتحدث الرئيس هادي الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية منذ 1994عن الارباكات والاخطاء التي طبعت تدبير الشأن اليمني منذ ثورتي 26 سبتمبر وانتصار ثورة 14اكتوبر وبعد ذلك اليمن الموحد، وما جرى بعد ازمة 1994 وحرب الانفصال واعادة التشطير الى البلادوقال ‘ماعانته اليمن خلال الخمسين عاما من صراعات وتناقضات لم يكسب خلالها شعبنا اليمني شيئا بل على العكس من ذلك خلفت تلك الحقبة معها معاناة ومآسي كثيرة، وقضايا وتحديات صعبة لازالت الى اليوم شاخصة ونعمل اليوم على وضع التسويات لها ومعالجة ماامكن منها على الصعيد الوطني والاجتماعي.’وقال لنا هادي ان الاخطاء بالجنوب مست حياة المواطن، خاصة العسكريين الذين تمت احالتهم على التفاعد والاستيلاء على الاراضي. واكد ان لجنتين شكلتا لحل هاتين الاشكاليتين بالعدل والانصاف وان اللجنتين بدءتا العمل.

ويعتقد هادي ان اعادة الوحدة اليمنية 1989 بشكل اندماجي كان قرارا متسرعا. وفي ظل مزاج يسود بالمحافظات الجنوبية ينحو باتجاه الانفصال، فان الفيدرالية يبقى خيارا مقبولا. دون ان يوضح ان كانت الفيدرالية ستكون بين شطري اليمن قبل اعادة الوحدة ام سيكون النظام الاداري لكل اليمن.

الرئيس هادي تطرق في حديثه الى الارث الثقيل الذي ورثه ان كان على صعيد الجيش المنقسم بين حرس جمهوري وفرقة اولى ووزارة داخلية بهيكلية قديمة وجهاز اداري فاسد متخلف ورغم ذلك يؤكد هادي على وصول البلاد بعد المرحلة الانتقالية الى الامن والاستقرار والوحدة وهو ما تؤكد عليه القوى السياسية اليمنية وما تضمنته المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية المزمنة وقرارات مجلس الامن الدولي ذات الصلة التي تشكل مرجعية اليمنيين لحل ازمات بلادهم.

ازمة بعناوين متعددة والازمات اليمنية تحمل منذ منتصف العقد الاول من القرن الجاري، نفس العناوين، وهي ازمة الحوثيين والحراك الجنوبي الانفصالي كمهددين لوحدة البلاد واستقرارها اضافة للازمة الاجتماعية والاقتصادية المستفحلة والفساد الذي ارتفعت وتيرته خلال السنوات الماضية وتمدد تنظيم القاعدة. وكان الامل في ان تكون الثورة اليمنية التي اندلعت يوم 11 شباط/ فبراير 2011 في سياق الربيع العربي، محفزا لحل هذه الازمات، الا ان اصحابها الذين يحملون مسؤولية وضعيتهم لنظام الرئيس السابق علي صالح، رفعوا من سقف مطالبهم نحو الاقصى بعد تنحي صالح وتولي هادي الرئاسة، لينشغل اليمنيون والوساطاء والاوصياء الدوليون على زعزعة مواقف هذه الاطراف بدل الانشغال بوضع اسس الدولة الجديدة وفق دستور ديمقراطي ياخذ بعين الاعتبار الوضع اليمني والاستعداد لاقامة مؤسسات منتخبة تقود البلاد وتنصرف للحياة اليومية للمواطن تنشله من الفقر والحاجة وتصون له كرامته وتؤمن لابنائه المدرسة والمستشفى. وازمة الحوثيين ليست حديثة ومرتبطة بنظام او رئيس، بقدر ما هي ازمة مرتبطة بقوى مذهبية تعتقد ان لها وحدها الحق بالحكم بحكم انتسابها للبيت الهاشمي وتخفي هدفها السياسي وطموحات زعمائها.

والحوثيون زيديون وهؤلاء اقرب المذاهب السنية الى الشيعة او اقرب المذاهب الشيعية للسنة واتباع المذهب الزيدي يشكلون اغلبيةالسكان من ذمار الى صعدة، ولم تطرح المذهبية باليمن خلال العقود الماضية كمسألة سياسية، لكن عبد الملك الحوثي، استفاد من حسابات سياسية منذ الهجمة الوهابية القادمة من العربية السعودية، ليسلح انصاره تحت اعين السلطة ودعمها احيانا، وثم يطلق حروبه على الدولة منذ 2005 ويوسع بعد الثورة ووهن النظام رقعة نفوذه لتصل الى تعز وحتى عدن وينظم في صنعاء اضحم مهرجان وعرض عسكري بمناسبة يوم الغدير نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي.

ويطرح الحوثيون مسالة الامامة وان لا امامة شرعية الا من ابناء الفخذين (ابناء السيدة فاطمة كريمة النبي ‘ص’) ويقول عبد الملك المخلافي احد قادة التيار القومي الناصري وعضو اللجنة التقنية للحوار الوطني ان اليمن شهد في القرون الماضية ظهور العديد من الائمة في وقت واحد وكان اعلان الانسان عن نفسه اماما لا يحتاج الى جهد كبير.

ويعتقد المخلافي، الذي كان عضو لجنة الوساطة بين الحوثيين والدولة ابان حروبها من 2005 الى 2010 ان مشكلة الحوثيين انهم لا يطرحون رؤية سياسية او مطالب سياسية وحتى مسالة عودة الحكم لعائلة حميد الدين لا يطرحونها. وهو ما يجعل مشاركتهم بالحوار الوطني، وان كان ضروريا، يتسم بالغموض لان موقفهم يتسم بالريبة.

ويختلف الحراك الجنوبي عن الحوثيين كونه ليس جماعة واحدة ولا قيادة له وليس حاملا لتعبير سياسي واحد بل هو اراء وتيارات واحزاب تتباين رؤاها لمصير المحافظات الجنوبية في دولة اليمن، فمنها من ينزع الى الانفصال وفك الارتباط والعودة الى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وهم من يقودهم علي سالم البيض شريك على عبد الله صالح بصناعة الوحدة 1989. وفي الحراك من ينزع الى الفيدرالية وايضا من يتمسك بالوحدة الاندماجية في دولة القانون والعدل. الا ان هناك اتفاقا على ان تدبير السلطات المركزية لقضايا المحافظات الجنوبية خلال العقدين الماضيين، والذي لم يكن يختلف لطبيعة السلطة عن تدبيرها لقضايا محافظات الشمال، وان يكون فساد المسؤولين بالجنوب ليس اقل شراسة من فسادهم بالشمال، خاصة في مجال الاراضي ونهبها الا ان المواطن اليمني في الجنوب يحمل ازمته للوحدة ودولتها، ويخلق تململا صامتا يعبر عنه باحتجاجات اجتماعية.

والتململ بات احتجاجا بعد قرار الدولة احالة عشرات الالاف من العسكريين الى التقاعد دون صرف مستحقاتهم، وانطلق العفريت الجنوبي من قمقمه، اذ ادى رفض الدولة لصرف هذه التعويضات وهي مستحقات والعنف الذي مورس على المحتجين والاتهامات التي اطلقت صوبهم، جعل الحراك يتحول من مطالب اجتماعية الى مطالب سياسية. وتفسير موقف الدولة بانه موقف من اهل الجنوب.

هذا العفريت الجنوبي، كان محل تحذير كل العالمين بالوضع اليمني، ويحيى العرشي الوزير السابق واحد صناع الوحدة اليمنية قال لنا قبل 5 سنوات ان تجاهل الدولة لمطالب الجنود والضباط الذين احيلوا على التقاعد وهي مطالب اجتماعية واقتصادية محقة، سيؤدي الى تحول الملف الى ملف سياسي وسيهدد وحدة البلاد.

كان شباب ساحات التغيير في مختلف المدن اليمنية، ينتظرون مشاركة الحراك ثورتهم من اجل التغيير، لكن الانفصاليين او المتشددين اعتبروا ما يجري في اليمن شان محافظاته الشمالية وان معركتهم ليست مع النظام السياسي بل مع ‘اليمن الشمالي’. ازمة الحوثيين والحراك الجنوبي افقد اليمن ثوابته التي كانت محل اجماع منذ كان صنعاء تتململ من حكم الامامة وعدن تنهض ضد الاستعمار البريطاني، كانت الجمهورية والوحدة والاسلام ثوابت لا تناقش، يختلف على تدبيرها وكيفية ممارستها لكن الجميع يعلن ايمانه بها والتزامه بالحفاظ عليها.

اليمن، ومنذ منتصف العقد الماضي، فقد هذه الثوابت، ولم تعد الجمهورية محل اجماع في ظل تمدد الحوثية التي تطالب بحكم الامامة ولم تعد الوحدة مقدسة، فالحراك الجنوبي لم يوصل المسؤولين للقناعة بان الفيدرالية حلا بل الى نقمة في الشمال الذين يعتبرون الوحدة ايضا كانت عبئا على حياتهم ولا يمانعون بانفصال الجنوب، والدين كان الاسلام لكنه الان مذاهب وفي المجتمعات المتخلفة يكون المذهب فوق الدين.

الى جانب الحوثيين والحراك الجنوبي هناك تنظيم القاعدة والحرب الامريكية عليه واليمن ميدان حرب ليس طرفا فيها، لكنه يدفع ثمنا باهظا من مواطنيه وامنه، خاصة بعد ان وصلت الحرب على التنظيم الى ابواب صنعاء.

وبغض النظر عن تنافرها الظاهري او تباعدها بالاهداف، فان الحوثية والحراك الجنوبي يمنيا، يلتقيان حول ضرورة الوصول باليمن الى الدولة الفاشلة، بل اوساط يمنية عديدة تتحدث عن اتصالات بين هذه الاطراف ثنائيا، وان كانت غير مؤكدة.

كان اليمن على ابواب الدولة الفاشلة، دون ان يعني انه لم يعد على هذه الابواب ويقول عبد الملك المخلافي ان اليمن قبل ثورة 11 فبراير كان دولة ضعيفة مجتمع مقسم وسلطة قوية متجبرة واستبدادية، وهي الشروط المثالية للدولة الفاشلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية