صوت الهامش في رواية «اختفاء السيد لا أحد»

■ «الكتابة الحذرة هي كتابة ميتة» هكذا وصف بوكوفسكي كتاباته، فهي انعكاس للواقع بكل ضراوته ووحشيته، فعرف بطريقته الخاصة في الكتابة، فرواياته وأشعاره لا تشبه المتعارف عليه، فقد غرد خارج السرب منذ أول نصوصه، فكانت نتاجا للواقع المعاش ونقلا للحياة اليومية بكل بفضائحيتها وقسوتها، فجاءت نصوصه صادمة وعارية من الزخرفة، تعبّرُ عن القاع بانزياحاته المتعددة، لغة الحياة المعيشة.
إذن صنف أدب بوكوفسكي بأدب الأندرغراوند، كثيرون حاولوا طرح هذا النوع من الكتابة، وينضمُ محمد شكري الأديب العصامي إلى هذا التيار، فالأخيرُ بدوره نقل واقع حياته في واحدة من أهم رواياته، أتت عبارة عن سيرة ذاتية كشف فيها حياة البؤس والفقر التي عاشها في عقديه الأولين، إلى أن قرر تعلم الكتابة والقراءة، ومن هنا تغيرت حياته وفتحت له الأبواب التي كانت مغلقة.
ما نشر مؤخراً للكاتب والروائي أحمد طيباوي بعنوان «اختفاء السيد لا أحد » محمّلُ بأنفاس نصوص شكري وبوكوفسكي، إذ يضعنا طيباوي أمام مأزق في روايته الصادرة عن منشورات الاختلاف في الجزائر، وضفاف في لبنان، في 140 صفحة جعلها في جزأين، يحملاننا إلى طبقات مُعتمة للمجتمع الجزائري، من خلال شخصيات متعددة تتقاطع مع الشخصية الرئيسية بشكل أو بآخر. اختار الكاتب أن تكون لغة الرواية بسيطة وغير معقدة، ليجعل السرد سلسا ومنسابا، خاصة في الجزء الأول، الذي جاء على شكل سيرة ذاتية يروي فيها البطل حياته والمصادفة الغريبة التي جعلته يلتقي بالعجوز الذي يجد نفسه مجبرا على العناية به حتى مماته.
«السيد لا أحد» شخصية مفارقة تعيش تناقضات بين الخير والشر، والطيبة والقسوة، تجاذبته هذه الثنائيات طيلة تواجده مع الشيخ، فكانت الحاجة المادية السبب الذي جعل لا أحد يبقى بجانب العجوز، رغم أنه حاول تركه أكثر من مرة. عند استرسالنا في القراءة يظهر لنا جليا الاهتمام الذي أولاه الكاتب للغة، فجاءت فظة وعنيفة، رغم تواضعها فابتعد بها عن كل التعقيدات، جاعلا الجمل قصيرة والفقرات غير مطولة. تناقضت هذه اللغة مع المعجم الذي استعمله، فانبثقت شخصياته من القاع لتعري حقيقة الحياة التي تختبرها، والتي كانت بالأساس السبب في اختيار البطل الاختفاء، اختفاء عن طواعية، هروبا من مجتمع غارق في الفساد، وحياة لم تكن على مقاسه، فاختار لنفسه مصيرا مختلفا عن من حوله، وقرر أن يكون السيد لا أحد.

اختفاء السيد لا أحد بشكل طوعي، معتزلا الحياة التي عاشها، مخلفا وراءه أسئلة لم تجد لها إجابات، يشبه بشكل ما الموت الرحيم، عندما يقرر شخص ما وضع حد لحياته، رأفة بحاله ورحمة بالجسد الذي يسكنه.

مثّل اختفاء السيد لا أحد وموت الشيخ العاملان اللذان قلبا نسق السرد في الرواية، فبعد أن كان متسماً بالبطء إلى حد ما، بسبب النفس الذاتي الذي طغى على الجزء الأول، انقلب سريعا لتتوالد فيه الأحداث وتتفاعل فيه الشخصيات في ما بينها بعد أن كانت مصائرهم تسير بالتوازي بدون أن تتقاطع.
رغم أن الرواية ورثت البعض من جينات الرواية البوليسية، إلا أنه لا يمكننا تصنيفها تحت هذا الباب، بل يمكننا القول إنها تندرج ضمن أدب التحري، فلا يكفي أن يكون الشرطي من أبرز شخصيات هذا الجزء، حتى ندرجها ضمن هذا النوع، رغم أن دخوله غير مجرى سير الرواية. اختفت الخطوط المتوازية في العلاقات، حيث تقاطعت في ما بينها جاعلة من المحقق اليد التي تحرك خيوط الحكاية، فبرزت إلى العلن الصلة التي تجمع بين الشخصيات، اعتمد الكاتب على تقنية الفلاش باك عند البحث في ماضي السيد لا أحد، في محاولة لجمع أكبر عدد من المعلومات حوله، علّه يمكن الشرطي من خيط يوصله إليه.
كلما تقدم البحث تداخلت الشخصيتان في ما بينها، فأصبح الرجل الخفي جزءا من المفتش، فزاد وجه الشبه بينهما إلى درجة الانصهار في آخر الرواية، يمكننا القول هنا إن السيد لا أحد يمثل جزءا من كل شخصيات النص، فهم بشكل أو بآخر يحملون البعض منه بما أنهم جميعا أبناء هذا القاع الذي انبثقوا منه، آخذين معهم أوجاعهم ومآسيهم، مطلين على الجحيم من نوافذهم، آملين في تغيير صعب المنال. اختفاء السيد لا أحد بشكل طوعي، معتزلا الحياة التي عاشها، مخلفا وراءه أسئلة لم تجد لها إجابات، يشبه بشكل ما الموت الرحيم، عندما يقرر شخص ما وضع حد لحياته، رأفة بحاله ورحمة بالجسد الذي يسكنه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية