ليزا حسن علياحتضنت اليمن ثورة سلمية حققها شباب اليمن، شهد لها العدو قبل الصديق على سلِميتها. وهي تشكل نموذجاُ مشرفاً للثورات العربية المنتصرة في كل من تونس ومصر، فعلى الرغم من كمية السلاح المنتشرة في اليمن، لم يلجأ إليها الثوار ومناصروهم حتى في أصعب الأوقات حين كانت ساحات التغيير والمسيرات السلمية تتعرض للجرح والقتل بالسلاح الناري بمختلف أشكاله من قبل المخربين والعناصر الأمنية المؤيدة للنظام، حيث انشق عن القوات النظامية قادة وجنود أعلنوا انضمامهم للثورة. لم يشأ احد من جانب الثوار ومؤيديهم من القوات المسلحة أن ينساق وضع الثورة إلى دائرة العنف والعنف المضاد، كما يريد النظام اليمني ذلك، بل ويتمناها في كل لحظة.
لقد أعقب الثوار في الخروج رجال القبائل المنتشرة على جغرافيا اليمن، بل أيضاً وقف هؤلاء الرجال خلف الشباب وأعلنوا أنهم وبصدورهم العارية تحت قيادة شباب الثورة، وكان من دواعي الفخر للثوار أنهم لم ينساقوا للعنف.
إن قيام الدول المدنية الجديدة هو ما أراد الشباب اليمني تحقيقه ولم ينتظر من قبائل اليمن، سوى الانصياع لسلمية الثورة في تحقيق المطالب برحيل النظام، وإقامة نظام بديل يعمل على إرساء العدل وتحقيق المساواة بين أبناء الوطن، وتلبية متطلبات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية في سبيل احترام والحفاظ على حقوق الإنسان، والعمل على إرساء المبادئ الدولية للحفاظ على حرية الرأي والتعبير وحرية المشاركة في السلطة واتخاذ الرأي، وتحقيق انتخابات نزيهة في سبيل تعزيز مسار الديمقراطية، هذه المطالب هي ذاتها أهداف ثورة السادس والعشرين من ايلول/سبتمبر وثورة الرابع عشر من تشرين الاول/ أكتوبر في بداية ستينيات القرن الماضي، كانت الثورتان ضد الرجعية والتخلف في الشمال والعبث الأجنبي بمقدرات الشعب في الجنوب.
وعلى ما يبدو أن التاريخ يعيد نفسه فقد باتت الأوضاع الاقتصادية في ترد دائم بسبب الفساد الحاصل على مستوى القيادات في الحكم وعلى كل مؤسسات البلد، ولقيت الأوضاع الإنسانية نصيبا وافرا في الإهمال وتردي الحال، ولم يعد لليمن دور سياسي يلعبه في المنطقة، غير تنفيذ مزاعم القيادة الأمريكية في محاربه الإرهاب، وان كان ذلك يتم في سبيل قصف الأراضي اليمنية وقتل الأبرياء وانتهاك سيادة الدولة. إن تحقيق الدولة المدنية التي يبغاها الشباب وقامت الثورة على أساسها، صارت الآن في خطر، بعد أن كانت قريبة المنال في اخضاع النظام لمطالب الثورة.
ويراهن النظام على أن اليمن سيجر إلى حروب أهلية، وله في ذلك مغنم في الاستمرار بالحكم، وما نراه يحدث الآن في صنعاء بشن الحرب على آل الاحمر خير دليل على تحقيق مساعيه الهدامة التي دأب النظام في البلاد على إحداثها للخروج من أزمات فشله في الإدارة وفي تحقيق العمل السياسي، ولا يستبعد أن مساعيه في ذلك ليست إلا تحوير المسائل من ترك السلطة، إلى دعوات لوقف الاشتباكات.
بعد تعليق مجلس التعاون الخليج العربي لمبادرته، جُرت قبيلة حاشد من قبل النظام لاشتباك مسلح ضد القوات الحكومية، ومما لا يحمد عقباه أن تستمر هذه الاشتباكات وتتسع دائرتها، لتصل إلى مرحلة يصعب على أحد أن ترجع الأمور للرُشد او الى الوضع السابق.
ان ما يخشاه الثوار في اليمن تفريغ الثورة من محتواها الأصلي في رحيل النظام بشكل سلمي، فلا يراد أن تنساق الأمور لدائرة صراع عسكري بين القبيلة والنظام.
كما لا يأمل أي عاقل يسعى إلى تحقيق الدولة المدنية في اليمن، ان تفضي الأمور لصالح أي من الطرفين في الاشتباك الحاصل.
لقد عانى اليمن كثيراً من تعطيل مساعي التنمية بسبب فساد النظام، وضعف هيبة الدولة تجاه طرف القوة الآخر في البلاد وهو القبيلة.
إن الحل في الخروج من الوضع الحالي بإعادة توحيد الصفوف للعودة إلى الحكمة، وإعادة القيادة لشباب الثورة فليس هناك من خيار أفضل من السلمية من أجل انتقال سلمي للسلطة والانتقال الى أساليب جديدة من العمل النضالي السلمي وما نعنيه هو الزحف نحو القصر والمؤسسات الكبيرة. ‘ ناشطة حقوقية – اليمن