صوتان من العصفورية

حجم الخط
0

سهيل كيوان

هناك من يريد التحدث إليك! قال لي عبر الهاتف أحد معارفي الذي يقيم بين فترة وأخري في مستشفي للأمراض النفسية شمال عكا، والذي يجد بالرسم علي الزجاج والنحت في خشب الزيتون ملاذه الوحيد من الكآبة والأوجاع التي تعذب روحه منذ سنوات! علي كل حال هو ليس الأول الذي عرفته ويبث فنه من ذلك المكان، فقد عرفت المرحوم عدوان علي الصالح من الناصرة الذي أصدر أكثر من مجموعة شعرية لا بأس بها، موزعا بين البيت ومستشفي الأمراض النفسية الي أن عجز الشّعر عن إسعافه ورحل! انتظرت الصوت! كان غير واضح فطلبت منه الحديث ببطء، وإذا به يتحدث باللهجة السورية، بدأ يحدثني عن مغامرته التي أوصلته الي هذا المشفي. أنا مواطن سوري من الحسكة، قررت اللجوء السياسي الي اوروبا، في البداية عبرت الحدود اللبنانية السورية حيث حصلت علي جواز سفر لبناني مزيف، ولكن تم اعتقالي وإعادتي الي نقطة الحدود السورية، لم تكن معي بطاقة شخصية فاعتقلت لأربعين يوما بتهمة تجاوز الحدود! بعد إطلاق سراحي بأسابيع (بالواسطة) قررت العبور الي اسرائيل ومنها طلب اللجوء السياسي الي أوروبا! عبرت خط وقف اطلاق النار في منطقة مجدل شمس وألقي القبض عليّ هناك من قبل الجيش الإسرائيلي عام 1994، قلت لهم أن كل ما أريده هو السفر الي المانيا أو فرنسا او أية دولة أوروبية تقبلني، ولم آت الي اسرائيل للبقاء فيها، بدأوا التحقيق معي ونقلوني من معتقل الي معتقل لمدة سنة وثمانية أشهر، طلبوا مني خلالها تزويدهم بأسماء ضباط في الجيش السوري الذين لا أعرف أحدا منهم، كذلك طلبوا أسماء سجناء كانوا معي! بعدها نقلوني الي مستشفي الأمراض النفسية شمالي عكا! منذ ذلك الحين وأنا هنا لا ألتقي أحدا، والدواء الذي يعطونني إياه أرفضه أو أخبئه وأرميه، ولا شيء يتغير منذ اثني عشر عاما! أنا اريد فقط الرحيل الي أوروبا.. قلت هذا للإسرائيليين.. ولكنهم يرفضون!

ـ ولكن ما سبب هروبك من سورية؟ ـ أنا من الحزب الديمقراطي الكردستاني! ـ وهل هذا الحزب ممنوع في سورية؟

ـ لا.. غير ممنوع! ولكن شعرت طيلة الوقت أن كل تحركاتي مراقبة! ـ ولماذا أنت بالذات دون غيرك!

ـ لا أعرف! هذا كان شعوري! حتي أني لم أعد أطيق أكثر! ـ وهل اتصلت بأهلك!

ـ مرة واحدة منذ بداية اعتقالي بواسطة الصليب الأحمر، وعندما عرفوا أنني في اسرائيل لم يعودوا يسألون عني لأنهم يخافون من التورط مع السلطات هناك! أنا لست خائنا! كل ما أردته هو اللجوء الي دولة أوروبية! ـ هل أنت متزوج؟

ـ لا.. لي أربعة أخوة وخمس أخوات!

ـ وما هي مهنتك في سورية؟ ـ دهّان!

ـ وما الذي تريده الآن؟ ـ مساعدتي في الخروج من هذا الجحيم!

ـ هل يزورك الصليب الأحمر؟

ـ زاروني آخر مرة قبل خمسة أشهر! طلبت منهم الخروج من هنا، ولكن إدارة المستشفي عقدت جلسة وقررت أن أبقي! بعد أن أقفلت الهاتف، حسبتها منذ عام 1994 الي اليوم طلعت معي اثنين وعشرين عاما، حسبتها مرة أخري.. نعم إنها اثنان وعشرون عاما، قلت لنفسي.. هذا الرجل مخبول، لقد أنقص عشر سنوات كاملة من اعتقاله! اتصلت بالفنان مرة أخري وقلت له.. أعطني صاحبك الكردي فهو يدعي مكوثه في المستشفي منذ إثني عشر عاما بينما هو هناك منذ اثنين وعشرين عاما! فقال ـ كيف حَسبتها! ـ إحسبها أنت.. إنها اثنان وعشرون عاما! ـ يا رجل سلامة عقلك.. من عام 1994 الي 2007… كيف طلعت معك هيك! (وضحكنا)..! لم أشعر ولا مرة منذ معرفتي بهذا الشخص منذ سنوات أنه مختلف، طبعا سألته مرة عن سبب دخوله المشفي! فقال جريمتي أنني غيرت ديانتي التي ولدت عليها الي ديانة سماوية أخري… أليست كل هذه الديانات لله! ولكن منذ (فعلتي) هذه يدعي أخوتي أنني عنيف وخطير، وحاصروني في الشكاوي للشرطة الي أن أوصلوني الي هذا المكان! في اليوم التالي سافرت الي المستشفي وطلبت زيارة الفنان الذي يعيش في الغرفة نفسها مع الشاب السوري، وهكذا التقيت الرجل واسمه محمد! له شاربان كثان وعينا نمر وتقاطيع وجه وعرية! في الثانية والأربعين من عمره متين البنية! استقبلني بعينين أضاءتا دهشة وسعادة كأن أبواب الأمل فتحت له، لم يُضف الكثير عن ما تحدث به هاتفيا.. سوي علاقة غرامية أقامها مع ممرضة من أصل روسي زادت من معاناته (يا ريت ما عرفتها) واسمه الحركي (جيفارا) قال هذا.. ثم كتبه بالعربية وبالكردية.

كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية