صنع في السجن… تقرير حقوقي يرصد كيف يدفع أطفال مصر ثمن الحرب على الإرهاب

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: رصد مركز «بلادي للحقوق والحريات»، وهو منظمة حقوقية مصرية مستقلة، 1556 حالة قبض على أطفال سنهم أقل من 18 سنة، اتهموا باتهامات سياسية ما بين يوليو/ تموز 2013 حتى ديسمبر/ كانون الأول 2018.
جاء ذلك في تقرير بعنوان «صُنع في السجن، كيف يدفع الأطفال ثمن الحرب على الإرهاب».
وتضمن التقرير 198 حالة إخفاء قسري، و66 حالة تعذيب بينها 3 حالات تضمنت تعديًا جنسيًا، وحالة تعذيب أدت إلى الوفاة، و35 حالة إهمال طبي منها حالتان أديتا إلى وفاة.
كما رصد «تعرض الأطفال للحرمان من الخصوصية والحرمان من الزيارة والتواصل مع العالم الخارجي ما يتسبب في حرمان الأطفال من الأسرة وغياب شبكة الدعم الاجتماعي الممثلة بالمدرسة والأصدقاء، بالإضافة إلى سوء أحوال الحبس، مثل غياب التهوية الملائمة والحرمان من التريض في أقسام الشرطة».
وحسب التقرير: «يضاف للمعاناة المتعمدة من إدارة السجن، الاكتظاظ الحاد، حيث يفوق عدد المساجين في مصر 60 ألف سجين. وحسب المجلس القومي لحقوق الإنسان بلغ اكتِظاظ السجون ما يفوق طاقتها الاستيعابيّة بنسبة 160٪ على الأقل الأمر الذي أدى إلى إعلان بعض السجون حالة الاكتفاء مثل سجن دمو في الفيوم».

التشريفة والتأديب

ولفت إلى أن «السجون في مصر تدار بطريقة تسبب معاناة مستمرة ينتج عنها اعتياد الانتهاك ومنهجته، فمثلا تبدأ رحلة السجين بالتشريفة، وهي اللفظ العسكري التهكمي لفكرة الترحيب في السجن، وفيها يجرد المساجين من ملابسهم ويتعرضون للضرب والسباب كتعبير عن فرض السيطرة، وعندما ترى إدارة السجن أن السجين قد أخطأ أو عصى أمرًا، ترسله للتأديب، وهو عبارة عن حبس المسجون انفراديًا في غرفة في مساحة ضيقة لا يتمكن أن يقف أو ينام فيها، لا يوجد فيها مكان لقضاء الحاجة سوى وعاء واحد، ولا يقدم للغذاء سوى رغيف عيش في اليوم».
ونقل التقرير عن أيمن محمد، الذي كان عمره 19 عامًا عند القبض عليه، تفاصيل الاعتداء عليه خلال ترحيله مع 20 طالبا أثناء عودتهم من أداء الامتحان لسجن برج العرب في الإسكندرية عام 2016.
وزاد محمد: «أُمرونا بأن نتجرد من ملابسنا تحت تهديد العصي أمام نائب مأمور السجن وعدد من الضباط والمخبرين وأفراد الأمن، ورفضنا تنفيذ الأمر بشكل جماعي، فانهال علينا الضباط والمخبرون وباقي أفراد الأمن بالضرب المبرح، واقتيد بعضنا إلى عنبر التأديب حيث تم استكمال الاعتداء علينا».
وفقًا لشهادته، يروي أن هذه الواقعة تسببت في تغيرات سلوكية محورية للشبان، منها: «الاهتياج الشديد وسرعة الغضب، ونوبات الخوف والهلع والانزواء وفقدان الثقة في الآخرين وأخذ موقف عدائي من قوات الأمن داخل السجن أو خارجه. علاوة على ذلك قام ثلاثة أطفال بزيادة وقت جلوسهم مع أعضاء تنظيم «الدولة» الموجودين معهم في العنبر». المركز رصد «عدة حالات لسجناء أطفال رفضوا فجأة التعاون مع المحامين، ولأطفال قاموا بتكفير القضاة أو وكلاء النيابة خلال التحقيق، أو أعلنوا انتماءهم لتنظيم الدولة وكفروا بقية السجناء».
ولفت إلى أن «بعض الأطفال لم تكن لقضاياهم صلة بتنظيم الدولة الإسلامية قبل الحبس، وبعضهم حتى اتهم بالشغب وانتهاج العنف ضد جماعة الإخوان أثناء حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي».
أبرز هذه الحالات كانت للطفل صفيّ الذي حكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات على خلفية أحداث شغب ضد مقرات جماعة الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من عدائه المفترض للجماعات الإسلامية، تطرف لدرجة رفض التوقيع على النقض بعد صدور الحكم عليه، لأن التوقيع اعتراف بشرعية المحاكمة ما يخالف تعاليم الدين، كما تلقاها من أتباع التنظيم، فاضطر الأب لإمضاء إجراءات الاستئناف رغمًا عن ابنه.
طفل آخر كان متهما في قضية تظاهر وانضمام لجماعة «الإخوان المسلمين» فاجأ الحضور في المحكمة العسكرية حين قام بتكفير القاضي أثناء الجلسة ورفض المحاكمة.

اعتقال 1556 في 5 أعوام… وكثيرون أعلنوا انضمامهم لتنظيم «الدولة» داخل مقرات الاحتجاز

مثال آخر ذكره التقرير لطفل يدعى محمود شفيق نجل ضابط سابق في الجيش المصري، قبض عليه مع صديق من شارع قريب لمظاهرة مؤيدة للإخوان نهاية عام 2013 في الفيوم، واختفى محمود قسريًا لمدة ثلاثة أيام حرم فيها من الطعام وتعرض خلالها إلى التقييد والتعذيب الذي أدى إلى كسر أنفه، ثم ظهر بعدها في سجن دِمو، الموجود تحت الأرض والمكون من أغلبية إسلامية تتضمن جماعات تكفيرية ومؤيدين للإخوان المسلمين، ووجهت لمحمود شفيق تهم بالتظاهر وإحراز سلاح والانضمام لجماعة إرهابية.
وطالبت ياسمين عمر، محامية محمود شفيق، أن يعرض على الطب الشرعي لإثبات تعذيبه لكن لم يتم البث في الطلب، ثم طالبت عدة مرات بنقله من السجن إلى المؤسسة العقابية في منطقة دمو ولم يتم البت في الطلب أيضًا.
وكان محمود شفيق قاصرًا في الصف الأول الثانوي وقت القبض عليه ويحكم قضيته قانون الطفل الذي لا يجيز احتجاز الأطفال تحت سن الثامنة عشرة في السجون، حيث يتوجب إيداعهم في المؤسسة العقابية أو أقسام الشرطة بمعزل عن البالغين حتى إتمام السن القانونية.
وتعرض محمود شفيق للسجن 6 أشهر احتياطيًا في سجن دمو مع البالغين إلى أن تم إخلاء سبيله على ذمة القضية وسقطت عنه تهمة إحراز سلاح وذخيرة لعدم وجود إصابات أو أحراز أو إطلاق نار وقت المظاهرة، ولم يكن بحوزة محمود إلا أوراق الدروس التعليمية، لكن بعد إخلاء سبيله، تعرض بيته إلى اقتحامات من قبل قوات الأمن الوطني فاضطرت أسرته إلى ترك محل سكنهم، وقرر محمود شفيق عدم حضور محاكمته خوفًا من العودة إلى السجن، فحكم عليه بالسجن سنتين غيابيًا، سافر وقتها من الفيوم إلى القاهرة دون أن يعرف أهله تفاصيل مكانه. اختفى عن الأنظار حتى 11 ديسمبر/ كانون الأول 2015، ثم ظهر فجأة حين أعلنت السلطات عن كونه الانتحاري الذي فجر نفسه بحزام ناسف في كنيسة البطرسية التي كانت واحدة من أكبر حوادث الإرهاب ضد الأقباط في تاريخ مصر الحديث.
في عام 2014، قبض على سامي وهو يبلغ 16 عامًا حين كان في الصف الثاني الثانوي، بعدما قرر الانتقام من ضباط الشرطة حيث قام بمساعدة صديقه بتصنيع قنبلة بدائية تعلماها من دروس الفيزياء في المدرسة، ووفقًا لأوراق القضية قاما برصد بيت ضابط شرطة وزرعا القنبلة في سيارته، فانفجرت فيها دون خسائر. استخدم الطفل رقم هاتفه في تفجير القنبلة، فاستطاع الأمن تتبعه والقبض عليه من منزله في أكتوبر/ تشرين الأول.

استغلال الأطفال

تناول التقرير أيضا كيف يستغل المسلحون الأطفال، وذكر أنه في مايو/ أيار 2016، حين كان مهدي في الرابعة عشرة من عمره، وعندما كان يعمل في ورشة نجارة في العريش، أتاه ابن عم والده الذي انضم إلى تنظيم ولاية سيناء بعد عزل مرسي، وأشهر سكينًا ووضعه على رقبته، مهددًا أنه سيذبحه إن رفض مراقبة تحركات قوات الجيش في الطريق ويبلغه عنها عن طريق الهاتف.
كان تنظيم «الدولة» قد ذبح مواطنًا من أهل المدينة بالفعل وألقى برأسه في الشارع قبلها بأيام، فخشي مهدي على حياته واضطر إلى طاعة قريبه، أثناء مراقبته، سمع مهدي صوت انفجار ولم ير سيارات الشرطة أو الجيش فرمى الهاتف وحاول الهروب، قبل أن تلقي قوات الأمن القبض عليه.
اختفى مهدي بعد القبض عليه قسريًا لمدة 90 يوما، ثم ظهر على ذمة القضية 147 لسنة 2017 والمعروفة إعلاميًا باسم «قضية اغتيال السيسي»، وُجهت إليه تهم «الانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف القانون مع علمه بأغراضها ووسائلها في تحقيق الإرهاب، وحيازة واستعمال عبوات مفرقعة بهدف قتل الرئيس عبد الفتاح السيسي وتخريب المباني والمنشآت العامة، والشروع في قتل مندوب شرطة مدنية، وإتلاف مركبتين، ومحاولة الحصول على سر من أسرار الدفاع عن البلاد».
الطفل السيناوي عبد الله بومدين، دفع هو الآخر ثمن وجوده في الأسرة والمكان غير المناسبين، وتغيرت حياة الأسرة للأبد بعدما انضم شقيقه الأكبر عبد الرحمن بومدين لتنظيم «الدولة» واتصل بهم ليخبرهم أنه انضم إلى تنظيم الدولة في العراق، بعدها أخفي أبيه قسريًا في 5 ديسمبر/ كانون الأول دون أي معلومة عن مكانه، ثم اقتحمت قوات الجيش منزل عبد الله يوم 31 من الشهر نفسه في الساعة الواحدة صباحًا، حيث قام الأمن بالتعدي بالضرب على والدته ثم قبضت عليه أثناء نومه في سريره.
عبد الله عاش رحلة طويلة من المعاناة تعرض فيها للتعذيب بالكهرباء وسكب المياه والتعليق من يده ذات الإعاقة، ووضعه على سرير حديدي ثم إشعال النار تحته، وتقييده وضربه وحرمانه من الطعام والاستحمام مما أدى إلى إصابته بأمراض جلدية وتردي حالته الصحية.
أراد الأمن الوصول لأخيه عبد الرحمن بومدين بأي ثمن، فحكى عبد الله أنه سمع أصوات صراخ متواصل لنساء يتم تعذيبهن، وهدده رجال الأمن بتعذيب أمه مثل أولئك النساء.
ظهر أخيرًا أمام النيابة في يوليو/ تموز 2018 وتم التحقيق معه بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية والمساعدة في زرع مفرقعات في القضية رقم 570 لسنة 2018 حصر أمن دولة، حقق معه دون محام، ثم صدر قرار بإيداعه بدار الرعاية الملحقة بقسم شرطة الأزبكية ليقضي هناك ما يقرب من100 يوم في احتجاز انفرادي بدون زيارات وبتعذيب مستمر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية