صنعة البناء الفني في (صيف مع العدو): السرد بين التوصيف والارتداد

اقتضى تشييد العالم الروائي في «صيف مع العدو» لشهلا العجيلي، خطابيا، بذل مجهود مضاعف من الروائية لجعل أجزاء المحكي متجانسة ومتناسقة، خاصة أن جغرافيا النص تتأسس على تضاريس وبنيات متنوعة، وأركانه المعمارية تنبني على مورفولوجيات خصبة يعسر عجنها في نسق مكتمل، فمن جهة هناك التاريخ، ومن جهة أخرى هناك محكيّ الذات، ومن جهة ثالثة نصادف محكي الثقافة، ومن جهة رابعة نلفي محكي المرأة (الذي يختلف في كثير من أبعاده عن محكي الرجل).
وقد أبرزت الروائية، في أحد حواراتها، التحديات الصعبة التي جابهتها، إبان صياغة عوالم نصها، حيث تقول: «كان لديّ هاجس تجاوز ذاتي وتطوير أدائي الكتابيّ، مع الحفاظ على أسلوبي الخاصّ، كما ذكرت، وكانت لديّ مسألة تطوير حساسيّتي تجاه الصورة، فالرواية تقوم على التفاصيل الكثيرة لأنّ أحداثها تقوم في مدن عدّة، وفي تواريخ عدّة، (دانزيغ) مثلاً مركز مهم في الرواية، وهي المدينة البولنديّة التي انطلقت منها شرارة الحرب العالميّة الثانية، وبراغ، وبيت لحم، وكولونيا، وهايدلبرغ… هناك كثير من تفاصيل بعض هذه الأماكن في ذاكرتي من أيّام الطفولة، لكنّها تحتاج إلى توثيق تاريخيّ وجغرافيّ، لذلك بحثت كثيراً لأصنع مورفولوجيا النصّ، درست عاماً في صفّ الدراسات السينمائيّة في الهيئة الملكيّة للأفلام، وساعدتني رحلة بحثيّة إلى ألمانيا في بناء النصّ، لعلّها الرحلة الملهمة. إحدى الشخصيّات الرئيسة في النصّ (نيكولاس)هي شخصيّة عالم فلك ألمانيّ، باعتبار أنّ الرقّة منزل (البتّاني) الفلكيّ العربيّ الشهير، وفيها مرصده المعروف تاريخيّاً، لذلك درست في صفّ لمبادئ علم الفلك وقراءة السماء في مؤسّسة أستروجو الأردنيّة، تلك الدراسات كلّها لا تقدّم المعارف وحسب في عمليّة الكتابة، بل تقوم بصنع بنية النصّ السرديّة واللغويّة، ولعلّ الروائيين يعرفون هذه الأسرار جيّداً، وذلك حينما تصنع معلومة صغيرة مصيراً معقّداً: كنت أقرأ عن دانزيغ البولنديّة التي تنتمي إليها جدّة نيكولاس الفلكيّ الذي جاء إلى الرقّة في الثمانينيّات، مقتفياً خطى البتّاني، فاكتشفت أنّ فيها ساعة فلكيّة شهيرة، وعالماً فلكيّاً اشتهر في القرن السابع عشر هو (يوهانس هيفيليوس)، وقد أخذ عن البتّاني معارفه حقّاً، إنّها يد الله، كما أقول دائماً، مع الكتابة المخلصة الجادّة».
اشتغل الخطاب النصي على هذه الواجهات كلها بالتوازي، استنادا إلى منطق التتالي، والتدرج والتضمين: تتالى المشاهد بشكل يجعلها تخدم بعضها بعضا مثل ألواح القرميد، إذ يتوارى المشهد، أو يتراجع، ليفسح المجال لمتتالية أخرى أو مشهد آخر، دونما شعور بقفزة أو ثغرة، وفي الآن نفسه، يترك انطباعا عميقا بأن المشهد سيعود في الفصول والمقاطع المقبلة، لأن هناك عملا لم يتمّ بعد. في حين أن التدرج، يخصّ عملية تشييد العنصر السردي، شخصية كان، أو فضاء، أو إحساسا إنسانيا، أو انفعالا لحظيا مع طبيعة الأحداث، أو واقعة ما لها الكفاءة على قلب مسار السرد، أو إغنائه، أو تعديل مجراه، أو فتح مسرب جانبي؛ تتوسع فيه العوالم السردية.

تمثل التقنية الأولى (الوصف) نقطة ارتكاز قوية في عملية البناء السردي، قلما نصادفها في أعمال روائية عربية جديدة.

وغالبا ما تبدأ هذه العملية (التدرج) بالوصف أو التقديم، بمعنى وضع المتلقي في صورة ما يجري، وترسيخ الصورة في ذهنه بوضوح، ثم الانتقال إلى إعلان الفعل السردي المرتبط بهذا الدخيل الجديد، قبل العمل على إبراز علاقته بما قبله وبما بعده، وشد حبال الصلة المنطقية بمحيطه البنيوي، حتى لا يكون نشازا في الحكي، وقبل أن يتم قفل العملية بتثبيت انطباع جمالي ما، أو موقف فكري، أو تموقع داخل السياق الحضاري بشكل علني أو مضمر. أما التضمين، وهو عبارة عن تقنية شاع توظيفها في الرواية، لكونها تليق بالاختيار التخطيبي المنبثق عن خصوصية المتن، فعادة ما تفتح الساردة قوسا لتدرج قصة ما، أو تقحم شخصية أخرى تنمي البعد الفكري للنص، أو تبتكر أفقا جديدا أو نافذة مختلفة لم يكن يتوقعها المتلقي، ليس من باب الترف، والاستطراد، لكن بغاية عرض المزيد من الصور البشعة للدراما البشرية الحديثة، وتنويع مشاهد الترويع والألم التي تستهدف الكائن الإنساني في جغرافيات مختلفة من المعمورة، إذ لا وجود لصورة سردية فضلة في النص، بل كل واحدة منها تؤدي وظيفتها بشكل نسقي، يصبّ في الرؤية الشمولية للخطاب، في غير زيادة ولا نقصان.
نسجل أيضا، اعتماد الرواية على تقنيتيْ الوصف والاسترجاع في تأثيث مشاهد النص، وتشييد العوالم السردية، بأسلوب يجعل المتن يتطور في ذهن متلقيه، كما في الكتابة، استنادا إلى ربط اللاحق بالسابق، وإلحام الأجزاء الممزقة بوعي في النص خدمة لرؤية ما، وتوسيع بؤرة النظر لتسري على كل المفاصل النصية، بدل التلقي السطحي الذي يسير بوتيرة خطية، تنمّط السّرد والقراءة معا.
تمثل التقنية الأولى (الوصف) نقطة ارتكاز قوية في عملية البناء السردي، قلما نصادفها في أعمال روائية عربية جديدة، وإذا ما ألفيناها، نادرا ما نعثر على نظير الدقة والطرافة اللتين تتميز بهما هذه التقنية السردية في (صيف مع العدو)، إلى درجة أننا، وبدون مبالغة، نلمس وجود نص وصفي مواز يمكن دراسته مستقلا بذاته، لما يختزنه من جمالية، ورؤية خاصة للأشياء والعالم المُبأَّريْن في التّجربة الوصفية، في وقت بات روائيون مجايلون يتكلفون في تفادي هذه التقنية، ويتفننون في إلغائها من أعمالهم السردية؛ مستعيضين عنها بأساليب أخرى مثل: التلميح المكثف، وإيراد نصوص حرفية من مراجع، ومصادر حقيقية موثقة أو غير موثقة، دونما اعتبار لأهمية السند الجماليّ الأثير الذي يقدمه مقوّم الوصف للسّرد، حتى أنّ كثيرا من الأدبيات النقدية تؤكد استحالة الفصل بين المقومين؛ إبان الكتابة الروائية أو القصصيّة.

لقد أبدعت شهلا العُجيلي في تقديم مؤثثات عالمها الروائيّ، انبثاقا عن رؤيتها الجمالية العميقة بالعالم من حولها، في انسجام تام مع متطلبات المتن والخطاب معا، واستنادا لحسها التشكيلي والتصويري الخلاق في رسم الفضاءات، والأمكنة، والشخصيات، وتمثيل المشاعر، والأحاسيس، والانفعالات المتناقضة التي يفرضها تعدد السياقات، والمواقف والحالات والتحولات والاشتراطات الواقعية والتخييلية المتجسدة عبر الرواة، والشخوص. ويمكننا حصر أنواع التوصيف، حسب الموصوفات، والتمثيل لها من النص كالتالي:
وصف شخصية: «تلبس العمة صافية اللباس العربي التقليدي، من طبقتين، طبقة حمراء غالبا أو كحلية، منقوشة بنقوش صغيرة، دوائر أو زهور أو نقط، تسمى «قصيرة»، وفوقها ثوب أسود فضفاض من قماش مخرم يبدي لون الثوب التحتاني، وتحزم وسطها بحزام جلد رجالي، وتمشط شعرها في جديلتين رفيعتين تتدليان على جانبي الوجه، على رأسها المنديل والعصابة». «صادفت رجلا أربعينيا، نحيفا، أسمر، مربوعا، بشعر أسود، وشاربين أسودين رفيعين نازلين عن حافتي شفتيه باتجاه الذقن الحليقة، وله خال كبير أسفل خده».
وصف إحساس: «أعتقد أنها لا تفكر بذلك كله، فتلك شكليات لا تعنيها. كل ما تفكر به هو هذه المسافة بين ذراعيه، وبإمكانية أن تحتلها لأطول وقت ممكن. إنها يمكن أن تبادلها بمجرة! لكن هل تحب أمي أن تأوي إلى حضن نيكولاس بالطريقة نفسها التي أحب أن آوي فيها إلى حضن عبود، أم أن الكبار لديهم رغبات مختلفة، وأنهم تجاوزوا تلك المشاعر» .
وصف فضاء: «ألج القاعة الكبرى، قاعة عظيمة ممتدة، يتفرع ممرها الطويل الواسع إلى إيوانات عن اليمين واليسار، وفي كل منها مذبح، وتماثيل للسيدة مريم تحمل ولدها رجلا أنزل عن الصليب، أو طفلا في المهد. أقف أمام مذبحين، أشعل شموعا. شموعهم مدورة صغيرة، ليست كشموعنا البيضاء الطويلة. تبدو الشموع أيضا، على قدر المكابدات».
وعلى الرغــــم من كون المقطــــع الوصـــفي، سواء كان مستقلا في السرد أو متخللا له، يحافظ ، في الرواية، على وظيفته التصويرية في بناء المشهد أو اللقطة السرديين، فإنه يعزز ترسيخ الصورة في ذهن المتلقي، ويورّط هذا الأخير في العالم المتخيل، وكأنّ الوصف هو تلك الفاكهة المعسّلة التي تستدرج القارئ صوب فخّ الجحيم الإنساني المنصوب تحت ظلال الكلمات والعبارات والمقاطع، أو لنقل أداةً من أدوات استدراجه، إذ إنّ التركيز- المفكر فيه بعناية- على الرصد الدقيق، وتصوير التفاصيل الهامشية التي قلما ينتبه إليها الناس عادة، يؤصّل الوصف في عمق الرؤية، ويصيره كينونة، لا أسلوبا للتشخيص والتقديم، حيث يجسد الواصف رؤياه للعالم، في وقت يموّه فيه الموصوف له على أنه ينقل تجسيدا حسيا كما يراه أو يتخيله.

لقد شكل الاسترجاع (flash-back) لحمة النسيج السردي، وجسر الربط بين العوالم والمفاصل الحكائية، إذ تمهد عملية تقديم شخصية أو مكان أو واقعة، لخوض رحلة منتقاة في الذاكرة الفردية للرواة، أو الكاتب الفعلي، أو التاريخ الإنساني.

لقد شكل الاسترجاع (flash-back) لحمة النسيج السردي، وجسر الربط بين العوالم والمفاصل الحكائية، إذ تمهد عملية تقديم شخصية أو مكان أو واقعة، لخوض رحلة منتقاة في الذاكرة الفردية للرواة، أو الكاتب الفعلي، أو التاريخ الإنساني، فقد كانت فجائع الرقة، وسوريا، ذريعة أو حافزا على الحفر في سجلات التاريخ القريب، بحثا عن شبيهات هذه الفجائع الإنسانية التي تذكيها الصراعات والحروب والاقتتال حول المصالح، والرغبات الشهوانية في ممارسة الاستغلال، والاستعباد، والوصاية، والاستعلاء، والهيمنة، والانتهاك، فتقع، بشكل مباشر، في مستنقع الدراما البشرية المؤلمة التي خلفتها حروب دامية أثرت على العالم بأسره، من خلال ما خلفته من دمار قيميّ وإنساني واقتصادي واجتماعي أعاد الحضارة البشرية قرونا إلى الوراء، وأغرق المعمور في مستنقع آسن من الدماء، والفقد، والبؤس التي لم يستطع الفرد ولا الجماعات التخلص من تبعات ذكرياتها المفجعة لحد الآن، بل إنّ ظلال هذه الذكريات العفنة لم تمنع البشر من سياقة العالم إلى المصير ذاته في العصر الحديث؛ نزولا عند الرغبات نفسها، والأهداف ذاتها، بمسميات مغايرة، وتحت شعارات براقة ومخادعة.
لقد جعلت هذه التقنية السردية المتن الروائي حلبة فسيحة لحركة دينامية، متحررة للوقائع والأحداث، فكل مكان، أو شخصية، أو سارد يحمل ذاكرة جريحة، سرعان ما يفتح لها السرد قلبه لتستعيد سيرة الألم بأسلوب يكون أقرب إلى التطهر منه إلى البوح، وكل واقعة أو حالة إنسانية تصادف الشخصيات الآن، ما هي سوى حالات ممتدة في الزمان لسلسلة من الوقائع، والأحداث والمآسي والفجائع التي تتكرر عبر التاريخ للأسباب والمسوغات ذاتها، في إشارة مؤسفة على تعاقب صور مأساة «قابيل» و»هابيل» من زوايا مختلفة، وأبطال متعددين، وجغرافيات متباعدة.
ولعل هذا ينسجم مع الوظائف التي حدّدتها الأدبياتُ السردية للارتداد، كأن يعمل على سد ثغرات في السرد الحاضر، فيساعد على فهم الأحداث، أو يسلط الضوء على شخصية جديدة ظهرت في مسرح الأحداث، أو يعيد ماضي شخصية سبق أن ظهرت في الأحداث، لما لهذا الماضي من دور في فهم الشخصية، واتجاهاتها، وميولها، ومن ثمة الحكم على الحاضر في ضوء معطيات الماضي.
تنطلق الرواية من هنا والآن، لتغوص عبر ذاكرة شخصياتها وسرادها، في الأزمنة الغابرة، والجغرافيات المتنوعة التي يرتادها البشر، مستغلة الإمكانيات الكبرى التي تمنحها تقنية الفلاش باك، حيث تعود الشخصية الرئيسة (لميس)، انطلاقا من موقعها؛ باعتبارها سورية مقيمة في ألمانيا، إلى الماضي، مستعيدة أحداثا مفرحة ومؤلمة تحتفظ بها ذاكرتها الفردية منذ طفولتها الأولى، بينما توسِّع الساردةُ فيها (لميس تقوم بوظيفتي البطولة والسرد داخل الرواية) هذه الذاكرة إلى الذاكرة الجمعية المتعددة التي تشمل سجلات العائلة، من أم، وأب، وأعمام وعمات، وأخوال، وخالات، وجد وجدة، وتستنطق الأمكنة والأزمنة، عبر هذه الأجيال كلها، ولا تكتفي بذلك، بل تعمد إلى فتح سجل الأغراب والأجانب الذين زاروا «الرقة» أو دمشق، وتصل إلى حدّ النبش في ذاكرة من ماتوا، وأكل التراب عظامهم، وصيّرها رميما.

٭ ناقد وروائي مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية