صناعة عصية على الكساد

حجم الخط
0

نبيل نايليحتى الأشجار ‘الأيقونة’ تسقط وإن عمّرت ما يزيد عن 160 سنة وحدها صناعة الهولوكوست (بالإذن من نورمان فنكلشتاين)، عصية على هذا القانون الطبيعي، كلّما خبا بريقها عاد القائمون عليها من منظّرين ومؤرّخين وأباطرة إعلام ودعاية ودبابات فكر وعلماء نفس وروائيين ومخرجين سينمائيين، وكل هذه الترسانة الجهنّمية التي تعمل بتناغم ومن دون كلل منذ سفر التكوين، تخليدا للجرم ‘المتفرّد بذاته في التاريخ’، وايثارا للجناة بدور الضحية بامتياز، ونحتا لعقدة ذنب تُورّث جيلا فجيل، واستثمارا مبتزّا، جشعا، مبرّرا لأشنع المجازر وأفظعها، وإن اختلفت الأساليب والأدوات.

نسرد فقط حادثتين لم تسقطهما الذاكرة بعد، بفعل طوفان الأحداث ولوثة الأخبار المعلّبة، ونستهلّ ذلك بحادثة سرقة بسيطة لقطعة من الفولاذ، لا يزيد طولها عن الخمسة أمتار، خُطّت عليها عبارة ‘العمل يحرر’rbeit mcht frei’، كانت موضوعة على مدخل معتقل اوشفيتز النازي في ألمانيا، خرج على اثرها رئيس بولونيا مستنكرا، عازما العثور عليها بأقصى سرعة متعهدا محاسبة الجناة، ليتم العثور عليها فعلا بعد أيام قليلة وتُعاد إلى مكانها وسط عويل ونحيب محترفي اللطم، وتعالي أصوات الإدانة امثال، رافائيل إسرائيل، رئيس رابطة أولاد المعتقلين اليهود على يد النازية، في فرنسا الذي صرّح: ‘المعتدون أرادوا تدمير التاريخ، وإعادة النازية ‘، والناطق باسم وزارة الخارجية الألمانية، نائبا عاما عن حاملي عقدة الذنب الأزلية المتوعّد: ‘يجب إلقاء الضوء على الحادثة والتعويض بسرعة لموقع اوشفيتز، وألمانيا تؤكد من جديد مسؤوليتها إزاء اليهود وحماية اوشفيتز’. من صرخ منّا استنكارا لتدنيس الحرم الإبراهيمي أو النبش المحموم على ‘الأسطورة’ الذي يكاد يهدّ القدس الشريف من أساسه، أو ما حلّ بالمواقع الأثرية الفلسطينية والعراقية؟ الحادثة الثانية لا تقلّ سريالية عن الأولى وتتعلّق بما سمّته وسائل الإعلام ‘شجرة آن فرنك’ تناغما مع كتاب’يوميات آن فرانك’،Journl d’ nne Frnk، المراهقة النمساوية التي سيقت وأهلها، يوم الرابع من آب/اغسطس سنة 1944، بعد وشاية أحدهم، إلى معتقل في بيرجن بيرسن، Bergen-Belsen، بشمال ألمانيا حيث قضت سنة 1945. والشجرة التي تكرّر ذكرها بكتاب، مطعون في صدقيته تاريخيا وفنيا، هي شجرة كستناء حوّلتها الدعاية الصهيونية إلى أيقونة، فتمّ قصّ بعض أغصانها، بعد أن شاخت، بغية زرعها في أكثر من مكان بالعالم: 12 غصنا منها كانت حصة أمريكا الشمالية، وغصن آخر زُرع بمونتريال. ولم يفت صنّاع الهولوكوست أن ينال ‘شرف’ الاستزراع حديقة البيت الأبيض هي الأخرى، لتكتمل الدائرة.

الصهاينة يفعلون ذلك، لإدراكهم أن الوجه الدميم لاستيطانهم وانتهاكاتهم الشنيعة لأبسط المواثيق والمعاهدات وكل ما يقترفونه بحق أبناء فلسطين قد ظهر للعيان رغم التعتيم والتضليل والنفاق الدولي. ولعلّه بات من المعلوم سعي بعض الصهاينة إلى التحذير من مغبة المضي في نفس السياسات الرعناء خوفا على الكيان من حصار وعزلة عالميين يكادان يعصفان بالمشروع برمّته، عزلة نفكّها، للأسف، بأيدينا سواء بصمتنا الرسمي الآثم، أو بقصر نفسنا النضالي الشعبي الخاذل، أو من خلال ممارسة خطيئة جلسات ‘استحضار’ سلام وئد منذ لحظة الاغتصاب الأولى وإصرار ‘مازوشي’ لاستكمال مسلسل مفاوضات طحن الماء.

الصهاينة إذ يفكّون شيفرة استطلاعات الرأي التي باتت تعتبرهم خطرا على السلم العالمي، وإذ يطّلعون بكل دهشة على تصريحات متجاسرة لبعض المسؤولين والساسة والعسكريين الأمريكيين منهم والأوروبيين، تتحدّث لأول مرّة عن الكيان لا كحليف بل كعبء ستراتيجي وأخلاقي، وإذ يرقبون، لا حول لهم ولا قوة، تنامي ظهور هيئات ولجان وجمعيات غير حكومية، شقّت عصا الطاعة، واستعصى عليهم اختراقها وبالتالي حرفها عن نهجها أو شراء ذمم مُعدّي تقاريرها ودراساتها الموضوعية التي ما فتئت تُجرّم كيانهم وتفضح ممارساته، خصوصا بعد تجاوزهم كل الخطوط الحمراء وإحراجهم المتكرّر للولايات المتحدة الأمريكية ومن تعلّق بتلابيبها من الأتباع الأوروبيين، ومن ثمة استنفاد لما تبقّى لهم من رأسمال ‘حصانتهم’ الأخلاقية التي تشرّع لهم أبشع مشروع استيطاني إحلالي عرفته البشرية، وإدراكهم أن الأجيال الجديدة لم تعد تحتمل وزر ما اقترفه الأجداد بحق من قضى من يهود الشتات بفعل جرائم النازية، حتى أن بعضهم بات لا يتورّع عن الحديث عن ‘عملية ابتزاز زادت عن حدّها’، كل هذا تضاف له عقدة خوف المُغتصب وإن توارى خلف مظلّة نووية، يجعل الصهاينة يوظّفون كل الأحداث الجسيمة منها والتافهة، الصحيحة والمُختلقة، لإعادة ترميم سمعة اهتزّت وإحياء ذاكرة ضعفت وشحذ لعزائم وهنت، وحرص على تحقيق الأهداف التالية:- دفع الولايات المتحدة وأوروبا إلى الإسراع في التعبير عن تحمل مسؤولياتهما وذلك ما يترجم بشقين: الدعم السياسي والأمني والعسكري، غير المشروط، والتعويضات المالية التي لا تعرف سطحا معينا. – رفع الكيان إلى مرتبة من لا يخطئ، وإن فعل، فرغما عنه، سواء بتعلّة الدفاع عن النفس أو الوجود في مواجهة ‘أغيار معادين للسامية، متعطّشين للدم اليهودي’، في استغلال لأكبر مغالطة وخلط بين اليهودية والصهيونية، بغية التضليل والتعمية، والتأسيس لنظام الكيل بمكيالين، بحيث لا تتم مساءلة الكيان وفق القوانين والمعايير الدولية المتفق عليها.- شحذ همم من سئموا لغة الابتزاز الصهيوني الذي لا يعرف حدودا، والذين ضاقوا ذرعا بدفع تعويضات يقتطعونها من قوتهم اليومي، تُمنح للصهاينة على شكل غواصات نووية وطائرات أف 35، والحال أن دافعي الضرائب أحوج ما يكونون للعون، خصوصا في ظل الأزمة الحالية. – إعادة خلق التوازن الذي اختل بفعل شناعة جرائم الكيان واستكباره (تقرير غولدستون المفزع، وفضيحة اغتيال المبحوح…)، من خلال التلويح ببعبع عودة النازية، لان ذلك ما يخشاه الرأي العام الأوروبي ويخجل منه في آن، ويعيد اللحمة والالتفاف حول المشروع الصهيوني من جديد.- استغلال هذا المناخ من أجل فرض يهودية الدولة وتنفيذ لاءات نتنياهو أمرا واقعا، حتى بات مجرّد تمديد القرار القاضي بتعليق زحف الاستيطان، يقايضه زعيم الولايات الأمريكية ذليلا متملّقا بحزمة حوافز تشمل تزويد الكيان بأحدث الوسائل القتالية والالتزام غير المشروط بأمنه، ثمّ التعهد بإحباط أية محاولة عربية لطرح قضية الدولة الفلسطينية على مجلس الأمن الدولي، ومنع الفلسطينيين من إعادة طرح مسألة المستوطنات بشكل منفصل عن المفاوضات المباشرة، بحيث يحسم مصير المستوطنات في إطار التصفية لا التسوية كما يسوّق لنا.- إعادة الأوروبيين إلى خانة المذنب المُطالب أبدا بالتكفير، حشدا للدعم خصوصا والمشروع النووي الإيراني بعد الخلاص من المارد العراقي، بات يقضّ مضاجعهم.- خلق التأييد الدولي الضروري لتمرير كل المشاريع الصهيونية: اغتصاب الأرض، تهويد القدس، الخلاص ممن ظلّ صامدا من الفلسطينيين بإكراههم على الرحيل ومنع عودتهم وتنفيذ برنامج الترانسفير الموعود.- الإعداد لحروب بالوكالة يقوم بها ما يسمّى زورا بالمجتمع الدولي، ممّن سلّموا زمام أمورهم لزبانية الحركة العالمية الصهيونية، وصاروا يدها التي تبطش بها.

صناعة الهولوكوست التي لا تعرف الكساد، وإن استندت الى الأباطيل وتزييف للوعي واغتصاب للتاريخ والجغرافيا، تحقّق النصر تلو النصر لنظلّ نحن أعجز عن أن ندافع عن أنبل القضايا وأعدلها، ولا يتحجّجنّ أحدنا بقوّة اللوبي الصهيوني، فذلك استصغار للذات وتسفيه لدماء الشهداء، ونسف لكل امكانات هذه الأمة العظيمة. هل يحتاج هذا الأوباما الصارخ صباح مساء: ‘اسمعوا جيداً.. إذا كنتم تنتظرون من أمريكا أن تبتعد عن إسرائيل فأنتم واهمون واهمون. إن التزامنا والتزامي أنا شخصياً بأمن إسرائيل لا يقبل نقاشاً… إن ‘اليهود وراء نجاحي في شيكاغو.. إن لهم دوراً مركزياً في هذا النجاح.. لهذا يتهمني السود بأنني أقرب إلى اليهود مني إلى السود’، إلى شجرة كستناء تزرع في حديقة بيتهم الأبيض لتذكيره بعذابات النازية؟ ترى كم من زيتونة فلسطينية مضمّخة بالدم، سنغرس نحن، وكم من نخلة عراقية سنستزرع، ليصحو هذا الغرب الغارق في عقدة ذنبه حتى الأخمص، ويستمع العالم لفصول الحقيقة المعمّدة بعبق التاريخ لا بهرج الدعاية الزائف؟ ‘ باحث في الفكر الاستراتيجي جامعة باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية