‘صوت العرب’: في آراء المواطنين العرب واحوالهم

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي

نصف السودانيين يفكرون في الهجرة، و57′ من العراقيين لا يشعرون بالأمن في بيوتهم، و96′ من التونسيين مسرورون لسقوط الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (الذي كان يؤكد أن أكثر من 90′ منهم يصوتون له كل مرة)، بينما لا يؤيد 42′ من المصريين رحيل بن علي (في استبيان أخذ بعد الثورة المصرية!) هذه عينة من نتائج أوسع استطلاع للرأي العام أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن ‘مشروع قياس الرأي العام العربي’. وقد نشرت هذه الدراسة في ‘المؤشر العربي 2011’ الذي صدر في الدوحة الأسبوع الماضي.

استطلع المؤشر آراء أكثر من ستة عشر ألف شخص من 12 بلداً عربياً هي: موريتانيا، والمغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، والسودان، وفلسطين، ولبنان، والأردن، والعراق، والسعو ية، واليمن. وإنه لإنجاز في حد ذاته أن ينجح معدو التقرير في الحصول على الإذن لإجراء الاستبيان في هذه الدول المهمة، وكثير منها لا يرحب بالعادة بتساؤلات المتسائلين، خاصة وأن هذه الدول مجتمعة تضم أكثر من 85′ من سكان العالم العربي. ولا شك أن فكرة استمزاج رأي عامة المواطنين العرب في شؤون دنياهم فكرة ثورية، خاصة وأن ما استقر عليه الأمر هو إبلاغ المواطنين بما يجب أن يعتقدوا أو يشعروا أو يفكروا، وليس سؤالهم ابتداء عن أفكارهم ومشاعرهم وآرائهم. وعليه فإن بذل جهد مقدر، واستخدام وسائل علمية، للتثبت من آراء المواطنين العاديين في طول العالم العربي وعرضه، لا بد أن يستحق الإشادة والتقدير.

ولكن في نفس الوقت فإن الدراسة موضوع هذا النقاش تطرح أسئلة قد تضاهي الأسئلة التي حاولت تقديم إجابات عليها. ويكفي المثال أعلاه حول اعتراض قرابة نصف المصريين على إسقاط نظام بن علي في تونس (مقابل 54′ أيدوا ثورة تونس)، وذلك في استبيان أجري بعد أكثر من ثلاثة أشهر على سقوط نظام مبارك في مصر نفسها، خاصة وأن نفس الاستبيان أوضح أن 89′ من المصريين المستجوبين أيدوا إسقاط مبارك (مقابل 90′ من التونسيين). ويعتبر معدل التأييد المصري للثورة التونسية أدنى بكثير من متوسط التأييد العربي (71′)، وأقل من التأييد لها في دول لم تشهد ثورات، مثل السعودية والعراق والجزائر ولبنان. فهذا تضارب يحتاج إلى تفسير.

عموماً فإن التأييد العربي للثورات كان مرتفعاً، حيث بلغ متوسط التأييد للثورة المصرية بين المستطلعين في كل البلدان العربية 80′. كذلك فإن أكثر من ثلثي المستجوبين أعلنوا تأييدهم للنظام الديمقراطي وتمسكهم به، كما أظهر الاستبيان إن هذا الموقف يستند على فهم لتعقيدات النماذج الديمقراطية، واطلاع على عيوب الأنظمة الديمقراطية والانتقادات الموجهة لها، وفهم كذلك لشروط الديمقراطية الأساسية. أي أن التمسك بالديمقراطية جاء على بينة. ولكن حتى هنا تثور عدد من التساؤلات. على سبيل المثال، نجد الغالبية (53′) لا تمانع في وصول حزب لا تتفق معه إلى السلطة إذا حاز الأغلبية، ولكن النسبة تنخفض دون النصف في المغرب والجزائر ولبنان، وتصل إلى 21′ فقط في الأردن. وحين يخصص السؤال صفة الحزب المخالف بأنه ديني، نجد متوسط القبول يرتفع إلى 56’، ولكنه ينخفض عن النصف في الجزائر والعراق والأردن ويهبط إلى 26′ في لبنان. وقد تصدر كل من موريتانيا وتونس والسودان قائمة الدول التي تؤيد شعوبها وصول أحزاب مخالفة للسلطة (83’، 68’، 60′ على التوالي) حتى لو كانت إسلامية (83’، 81’، 64′). وبينما تبدو النسب متسقة مع المتوقع في تونس وموريتانيا، وإلى حد ما في العراق ولبنان، حيث تسود الاختلافات المذهبية، فإن نسب السودان والأردن تطرح أسئلة. ذلك أن انخفاض نسبة المؤيدين لتداول السلطة أو لوصول الإسلاميين إلى الحكم في بلد مثل الأردن له تراث ديمقراطي لا بأس به، ويتمتع فيه الإسلاميون بدعم شعبي مقدر، يحتاج إلى تفسير. وبنفس القدر فإنه حين لا يستغرب أن يكون السودان، مع موريتانيا، من أكثر الدول العربية دعماً للديمقراطية وتداول السلطة، فإن الدعم المرتفع فيه لوصول حزب إسلامي للسلطة يثير الاستغراب في بلد حكمه الإسلاميون بالقوة لعقدين من الزمان، بكل ما يثيره ذلك من معارضة للحكام، حتى وإن كانوا ديمقراطيين صالحين.

إضافة إلى ذلك، جاءت مؤشرات مقلقة من وجهة النظر الديمقراطية، مثل تأكيد حوالي نصف المستجوبين ثقتهم بالمؤسسات العسكرية في بلدانهم، مقابل أقل من الربع يثقون في القضاء و12′ يثقون بالمجالس النيابية و5′ فقط يثقون بالأحزاب السياسية. فحين تكون الثقة بالجيش عشرة أضعاف الثقة بالأحزاب، فأي مستقبل للديمقراطية؟

من جهة أخرى فإن تقييم المواطنين العرب للأوضاع السياسية في بلدانهم يتسق نوعاً مع التوقعات، حيث عبر 60′ عن عدم رضاهم عن أوضاع بلادهم السياسية في المتوسط، مقابل 10′ فقط أظهروا رضاهم. وقد ارتفعت النقمة عن الأوضاع السياسية إلى معدلات عالية في كل من لبنان(91 ‘) والعراق (87 ‘) وفلسطين (76′). وإذا استبعدنا السعودية، حيث بلغت نسبة الرضا عن الوضع السياسي 49’، والأردن (39′)، فإن معدل الرضا ينخفض كثيراً، لأن أعلى نسبة رضا بعد ذلك هي في موريتانيا (15′) والسودان (11′)، مما يجعل نسبة الرضا التام عن الوضع السياسي في بقية الدول حوالي 4’. وبنفس القدر فإن أقل من 10′ عبروا عن الرضا عن سياسات بلدانهم الاقتصادية أو الخارجية، بينما عبر أكثر من 83′ في المتوسط عن اعتقادهم بأن الفساد منتشر في بلدانهم.

بالمقابل، فإن المؤشر يعبر عن مستوى رضا عن الأوضاع الاقتصادية في البلدان العربية لا بد أن يثير التساؤل، خاصة لدى مضاهاة النتائج بإجابات ذات صلة في نفس الاستبيان. فحين لا نجد أن نسبة الرضا عن الأوضاع الاقتصادية العربية لا يزيد على 8′ (يرتفع الرضا النسبي إلى 28′)، ولا يزيد في أي دولة ما عدا السعودية (نسبة الرضا فيها 42′) عن 13′ (في موريتانيا)، مقابل متوسط عدم رضا بلغ 76’، فإن نسبة رضا المستجوبين عن الأوضاع الافتصادية لأسرهم ترتفع إلى 53′. وتفوق نسبة الرضا 60′ في دول مثل السعودية والأردن ومصر والسودان والجزائر. هذا بالرغم من الاستبيان يوضح أن دخل 42′ من الأسر بالكاد يغطي احتياجاتهم، بينما لا يغطي دخل 41′ احتياجاتهم الضرورية. كل هذا يطرح أسئلة مهمة حول مفهوم ‘الرضا’ عن الوضع الاقتصادي لأسر تعيش على الكفاف أو تعاني الفاقة والعوز. فكيف على سبيل المثال، تكون موريتانيا هي الدولة الثانية بعد السعودية من حيث رضا الناس عن أوضاع أسرهم الاقتصادي؟ وكيف تبلغ نسبة الرضا عن وضع الأسرة الاقتصادي في السودان 60’، في حين يؤكد نفس الاستبيان أن دخل 14′ فقط من الأسر السودانية يغطي نفقاتها؟

هناك عدة تفسيرات محتملة لهذه التباينات والمفارقات، لعل أولها ورود إلى الذهن هو إشكالات المنهجية، إما في طريقة طرح الأسئلة أو اختيار العينات أو تسجيل البيانات والنتائج. وهناك بالقطع مجال للنظر في هذا الأمر، خاصة وأن المركز قد أجرى الاستبيان كما جاء في التقرير بالمشاركة مع مراكز محلية قد تتباين في قدراتها وإمكانياتها ومستوى خبرتها. هناك إضافة إلى ذلك أسئلة قد تطرح حول ما إذا كانت الحاجة إلى الحصول على إذن لإجراء مثل هذه الاستبيانات في دول مثل السعودية قد فرضت على المركز قيوداً في طريقة طرح الأسئلة ومنهجية إجراء الاستبيان واختيار العينات والشركاء المحليين.

ولكن من جهة أخرى فإن الإشكاليات التي تطرحها النتائج قد تشكل محفزاً لدراسات جديدة حول المجتمعات العربية وطريقة تفكيرها. فلعل هذه الإطلالة الأولى الشاملة في عقل الأمة تشير إلى خلل وفجوات في فهمنا لواقعنا. فلو أخذنا النتائج على ظاهرها، هل يا ترى يشير التعبير عن الرضا عن الأوضاع الاقتصادية للأسرة مقابل عدم الرضا عن الوضع الاقتصادي العام في البلاد، والاعتراف بعجز في ميزانية الأسر، إلى نوع من القدرية والقناعة؟ وهل يكشف المستوى المدهش لاعتراض المصريين على إسقاط بن علي عن تنافس مبطن بين مصر وتونس على قيادة الثورات العربية؟ وهل تكشف نتائج استطلاعات الأردن (من رضا مرتفع عن الوضع السياسي وأدنى مستوى قبول بمفهوم تداول السلطة) عن ثقافة معادية للديمقراطية تختفي وراء ظاهر الحراك الجماهيري المؤيد لها، خاصة وأن الأردن احتل رأس القائمة على مستوى الثقة بالمؤسسة العسكرية (81’، مقابل 31′ فقط للحكومة)؟ ويكتسب السؤال الأخير أهمية مضاعفة لأن من المرجح أن النتائج الأردنية قد تكون الأدق إحصائياً، خاصة وأن الأردن ومراكزه البحثية كانت سباقة في مجال إجراء الاستطلاعات، ولها خبرة طويلة في هذا المجال. وهذا بدوره يتطلب أن تحفز هذه النتائج المركز وغيره من المؤسسات البحثية نحو إجراء أبحاث أكثر تعمقاً في الظواهر والقضايا موضوع الاستبيان، بحيث لا يكون الاستبيان هو خاتمة المطاف، بل بداية لجهد بحثي جديد. من جهة أخرى فقد تطرح النتائج ضرورة اعادة النظر في بعض المنهجيات العلمية المستقاة من تراث العلوم الاجتماعية الحديثة التي نشأت في الغرب، واتخاذ موقف نقدي تجاهها. فالعلوم الاجتماعية الحديثة لها طبيعة فوقية وإملائية قد لا تختلف كثيراً عن طبيعة النظم السياسية. فمعظم العلوم الاجتماعية الحديثة تقوم على افتراض مبدئي أساسه أن الباحث قادر على فهم الكيان موضوع البحث (فرداً أو جماعة أو منظمة) بأفضل مما يستطيع هذا الكيان أن يفهم نفسه. ويتحول هذا الفرض المبطن إلى مبدأ مصرح به إذا كان الكيان المعني فرداً يخضع للتحليل النفسي، أو مجموعة ثقافية مختلفة أو ‘بدائية’، أو حقبة تاريخية سابقة. وهذه كلها افتراضات تحتاج إلى تأمل نقدي.

نختم بإشارة ذات أهمية وردت في التقرير، وهي إظهار أن غالبية المستطلعين (72′) يستشعرون قدراً مهماً من الوحدة بين الشعوب العربية، بينما أكد 84′ على أن فلسطين قضية كل العرب. في نفس الوقت أيد أكثر من ثلثي المستجوبين فكرة زيادة التعاون العربي (كان العراق استثناء، حيث أيدها هناك أقل من 40′). وبنفس القدر أيدت الغالبية الساحقة، ضمناً أو صراحة، مفهوم الأمن العربي المشترك، وحددت الغالبية اسرائيل باعتبارها المهدد الأكبر لهذا الأمن، تليها الولايات المتحدة (22′) ثم إيران (5′). وهذه نتائج بلا شك تؤيد التطور المضطرد نحو الوحدة العربية، على الاقل على مستوى الوعي، في عصر ما بعد الجزيرة.’ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية