صورة «البليدة» في كتاب «قوت الأرض» لأندريه جيد

«وفي حديقتك المقدسة يتلألأ جامعك الأبيض»

صورة الجزائر في الأدب الكولونيالي صورة نمطية، انخدع بها بعض الكتاب، وبعض الفنانين، فهذا يوجين دولاكروا في لوحة «نساء الجزائر» قدّم لوحة لا تعكس حقيقة المرأة الجزائرية فرغم براعة اللوحة ومستوى الإتقان والجودة الفنية، إلا أنها تقدم صورة مخملية لنساء غارقات في جلسات الاسترخاء والحميمية والانتشاء بالحديث والأنس، في الوقت الذي كانت المرأة في الريف وفي المدن، تعمل سخرة وتوشم وجهها حتى لا تتعرض للاغتصاب من قبل الجنود الفرنسيين، وقد أعاد بيكاسو رسم اللوحة بطريقة أخرى، فقدم لوحة لامرأة رافضة محتجة على الظلم، مصممة على التحرر. حتى ماركس المناضل والمفكر الاشتراكي المنشغل بهمّ تحرير الإنسان من ظلم الإنسان، وبالثورة العالمية ضد الإقطاع والرأسمالية وتصدير الثورة من كتابه رأس المال والبيان الشيوعي، إلى كل أصقاع العالم، قدّم في رسائله صورة نمطية، وفي بعضها تجن وسطحية وسوء فهم.
إذن تأتي كتابات أندريه جيد (1869/1951)عن الجزائر خارقة للمركزية الفرنسية، وللمتن الكتابي الغربي، الذي لا يرى في الجزائر إلا بلد الشمس والدراويش ورحلات الصيد، كما رآها ألفونس دوديه، والنشوة والنساء الشبقات المختفيات وراء الجدران، والإماء عاريات الصدور يطفن في الأسواق، بلد سعيد باستعماره ولديه قابلية للاستعمار ورضا به.
وأندريه جيد من الكتاب الفرنسيين المتمردين على هذه النظرة الاستشراقية بتوصيف إدوارد سعيد، إنه لا يحكم إلا بعد المعاينة والتعمق والاستقصاء والرحلة إلى المكان، ومعاشرة الناس، خاصة بسطاءهم، ولذا جاءت كتاباته عن الجزائر ذات مصداقية وقريبة من الموضوعية والتعاطف وحقيقة بالاحتفاء، بسبب عدم تحاملها وتخليها عن الطابع الاستعلائي والنظرة الدونية لسكان المستعمرات.
كثيرون في عالمنا العربي يدينون جيد لمثليته ـ وهذه حياته الخاصة – ويقصونه من المقررات الدراسية والمحاضرات الأدبية، بمحاسبته أخلاقيا وإهمال عطائه الأدبي والإنساني، حتى طه حسين عرّج على هذه النقطة وهو يقدمه إلى جماهير المستمعين إلى محاضرته، في قاعة المحاضرات في جامعة فؤاد، أندريه جيد اكتشف ميوله المثلية في الجزائر، واعترف بذلك في كتابه قوت الأرض والقوت الجديد، لكنه لم ينظر إلى الأهالي نظرة دونية، ولم يحتقر أو يسخر من عاداتهم وطرائق معيشتهم، واعترف لهم بحقهم في الحياة الحرة الكريمة، وهذه أحد أنصع المواقف في حياته السياسية والفكرية والأخلاقية. ها هو يتحدث في كتابه «اللاأخلاقي» عن الصحراء، وعن بسكرة التي زارها للاستشفاء، فاكتشف عالما جديدا يعج بالإنسانية والصفاء والبساطة «يا أيتها الأرض القاحلة، الأرض التي لا خير فيها ولا عذوبة، أرض العاطفة والورع، الأرض التي أحبها الأنبياء، آه أيتها الصحراء المؤلمة صحراء المجد إني أحببتك حبا جما»

أندريه جيد

قوت الأرض لجيد أحد أهم الكتب الأدبية والخالدة فهذا الكتاب الذي يدور في وحدة الوجود والبحث عن الله واكتشافه في مخلوقاته، بلغة شفافة وحس صوفي، قال جيد عن مبررات كتابة هذا الكتاب «كتبت هذا الكتاب في فترة كان فيها الأدب، تنبعث منه بعنف رائحة التصنع والانغلاق، فبدا لي أن أعيده إلى الأرض ليطأ الثرى حافيا». جعل جيد من ملاحظاته وهو يسيح في بلاد الله ميدانا لتأملاته الميتافيزيقية والإنسانية، ولا خير كالتأمل في المستعمرات، تلك البلدان التي فتحها المستعمر واستغلها ونظر دونية إلى الأهالي، عالم عجيب يعج بالبساطة والطهر والصفاء هكذا رأى جيد البليدة مدينة الورود، أو زهرة الساحل، كما سماها، ها هو يصفها ويعبر لها عن حبه في هذا المقطع الشفاف:
«البليدة البليدة زهرة الساحل وردة صغيرة رأيتك دافئة وعطرة ومليئة بأوراق الشجر والزهور».
البليدة درة الشمال أو زهرة الساحل كما سماها جيد، سوقها الشعبي، أشجار البرتقال واليوسفي، الغابات الكثيفة الأهالي بحيويتهم وتقلبهم في الحياة ببرانيسهم والأطفال بقنادرهم بمرحهم، وحتى إن كانوا عراة لفقرهم يجرون في الشارع، شكّلوا عاملا خصبا لتأملات جيد الرافضة للنظرة الكولونيالية. فتن جيد بمسجد البليدة، وخضع قلبه لصوت المؤذن وهو يدعو إلى الصلاة، وكان يحلو له إرهاف السمع لذلك الصوت المنبعث من الجامع الأبيض ويطلق العنان لروحه تتأمل في ملكوت الله تخشع لذلك النداء الخالد في أعماقه عن عظمة الله وعن مظاهر وجوده الفاعل في مخلوقاته، لم تثنه مسيحيته الصارمة، وهو البروتستانتي، عن الإعجاب بالإسلام كحضارة وثقافة خلاقة، أثرت التجربة البشرية، يقول في «قوت الأرض» ترجمة شكيب الجابري: «لا تأمل يانتانائيل أن تجد الله إلا في كل مكان، كل مخلوق إنما يشير إلى الله، وما من واحد يجلو كنهه أينما نذهب فثمة وجه الله».
كعادته يندد جيد بالظلم الذي يتعرض له الأهالي في الجزائر، ويرسم لوحات فنية بالكلمات لفقرهم وجوعهم وتتردد دائما كلمات تشير إلى ذلك العريان، القطيع، وهو يتحدث عن استغلال النساء جنسيا من قبل الجنود والمعمرين، واستعمالهم لنزواتهم الخاصة في ليالي السهر، لم ير جيد إذن في الاستعمار الفرنسي، تعميرا للأرض لصالح الأهالي، بل رأى سرقة ونهبا وظلما، وتدميرا لحضارة أخرى عبر النصوص، التي كان يكتبها عن فقر الأهالي وأميتهم وكدحهم كسيزيف بلا معنى.
كانت البليدة محطة مهمة في رحلة لجيد كما كانت محطة في رحلة أوسكار وايلد، الذي التقى جيد على تلك الأرض الجنة، عاصمة المتيجة أرض البرتقال والليمون، والنسيم المنعش والمدى المفتوح على الخضرة، فحيثما وليت وجهك شجرة يوسفي أو برتقال، أرض الينابيع الحارة والأسوار التي تتدلى منها أزهار الياسمين، تلك الأرض التي عرفت ميلاد الصحافي جان دانيال بن سعيد (1920/2020) أحد أشهر الصحافيين الفرنسيين مؤسس مجلة «لونوفال أوبسرفاتور» الذي تعاطف مع الثورة، ودافع عن جبهة التحرير، وعن حق الجزائر في الحرية، والكاتبة الجزائرية من أصول يهودية وهي ثمرة زواج بين مسلم ويهودية إيليسا رايس، أو روزين بومنديل (1876/1940) صاحبة رواية «غناء المقهى» و»وسعدة المغربية» وهي إحدى الأديبات ممن احترفن فن الحكي الجامع بين الخيال والواقع، مع الاحتفاظ بعنصر الغرابة والتشويق، وهي غير معروفة وتتجاهل بسبب يهوديتها، يصف جيد البليدة بأنها زهرة الساحل، خاصة جمالها في الربيع، ولا غرو في ذلك فعروس المتيجة تتدلى ظفائر الورد من حيطانها ونوافذها، وتكتسي تلك السهول بالخضرة المعانقة للحبور والفرح والابتهاج بموسم فلاحي جيد، كان جيد يتجول في طرقاتها يتأمل ناسها في خفتهم ونشاطهم، والمدى الواسع المفتوح على العالم المطلق والمثالي، الذي ظل يراود مخيلة جيد، وهو يوجه حكمه لنتانائيل هو وابل النور والنشوة الحسية كما سماها. تحضر الجزائر بكثافة في كتابات جيد كلها فقد ظل يكتب عنها من (1893 إلى 1949) لقد جاء جيد الجزائر مستشفيا من مرض كاد يزهق روحه، فقد نشأ معتل الصحة، كما كان يعاني من حب من جهة واحدة، لقد عشق ابنة عمه مادلين، لكنها لم تبادله الحب نفسه فجمع في إهابه بين اعتلال البدن وسقم الحب، ووجد في الجزائر العاصمة وبسكرة والبليدة أرضا مضيافة، عالج بها كلا السقمين، فحمل للبلد حبا ولم يحمل تعاليا ولا تبريرا للمظالم الاستعمارية، وتعاطف مع الناس الكادحين «الأهالي» وتعمق في فهم عاداتهم ودينهم وخلفياتهم الثقافية والفكرية، ونمط معيشتهم ، لقد زار جيد العديد من البلدان وكتب عنها كـ»رحلة إلى الكونغو» و»العودة من تشاد «و»العودة من روسيا «بنفس الطريقة التي كتب بها عن الجزائر في «اللأخلاقي» و»قوت الأرض» لكن تظل كتاباته عن الجزائر أهم نصوصه، أظهر فيها صوفية خارقة، ولغة شفافة، وحسا إنسانيا رفيعا تمرد على الصورة الكولونيالية والكتابة النمطية، التي لا تحتفي إلا بالشبق وراحة البخور ورحلات الصيد.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية