صهيل المسافات لليلي الأطرش وصلتها باعمالها السابقة واللاحقة: ثوريون مرتدون ورجال شبقون يطاردون النساء!

حجم الخط
0

صهيل المسافات لليلي الأطرش وصلتها باعمالها السابقة واللاحقة: ثوريون مرتدون ورجال شبقون يطاردون النساء!

عادل الأسطة صهيل المسافات لليلي الأطرش وصلتها باعمالها السابقة واللاحقة: ثوريون مرتدون ورجال شبقون يطاردون النساء!حين يقرأ المرء روايات ليلي الأطرش معا، ويبحث عن صلة ما بينها، فهل سيجد أن ثمة خيطا، رابطا ما بين الروايات يقول لنا ان كاتبة هذه الرواية هي كاتبة تلك؟لعل الاجابة عن هذا السؤال تتطلب قراءة معمقة لروايات الكاتبة كلها، ابتداء من رواية وتشرق غربا (1988) مرورا بالروايات امرأة الفصول الخمسة (1990) و ليلتان وظل امرأة (1998) و صهيل المسافات (1999) وأخيرا رواية مرافئ الوهم (2005). تنتهي رواية صهيل المسافات بالطلب من صالح أيوب الأكاديمي الذي يقيم في بيت جنان مغادرة البلد ليغدو سفيرا لها في جنيف، صالح أيوب الذي هو أصلا من غابرة التي لا يستطيع العودة اليها، بسبب خلاف سياسي بينه وبين صديق الطفولة والتلمذة الجامعية حمود الواشلي، ويطلب منه مغادرة بيت جنان لأنه غدا لبعض أبنائها، ومنهم الطلبة الذين يعلمهم، شخصا غير مرغوب فيه، فثمة من يحرّض عليه، ويري فيه جاسوسا لغابرة، علما بأنه ليس كذلك كما يقول. يرد علي لسان صالح في نهاية الرواية: عاصف اقتلاع الجذور ومربك .. فأترنح.وواحدة هي مرافئ المنافي..وتتشابه مطارات الاغتراب اذ تطاردني غابرة ثم بيت جنان. وتفقد مدن الترحال القسري خصوصية جمالها وتمايزها (ص195).وسيكون عنوان رواية ليلي الأطرش التالية لصهيل المسافات هو مرافئ الوهم ، وسيقيم بطلها في لندن. واذا كان صالح أيوب عراقي الهوي، ولعله عراقي، لا مغربي أو جزائري أو … فاننا نعثر في مرافئ الوهم علي عراقي لم يكن مع نظامه علي وئام، هو جواد الجبالي، الذي له غريم سياسي هو جاسم الحميلي، وأراد أيضا أن يتزوج من سلاف زوجة جواد، تماما كما أن حمود الواشلي في صهيل المسافات غريم سياسي لصالح أيوب، ومنه سلب سونيا الفتاة التي تعرّف اليها صالح، وأقام معها في لندن علاقة.ومنذ روايتها الأولي وتشرق غربا تذكر ليلي الأطرش أسماء الأماكن التي تجري فيها أحداث الروايات، تارة تذكرها كما هي: القدس، عمان، دمشق، بيروت، القاهرة، لندن، باريس، أثينا، وطورا تخترع لها أسماء يستطيع المرء أن يحددها وقد لا يستطيع: بيت أمان، برقيس، غابرة، بيت جنان، جديدة. وربما تفعل الكاتبة هذا وتلجأ اليه، لأنها لا تريد أن تورط أبطالها أو أن تورط نفسها هي مع هذه الدولة أو تلك. ربما لا تريد في وتشرق غربا أن تورط أبطالها مع الاحتلال الاسرائيلي، اذا ما بحث هذا عنهم، وربما لا تريد أن تورط نفسها مع هذه الدولة الخليجية أو تلك في امرأة للفصول الخمسة و صهيل المسافات ، وفي هاتين لا يتصرف احسان الناطور وصالح أيوب بما يروق لبعض الجهات، وان كان ثمة فارق بين احسان الفلسطيني، وصالح ابن غابرة عراقي الهوي. الأول تحركه مصالحه الشخصية، ليعمل لصالحه ولا يكترث للشيخ الذي يمنحه الثقة، فيسفّره من البلد مطرودا، والثاني يبدو أكثر مبدئية، يقول رأيه فلا يعجب بعض أبناء بيت جنان ويثورون ضده، ويخلصه الرئيس من ورطته بتعيينه سفيرا. ولئن كانت ليلي الأطرش تختار في صهيل المسافات رجلا يقص قصته، وبذلك تختلف هذه الرواية عن بقية رواياتها التي تترك المرأة فيها تقص غالبا، وان كان الرجل أحيانا يقص كما في امرأة للفصول الخمسة ، لئن كانت ليلي تفعل ذلك، فانها، كما أري، لا تغيب عن رواياتها. كأنها تختفي وراء هذه الشخصية أو تلك. كأن هناك فكرة محورية تشغل بال الكاتبة نفسها تبرزها في غير رواية، بطريقة أو بأخري، هي فكرة كتابة الرواية. ان أبطالها في بعض رواياتها مشغولون بهذا الهاجس. في صهيل المسافات ، يروي صالح سيرته، لكأن الرواية رواية ترجمة ذاتية، وفي مرافئ الوهم تروي سلاف سيرتها، ويروي كفاح أبو غليون سيرته أيضا. في صهيل المسافات يقول صالح أيوب: أحداث حياتي أكبر من أي خيال جامح لكاتب سيناريو، وحكايتي قوامها ثلاثية النجاح المحتم، الشهرة والجنس والسياسة الفاجعة، وما في ذاكرتي أعمق وأشمل من كثير من قصص هؤلاء الذين رمتهم سهام الشهرة والحظ، فصارت حيواتهم كتبا أو مشاهد ملونة (ص10).وفي مرافئ الوهم تقول سلاف لابنتها أمل: أولا، أنا أعد بحثا. ثانيا ليس الشكل هو العقدة لكاتبة شرقية يا أمل، بل الثالوث المحرم، الدين والسياسة والجنس (ص126) من طبعة أوغاريت / رام الله).واذا ما عاد المرء الي المقابلات التي أجريت مع ليلي الأطرش نفسها، فقد يقرأ كلاما مشابها، ما يعني أن ما يدور في أذهان أبطال رواياتها، يدور أيضا في ذهنها. في مقابلة أجراها معها زياد العناني، ونشرها في جريدة الغد الأردنية (15/4/2005) تقول ليلي عن روايتها مرافئ الوهم : في هذه الرواية أردت توظيف هذا الفضاء لطرح قضايا النساء العاملات فيه تحديدا، ونوع العلاقة التي تنشأ ما بين الزملاء ثم مواجهة الشخصيات المحورية مع ماضيها. أعتقد أنني تجاوزت في هذه الرواية الكثير من المسكوت عنه بالنسبة لي ولغيري. هناك كثير من تابوهات الجنس والدين والسياسة التي طرحت في هذه الرواية بشكل مغاير لما قدمته سابقا، وربما أكثر جرأة . مواجهة الشخصيات مع ماضيها التي تبرزها الكاتبة في مرافئ الوهم تبرز أيضا في صهيل المسافات . صالح أيوب الذي تعلم وغدا سـفيرا وأستاذا جامعيا وكاتبا في جريدة الرسالة ، بل محررا من محرريها، كان محكوما أيضا بماضيه. ان استحضار الماضي في صهيل المسافات لا يقل عنه في مرافئ الوهم ، شادن الراوي في الثانية يحكمها الماضي، واذا كان كفاح أبو غليون نشأ في أسرة فقيرة لاجئة علمته أمه، وأخذ يخجل من ماضيه، وغدا يبيع قلمه ويكذب حين يروي سيرة ماضيه، فان ماضي صالح أيوب لا يختلف كثيرا، وان كانت النتيجة التي آل اليها مغايرة لتلك التي آل اليها كفاح. صالح أيوب يحترم قلمه وآراءه ويدافع عنها، حتي لو دفع ثمن ذلك، وان كان يخاف أيضا. واذا كان هذا يكتب بأسماء مستعارة، في فترة من حياته، فان كفاح أبو غليون لم يكن ليختلف عنه.في لحظة من لحظات الحوار مع الذات يســترجع صالح أيوب قول (جان جنيه): كل ذكري هي حقيقة ، وكانت ليلي الأطرش صدرت روايتها بهذه العبارة، ويعقب صالح: ولا أملك أن أروي الحقيقة دون أن ألوّن وأحرّف وأدّعي وأتخيّل (ص152) ومع أنه، كما ذكرنا، أكثر صدقا مع نفسه، من كفاح أبو غليون، الا أنه يقر بأنه حين يتذكر يلون ويحرف ويدعي ويتخيّل. كفاح أبو غليون لا يقول هذا مباشرة. شادن الراوي أو الراوي هو من يعقب علي كلام كفاح حين يروي سيرته: وواسعة مساحة الكذب في سيرة ذاتية يرويها صوت واحد، يلون صاحبها مناطق الجفاف فيضيء بقعا قاتمة. يكبر حجم الباطل أو يصغر بحسب ما يخجله فيها. لعله نسي أو فاته أنها تسمع (ص98)، (طبعة أوغاريت)، ولا يروي كفاح الحقيقة عن أمه. يحرّف ويدّعي. ولكنه مثل صالح أيوب، تعلم وأنشأ نفسه وغدا كاتبا مشهورا. بل انّ شادن الراوي نفسها تدرك أن للقصص حدود صدق وكذب. تخاطب شادن زوجة كفاح نهاد، مبدية رأيها في قصص كفاح: دكتورة نهاد، تعرفين أن للقصص حدود الصدق والكذب، فما مقدار كل منهما فيما رواه عن القدس (ص110).وربما أكثر ما يبدو مشتركا بين روايات ليلي الأطرش هو ولعها بالتركيز علي الصلة بين العنوان والنص، وأيضا ولعها باختيار أسماء شخوص دالة.أشير، ابتداء، الي أن أكثر رواياتها، بناء، تكاد تتشابه، وربما شذ عنها الرواية الأولي، فاذا كانت هذه تتكون من أحد عشر فصلا، فان امرأة للفصول الخمسة تتكون من خمسة فصول، فيما تتكون ليلتان وظل امرأة من سبعة، أما صهيل المسافات و مرافئ الوهم فتتكون كل واحدة من ستة. وربما ما يحتاج الي دراسة هو دلالات العناوين الرئيسة والفرعية، فالكاتبة تبدو منحازة للعناوين الكلاسيكية التي تلخص محتوي الفصل أو الرواية. في مرافئ الوهم تفصح بعض الفقرات السردية عن هذا بوضوح: وللبشر من أسمائهم حظوظ (ص70) ولا يكتفي المتكلم بهذا، بل نراه يفسر لنا دلالات الاسم: جواد حصان جامح لا يروض، سخي عنيد رقيق ومتقلب كصفحة دجلة والفرات. مثلهما عنيف يفيض فيغرق أرضا أينعت بعرق الكادحين ودعائهم، فيجرف اخضرارها. وجواد عراق انغرست جذوره في لجة الحدة والتوتر وتوقع الفواجع، فتحول في ترقب الكارثة الي صاخب متوتر وقلق حاد (ص70). صالح أيوب في صهيل المسافات اسم له دلالته أيضا. تطارده المطارات، مطارات غابرة ومطارات الاغتراب. وليس أمامه الا أن يكون صالحا ويصبر صبر أيوب: وحدي وترحال لا رادّ له، مع امرأة ارتبطت بي .. وأطفال أنا والدهم.وتضيق .. تنطبق حدود الأوطان بلا فسحة للوقوف. فتصهل المسافات بالآتي والجديد ..بلا تعرف أساق الي المغامرة والمختلف. وتنتصب أمامي في الأفق حدود أعرفها.. أنا صالح أيوب . (ص195).صالح أيوب هذا، كما قلنا، عراقي الهوي. يطارده ابن بلده حمود الواشلي الذي غدا ذا شأن في غابرة. ولا يرغب أبناء بيت جنان في صالح، حين يكتب مقالا لا يروق لهم. وليس أمامه الا الصبر. في الجريدة يحرّض بعض المسؤولين عليه، ولا يرحبون به، ولم يرحب به أيضا الحارس الذي كان صالح يقدره ويعطف عليه، وحين يحاضر صالح في طلبة الجامعة، ويبعد عن الجريدة، يكتب الطلبة علي السبورة: لا علم ولا معرفة من جواسيس غابرة (ص140).والروائية التي تتخيل مثقفا عربيا، وتتركه يروي سيرته، لا تكتفي بتركه يقدم نفسه. انها تتركه أيضا يعبر عن تصور الآخرين له، وهكذا تقدم لنا تخيلها وتخيل متخيلها لذاته وتخيل تخيل الآخرين له. يعبر صالح عن ذاته، ويعبر أيضا عن رؤية الآخرين له: جبان أحتمي بالنساء. عاق لا أراعي حرمة من أكرمني. مخادع مخاتل وأعض يدا ممدودة بالنعمة لي .. أحري بي أن أعود من حيث أتيت .. لا مكان للجواسيس من غابرة .. لا أستحق نعمة أنا فيها .. زهرة كاذبة وتتستر علي رعديد (ص182).وحين يلفظه الجميع الا الرئيس، لا يكون أمامه الا أن يصبر صبر أيوب. وهكذا يكون له من اسمه نصيب، كما ورد في مرافئ الوهم : وللبشر من أسمائهم حظوظ .وفي صهيل المسـافات ، كما في مرافئ الوهم ، كما في امرأة للفصول الخمسة ، كما في ليلتان وظل امرأة هناك رجال شبقون يبحثون عن المرأة، ولا ترويهم نساؤهم. حمود الواشلي منذ شبابه يبحث عن اشباع رغباته، وتترك شادن الراوي زوجها المحامي وتنفصل عنه لأنها ضبطته مع امرأة أخري، واحسان الناطور يقيم علاقة مع أجنبية، مع أنه متزوج من نادية، والأنكي أن أخاه جلال يحاول أن يقيم علاقة مع نادية ـ وربما لاحظ المرء أن ثمة شبها بين نادية وشادن الراوي، فكلتاهما تحنان الي الحبيب الأول ـ وأما عادل زوج المحامية أمل فيتركها، حين يتعرف الي امرأة ثانية، بل ان زوج أختها مني يحاول أن يعتدي علي أخت زوجته، هذه التي ظلت تتكتم علي الأمر. رجال معطوبون في الغالب، ولئن كان المرء أيضا يعثر علي نماذج نسوية معطوبة، في الغالب، الا أن قارئ الروايات كلها يخرج بانطباع شبه مؤكد أن الكاتبة تنحاز الي المرأة عموما، علي الرغم من أنها هي تنفي ذلك، وتنفي أن تكون كاتبة نســوية ـ أعني تنحاز للنســاء، (وعلينا ألا ننسـي سيف في مرافئ الوهم وولعه بالنساء). وثمة فكرة أخري يلحظها المرء، وهي فكرة الثوري المرتد، الثوري الذي يبدأ ثوريا ثم سرعان ما يتخلي عن آرائه وأفكاره ومبادئه. في امرأة للفصول الخمسة يطالعنا هذا الثوري في شخصية الفلسطيني جلال الناطور، هذا الشاب الذي يقيم في دمشق ويثقف نفسه باستمرار، ينتهي نهاية مأساوية: لا يشرب الخمر ويفقد وعيه، ليعبر عما يجري في لاوعيه، وحسب، وانما يتحول من ثوري الي لص يبحث عن مصالحه الفردية، وبذلك لا يختلف عن أخيه احسان الذي لم يلتحق بالثورة، لأن همه هم فردي من الأساس، مثله مثل أبطال رواية غسان كنفاني رجال في الشمس ، هؤلاء الذين ماتوا في الخزان، وتحضر رواية كنفاني في رواية ليلي الأطرش، وربما احتاجت فكرة تناص نصوص الروائية مع نصوص غيرها دراسة مسـتقلة. وجلال الناطور الثوري الذي انتهي تاجرا لا يختلف كثيرا عن كفاح أبو غليون في مرافئ الوهم . كفاح ينتقد الثورة، لا لأنه ثوري طاهر، وانما لأنه غيّر مبادئه، وأجر قلمه لمن يدفع له.واذا ما نظر المرء في نهايات أكثر الروايات فسيجد أنها نهايات لا تخلو من خيبة. وربما تشذ رواية وتشرق غربا عن بقية الروايات. فهذه تنتهي بالعبارة التالية: وكانت الشمس تشرق غربا (ص255). وليلي الأطرش قالت مرارا ان روايتها هذه تنبأت بالانتفاضة. ومع العبارة اللافتة وكانت الشمس تشرق غربا ، الا أن الابعاد عن الوطن هو مصير الفلسطيني الذي سيظل يحلم أن يعود الي الغرب / الضفة. في امرأة للفصول الخمسـة يقع احسان الناطور في فخ، ويبعد أيضا عن برقيس. وفي ليلتان وظل امرأة تفقد آمال زوجها وتقول: وليس في الأعماق الا شعور جارف بلغني ويحملني اليه .. ولا أريد سواه .. عادل سأقبله بكل ما فيه .. فعالمي خواء في غيابه. وستظل دموعي تلهب اشتياقي لغائب لا أدري هل يعود، أو متي سيعود؟وينظر صالح أيوب في صهيل المسافات الي ما جري معه ويقول: وتضيق .. تنطبق حدود الأوطان بلا فسحة للوقوف: تصهل المسافات بالآتي والجديد.بلا تعرف أساق الي المغامرة والمختلف. وتنتصب أمامي في الأفق حدود أعرفها .. أنا صالح أيوب . (ص195 )، وعليه أن يسافر الي جنيف، لا أن يعود الي وطنه غابرة، ولا أن يبقي في جزء من الوطن العربي.وتكون المرافئ في مرافئ الوهم مرافئ وهم. تعود شادن الراوي الي عملها خائبة لم تحقق ما طمحت اليه، ويذهب عطرها سدي.. انها ظل امرأة، كما هي آمال في ليلتان وظل امرأة .وثمة ما لم أكتبه أيضا تحت هذا العنوان.كاتب واكاديمي من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية