لأن صوت المذيعة يخترق الفضاء لذا موضوعنا اليوم عن الفضاء، أكيد أن استقبال برامج الإذاعة والتلفزيون أصبح أمرا تلقائيا، ولم نعد نقف على طابعه السحري الخارج عن العادة المألوفة، طالما تعوّدنا على أن يغطي الصوت والصورة القاصي والداني من بقاع العالم بيتا بيتا، دوارا دوارا، دربا دربا، زنقة زنقة.
ولكن هل جنحت بك أفكارك يوما يا عزيزي إلى محاولة تحديد مصدر هذا الصوت وهذه الصورة اللذين حوّلتهما أقمارنا الاصطناعية إلى أدوات سحرية فعلا؟
سيدور حديثنا اليوم ليس عمّا تبثه الأمواج إذن، بل عن المكان الذي تبثّ منه ما تبثّ، عن هذه الدور التي ينطلق منها الصوت والصورة، دور إذاعات وتلفزيونات العالم. سلسلة صوت المذيعة تخرجنا، في مقال اليوم، عن مضمون البرامج ورسالتها لتأخذنا إلى هذه المباني الضخمة التي تصدر منها نشراتنا الإخبارية ومسلسلاتنا المفضلة ومناظراتنا التلفزيونية الشيقة، البنّاءة تارة، وتارة أخرى النارية، إنها مباني الإذاعة والتلفزيون، التي كثيرا ما يطالب الأطفال بزيارتها وقد كنت منهم، ليس نادرا أن يحدث من هذه الزيارات أن يتحدد مستقبلهم كصحافيين من الإعلام السمعي البصري، فمنهم من عرفته قطع هذا الشوط بالتحديد، منطلقا على درب الطفل الشغوف، مواصلا على مسار الصحافي المرموق.
أنا ممن باتت دور الإذاعة والتلفزيون تسكنهم منذ الصغر، وشاءت الأقدار أن أرتاد واحدة منها ارتيادا كاد يكون شبيها بمن ينتسب إليها بالمهنة، وكأنّ دار الإذاعة والتلفزة المغربية، المسماة الآن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، اعتبرتني واحدا منها، من دون أن أكون منها بالمفهوم المهني الرسمي، وأيضا من دون ألا أكون منها، بالمفهوم المهني الرسمي كذلك. وقد لخّص الفكرة خير تلخيص أحد كبار مذيعي الإذاعة الوطنية المغربية عندما قال عنّي، بالدارجة المغربية، وبلهجة أرادها تهكمية، لكنّني أخذتها على محمل الجد في هذا الوقت معتقدا أنني أحرجه فعلا: ‘هذا ولد الدار، دخل وقت ما بغا، خرج وقت ما بغا، سحاب الدار داره هذا بن الدار، يقصده متى يشاء، يغادره متى يشاء، يعتقد أن الدار داره’.
كنت، قبل أسبوع، أقطع ماشيا مسافة طالما قطعتها في صغري، ماشيا أيضا، بحماس ولهفة حماس الظفر بفسحة جميلة من المحادثة الأثيرية ، ولهفة أن يبرز في نهاية الطريق مبنى الإذاعة والتلفزيون المغربي المسمّى لدى أهل المهنة بدار البريهي، ولئن قررت ان أجعل من أماكن البث الإذاعي والتلفزيوني موضوع مقالة اليوم، فقد كان ممكنا أيضا أن أجعل من لهفة قصدها منفذا من المنافذ إلى موضوعي، اقترن عشقي لممارسة الأداء الإذاعي، وبعد سنوات، التلفزيوني بلهفة الوصول إلى تلك المباني العملاقة قبيل لحظة المساهمة في برامجها، كأنّ المران والتجربة المتواصلة التي سهّلت علي المداخلات على الهواء، باتا مقترنين بإحساس يدقّ كثيرا على الوصف، لعل من كون التجربة والممارسة والمران بلا تأثير مباشر على ما يتصل بالشعور، خلافا لما يتصل بالأداء.
أمام مبنى ضخم تستطيع أن تشعر بأشياء كثيرة، بالهيبة، بعدم الارتياح، بالخوف، ولكن تستطيع أيضا أن تشعر بهذه الأشياء مجتمعة، ولكن مقرونة برغبة جامحة في تجاوزها لتثبت نفسك كسيد الموقف. أتذكر مرة كيف كنت ضيفا على برنامج من البرامج التفاعلية الخفيفة ما يسمونه هناك تنشيطا في آخر اليوم في احد مساءات الرباط الصيفية الحارة، كان أبي يسير بجانبي يصحبني إلى مبنى دار البريهي السحري، لكن ما كدنا نصل إلى مستوى المتحف الأثري الذي يسبق دار الإذاعة بحوالي خمسين مترا حتى عدلت عن استئناف المسير قائلا: إني لن أذهب وإذا بوالدي يرد عليّ فورا: إن لم تذهب، أولا، تكون قد نكثت عهدك مع المذيعة بالمجيء وعهدها معك باستضافتك على الهواء، ثانيا، لن آخذك إلى الإذاعة بعد الآن. كانت من اللحظات القليلة التي امتزج فيها التوتّر باللهفة.
كنت أقطع يوم الأربعاء الماضي هذه المسافة التي تصل بساتين الأودية المحاذية للمدينة القديمة في الرباط بمنطقة الإذاعة، شارع مستقيم عريض وصاعد يغطي قلب المدينة بأكمله تقريبا فيصل بك إلى المدينة الأوروبية، كما يقولون، حيث مبنى الإذاعة. عرفت منطقة الإذاعة من دون تردد بعد عشر سنوات من آخر مروري بها.. عرفت منطقة الإذاعة بعلاماتها الفارقة المعتادة، في مقدمتها العلامات الطرقية زنقة تقطع المرور أمام السيارات وتبرز عند مدخلها علامة ممنوع المرور، زنقة البريهي ، التي أخذت الدار عنها اسمها غير الرسمي، دار البريهي، زنقة لم تتغير، لا منذ عشرة أعوام خلت ولا منذ سنين الطفولة، لكن المنع من المرور هذه المرة كان يبدو أنه يقطع الطريق أمام الراجلين أيضا. ممنوع المرور، ممنوع المرور أمام مبنى دار الإذاعة، ولكنّه هذه المرّة ممنوع لمرور الجميع، الزنقة مقفلة بحاجز من جهة ومن جهة أخرى، بغرفة مراقبة ضخمة لم يكن لها وجود عندما كنت أسكن في البلد. أريد، مثل طاقم العاملين، المرور عبر الفجوة التي تفصل الحاجز عن الطوار الذي لا يزال يحتضن مكتب الاستقبال، لكن احد أفراد الحراسة يسألني بحزم إلى أين؟ قبل عشرة أعوام كانوا يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا. أشكو لأمي في مكالمة هاتفية تسألني فيها عن أحوالي في هذه الزيارة إلى المغرب، أكيد أنّ لهم مبررات.. مبررات ماذا؟ يخافون من انتقال أحداث الربيع العربي إلى المغرب فيشددون التطويق على مداخل الإذاعة ومخارجها. لا أظن، لكن ثمّة نقطة أساسية بديهية: هل قدّمت نفسك؟ ـ لا إذن كيف تريدهم أن يعاملوك معاملة الصحافيين الذين يمرون بهذا الطريق ليل نهار ذهابا وإيابا، رواحا وجيئة؟
سؤال بديهي، فعلا، ولكنه في الوقت ذاته كاشف عن بعد سيقول النفسانيون إنه ينتمي إلى حقل اللاوعي، أو العائم على سطح الوعي، معتبرا نفسي ‘ابن الدار’، وهو ما ليس خيالا كما بينت، جعلت الحقيقة تعلو على مرجعية الزمان لتأخذ بعد الاستمرارية والديمومة الذي به تتحدد مقومات الهوية، إذ من مقومات هوياتي، أن أكون ‘ابن الدار’. غداة ذلك اليوم، عدت إلى المبنى فقدمت نفسي للطاقم الأمني:
ـ أنا أستاذ اللغة العربية بفرنسا، لدي موعد مع..
ـ تشرفنا، هيا بك إلى الباب حيث يمدّونك بالإجراءات لدخول المبنى حسن الاستقبال وقد شكرتهم فعلا، لم يكن بالإمكان التعامل وفق منطق’ ابن الدار’، إذ لم يعد هذا الأخير يسكن بعين المكان، فقد طار إلى دياره الفرنسية حماما زاجلا منذ زمان، لكن ظل في الإمكان التعامل وفق منطق آخر جميل، وهو منطق الجار قبل الدار.
‘ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي