صورة الزعيم: استفتاء شعبي على عرش لم يتركه

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»:

في حفل زفاف حفيدة عادل إمام، التقطت صورة للزعيم، قوبلت بحفاوة وفرحة وانتشارعلى منصات التواصل الاجتماعي، فكانت بمثابة استفتاء شعبي على مكانته التي لم يتمكن أي ممثل آخر من احتلالها في قلوب المصريين والعرب.
الصورة أثارت ذاكرة جمعية لأجيال متعاقبىة رأت في «الزعيم» انعكاساً لأحلامها، وإحباطاتها، وتحولاتها على مدار ستة عقود من تاريخ مصر الحديث، فكانت أعماله سجلا حيا لتلك التحولات.
كانت رحلة عادل إمام الفنية، منذ أدواره الكوميدية المبكرة وصولًا إلى تجسيده لشخصيات درامية معقدة، تمثل عدسة يمكن من خلالها فحص التحولات الاجتماعية والسياسية والهوية المتغيرة للمواطن المصري.

الستيبنيات والسبعينيات

انطلقت رحلة عادل إمام في الستينيات من مسرح كلية الزراعة، وجاءت الفرصة الكبرى حين اختاره الفنان الكبير فؤاد المهندس للمشاركة في مسرحية «أنا وهو وهي». كانت أدواره السينمائية الأولى ثانوية، لكنها شكلت مرحلة تكوين حاسمة صقلت أدواته الأولية.
كان أداؤه في تلك المرحلة يعتمد بشكل أساسي على أدوات خارجية ومباشرة، حيث اعتمد على الكوميديا الحركية، والحيوية الجسدية المفرطة، فكان أداؤه الحركي سريعا ومبالغا فيه في بعض الأحيان لإثارة الضحك، كما كان بارعا في استخدام تعبيرات وجهه، كأداة كوميدية، عبر حركات العينين والحواجب والضحكة الساذجة، ولم يغفل استخدام صوته أيضا لجذب الانتباه.
وتزامنا مع التحولات الاقتصادية في السبعينيات، والتخلي عن الاشتراكية، أصبح عادل إمام بطل هذه المرحلة، لتبدأ شراكته المهمة مع المخرج محمد عبد العزيز، التي أكدت صورته كـ«ابن البلد». في سلسلة من أفلام الكوميديا الاجتماعية مثل «البعض يذهب للمأذون مرتين» (1978) و«خلي بالك من جيرانك» (1979)، و«على باب الوزير» (1982)، جسد عادل إمام في تلك المرحلة شخصية الشاب البسيط الفقير الطموح الذي يصطدم بقيم المجتمع الاستهلاكي الجديد، وأهم ما يميز تلك المرحلة أن عادل إمام استطاع تحطيم القالب التقليدي للبطل الوسيم مفتول العضلات، وقدم نموذجاً جديداً بملامح مصرية عادية، ممثلا لشباب الطبقة الوسطى وتطلعاتهم.
كان هذا البطل هو التعبير عن حالة الصدام الثقافي في فترة التحولات التي عاشها المجتمع المصري، وهو الصراع بين قيم الريف والأحياء الشعبية المتمسكة بالقيم الاجتماعية، من جهة، وبين الفردية الاستهلاكية والقيم المادية التي حملتها سياسة الانفتاح، فعبر بصدق عن ارتباك وحيرة المواطن العادي أمام هذا التغير المفاجئ الذي عجز عن التصدي له.
وجاءت النقلة النوعية الأولى لأداء عادل إمام في فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس» للمخرج حسين كمال (1979). هنا، ظهر أكثر نضجا وقدرة على تطويع أدواته، بدون مبالغة، فتخلى عن الحركة المبالغ فيها لصالح السكون والترقب، واعتمد على الصمت ونظرات العين المكسورة للتعبير عن القهر والألم والإحساس بالظلم، فأعلن هذا الفيلم عن عادل إمام كممثل شامل قادر على تقديم كل الشخصيات وليس مجرد مهرج..

الثمانينيات: بطل الأزمات وتطور الأداء

دخل عادل إمام هذه المرحلة وهو «الزعيم» بلا منازع، ولكي يحافظ على هذه الزعامة، حرص بذكاء على تنويع أدواره بشكل كبير، فاتجه للتعاون مع المخرج سمير سيف في أفلام مثل «المشبوه» و«النمر والأنثى»، تحول أداؤه الجسدي معبرا عن الإرهاق ومحاولة التماسك، وأتقن أداء مشاهد الحركة بمصداقية، وفي إحدى لقاءاتي مع المخرج الكبير الراحل سمير سيف، قال، إنه حرص أن يخضع عادل إمام للشخصية، ولا تخضع الشخصية لعادل إمام، وهذا ما حدث بالفعل في تلك المرحلة، فنجده في فيلم «الهلفوت»، يقدم أداءً عبقرياً يعرف بالتراجيكوميدي، ونجح في أن يبكي المشاهدين ويضحكهم في نفس الوقت.
وتطورت أفلامه بعد ذلك لتصبح أكثر عمقاً وسخرية، وتعبيرا عن نقد لاذع للواقع الاجتماعي والسياسي، وكان تعاونه المبكر مع الكاتب وحيد حامد في أفلام مثل «الغول» و«الإنسان يعيش مرة واحدة»، الأساس الفكري لأعماله السياسية، لتتحول أفلامه من مجرد ترفيه إلى تعليق اجتماعي جاد. وفي أفلام مثل «كراكون في الشارع» و«الحريف» للمخرج محمد خان، الذي كان خروجاً كاملاً عن المألوف بالنسبة لعادل إمام. لقد جسد شخصية «فارس»، لاعب كرة القدم الموهوب والمهمش الذي يلعب في الساحات الشعبية.
من المعروف أن أحمد زكي كان هو المرشح الأول للفيلم، وهذا يؤكد على أن «فارس» لا ينتمي لعالم عادل إمام، المختلف تماما عن عالم أحمد زكي وشخصياته، حيث تميز أسلوب الفيلم بالواقعية القاسية والتركيز على الشخصية والأجواء أكثر من الحبكة أو الإفيهات الكوميدية، وكان اللهاث المستمر لفارس استعارة بليغة للصراع المنهك الذي تعيشه الطبقة العاملة.
ورغم أن عادل إمام صرح إنه ندم على تقديم هذا الفيلم بسبب عدم نجاحه الجماهيري، إلا أنه منحه الشرعية الفنية كممثل قوي وقادر على حمل أعمال فنية كبرى.
كانت الشخصيات التي قدمها الزعيم في تلك المرحلة، رموزاً لتآكل الطبقة الوسطى التي كانت رمانة الميزان للمجتمع المصري، وتعبيرا عن مأزق جيل كامل وجد نفسه محاصراً بين أحلامه المشروعة، وبين واقع اقتصادي ظالم يغلق أمامه كل أبواب الطموح، ليتحول حلم هذا الجيل إلى محاولة البقاء بكرامة، فكان فيلم مثل «كراكون في الشارع» صرخة ضد فقدان الشعور بالأمان وتخلي الدولة عن مواطنيها.

التسعينيات: النضج السياسي والفني

وصل عادل إمام في هذه المرحلة إلى قمة النضج السياسي والفني، خاصة من خلال تعاونه مع وحيد حامد والمخرج شريف عرفة، فقدموا أعمالا أرخت لقضايا هامة، حتى لو أن ما يقال عن علاقتهم بالسلطة كان صحيحا، فأنهم استغلوا هذه العلاقة لتقديم أعمال تعبر عن أوجاع الوطن الحقيقية.
وعلى مستوى الأداء، أصبح يعبر عن أصعب المشاعر وأعقدها من خلال التعبير الداخلي عكس بدايته، ففي أدائه لشخصية المحامي الانتهازي في «طيور الظلام»، جسد خطورة الشخصية، بالهدوء والابتسامة الساخرة، والنظرة الماكرة المحسوبة، متخليا عن أي اانفعالات خارجية.
وفي «الإرهاب والكباب»، اعتمد على القلق والإحباط المتصاعد، ونجح في تقديم الكوميديا السوداء والتراجيديا بأداء سلس معبر ومقنع.
وفي «الإرهابي»، نجح في تجسيد التحولات النفسية للشخصية، بدلاً من تقديم صورة نمطية مسطحة للإرهابي، ليدين التطرف من داخله، ثم ينتقل الثلاثي لتحليل أعمق للظاهرة في «طيور الظلام» مؤكدا أن فساد النخبة الحاكمة والتطرف الديني وجهان لعملة واحدة وكلاهما يستفيد من الآخر في طرح جريء وصادق.
أما «الإرهاب والكباب»، فكان عملا غاية في الذكاء عبروا من خلاله عن معاناة المواطن البسيط وفقدان الثقة بين المواطن والدولة، التي أصبحت مصدرا لإرهاب من نوع آخر، وبأداء صادق عبر عادل إمام في «المنسيي» عن ملايين الشخصيات المسحوقة في مصر التي لا تعرف سوى الأغنياء.

الألفية الجديدة: الأيقونة

ضمنت له شراكته مع الكاتب يوسف معاطي في أفلام مثل «السفارة في العمارة» و«مرجان أحمد مرجان» استمرارية النجاح التجاري الكبير، إلا إنه عاد في هذه الأعمال للأداء المبالغ فيه، وكانت العلامة الفارقة في «عمارة يعقوبيان» في دور «زكي باشا الدسوقي»، حذف عادل إمام بوعي كل صفاته الكوميدية المعروفة والمشهور بها، وقدم شخصية، منكسرة وحزينة ومتعبة بأداء هادئ يعتمد على نظرات شاردة وجسد متعب.
تناولت أفلام هذه الفترة التحولات الجديدة، مثل قلق الهوية الوطنية في عصر العولمة. فكان فيلم «السفارة في العمارة»، تعبيرا ذكيا عن الرفض الشعبي العميق للتطبيع، رغم المأخذ على الفيلم وتقديمه للمثقفين والسياسيين بشكل ساخر. بينما كان فيلم «حسن ومرقص» محاولة جريئة لفتح حوار مجتمعي حول الوحدة الوطنية والفتنة الطائفية، وهما من أخطر التحديات التي واجهت المجتمع المصري في تلك الفترة.
ثم انتقل للتلفزيون، ليصبح ضيفا سنويا على الشاشة الصغيرة، ويزداد ارتباط الجمهور بمسلسلاته على اختلاف مستوياتها، تأكيدا على انه تحول من ممثل إلى أيقونة لا يتخيل المشاهد غيابها، لذلك لم يكن عادل إمام في تلك الصورة التي تداولها الجمهور على مختلف طبقاته، وانتماءاته، ممثلًا معتزلًا يظهر في صورة نادرة، بل كان وجدانًا حيا لشعب لا يزال يرى فيه ظلًّا من زمن جميل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية