حكم البابا
لا أجد مدخلاً مناسباً للحديث عن صورة المواطن العربي كما تظهر من خلال اتصالاته الهاتفية بالبرامج التلفزيونية في كل الفضائيات العربية، أكثر من الملاحظة التي أبداها الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي لنظيره المصري جمال عبد الناصر عند توقيع معاهدة الوحدة السورية المصرية، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، بأنه سلّمه شعباً من الزعماء، فأي متابع لأي من البرامج التي تخصصها العديد من القنوات الفضائية لإتصالات المشاهدين العرب، سيكتشف بدون أدني عناء عدداً من الزعماء يساوي عدد الاتصالات التي يتلقاها البرنامج خلال مدة بثه، جاهزين لتسلم قيادة الأمة العربية بكاملها، وعلي أهبة الاستعداد للخروج بها من اللحظة الحرجة التي تمر بها منذ خمسين عاماً وحتي اليوم، ويملكون برامج انتخابية كاملة متكاملة، تتضمن حلولاً ذهبية لتحرير فلسطين، وطرد الأمريكيين من العراق، وتنمية البلدان العربية، واقامة الوحدة العربية، ويفتون في شؤون الدين، وينظّرون في قضايا الفكر، ويماحكون في النظريات الأدبية، ويبتكرون الطرق للخروج من أزمات السينما والمسرح والغناء، ولو خطر لأي مقدم من مقدمي هذه البرامج أن يسألهم عن مدي معرفتهم بطرق تخصيب اليورانيوم أو استنساخ الأعضاء البشرية، فسيجد نفسه أمام علماء في الذرة وأصحاب نظريات علمية، لدرجة تجعل مشاهد الشاشة التي يتحدثون عبرها يفتح فمه دهشة، متسائلاً: ما دام المواطن العربي علي هذه الصورة الكلية من الوعي والعلم والمعرفة، فلماذا بقي الوطن العربي آخر معمل لانتاج الديكتاتوريات في العالم؟ وتحولت أرضه الي مكب لكل نفايات الأرض؟ وأصبحت أقطاره واحداً تلو الآخر مختبراً لكل مصانع الأسلحة في الدنيا؟
صورة المواطن العربي كما يقدمها صوته في أرخص أنواع البرامج التلفزيونية تكلفة ـ والتي تستسهل الفضائيات العربية انتاجها، كونها لاتحتاج لأكثر من مذيع وخط هاتفي ـ صورة مربكة فعلاً، فهي فضلاً عن أنها كلّية المعرفة، وموسوعية الاطلاع، وشمولية الالمام لا أجد تشبيهاً لها أبلغ من اختصاصات الداخلية والنسائية والأطفال التي يذيّل بها أطباء الأرياف أسماءهم علي اللوحات الاعلانية التي تشير الي أماكن عياداتهم، والتي يمكن اختصارها بالآية القرآنية يحيي العظام وهي رميم باعتبارهم يملكون العلاج لكل مرض، ويصفون الدواء لكل ألم، فهي صورة متناقضة، متضاربة، متحاربة، مدفوعة بعاطفة اللحظة الآنية، ومحكومة بالتجييش الاعلامي للبلد مصدر الاتصال، دافعها تفريغ طاقة وحب ظهور، أكثر من ابداء رأي أو اضافة قيمة، لايتفق فيها مواطنان عربيان يتصلان ببرنامج واحد علي رأي، فآراؤهم في الموضوع الفلسطيني معادية لسلطة فتح وضد حكومة حماس، تحيي العمليات الاستشهادية وتطالب بالسلام، تريد تحرير فلسطين من البحر الي النهر وتقبل بدولة فلسطينية ضمن حدود أراضي عام 67، أما في العراق فوجهات نظرهم لاتتفق مع صدام حسين وتعادي الاحتلال الأمريكي، وتهاجم مقتدي الصدر ولا تعجبها هيئة علماء المسلمين، وترفض طروحات عبد العزيز الحكيم ولاتؤيد العمليات العسكرية لتنظيم القاعدة العراقي، وفي لبنان فهم مع كشف قتلة الرئيس الحريري وضد المحكمة الدولة، معادية لاسرائيل وتريد سحب سلاح حزب الله، تطالب بحكومة وحدة وطنية وتشترط تعطيل قراراتها، ولو نخلت أصوات المواطنين العرب في القنوات الفضائية لن يبقي منها الا الصراخ والتهديد والوعيد والتخوين والاتهام والعمالة، وأكاد أكون علي يقين بأنه لا توجد شخصية عربية حية أو ميته، نجت من شتيمة أو اتهام أو تخوين علي شاشة فضائية من الفضائيات العربية، وبصوت مواطن من المواطنين العرب.
مشكلة المواطن العربي في الصورة التي يقدمها لنفسه عبر اتصالاته الهاتفية بالبرامج التلفزيونية، والتي يظهر من خلالها غاضباً حانقاً جياشاً بالمشاعر الوطنية، أنه يبحث عن فرصة لفش خلقه لا أكثر، وأنه يريد اختصار دوره بلسانه فقط، فهو يتمني تحرير فلسطين ولكن السلاح الوحيد الذي يجيد استخدامه ويفضله علي كل أنواع الأسلحة هو ريمونت كونترول جهاز تلفزيونه، ويأمل بتحرير العراق من الأمريكان ووسيلته الأثيرة لاخراج قوات المارينز هي سماعة الهاتف، ويرغب بمواجهة المشاريع الاستعمارية التي تستهدف بلاده ولكن اكثر جهد مستعد لبذله هو أمام كيبورد كومبيوتره، وأكثر ساحة يفضلها لخوض معاركه هي التشات، وأكبر ثمن مستعد لدفعه في سبيل تحقيق كل هذه القضايا الكبيرة التي تستهدف وجوده هو قيمة فاتورة الهاتف الذي يتصل من خلاله بالمحطات التلفزيونية! ترجمة الصراخ! مع اطلاق الجزيرة لقناتها الانكليزية، أقترح علي ادارتها احدي طريقتين لحل مشكلة عدم الفهم التي يعاني منها مشاهدو برنامج الدكتور فيصل القاسم (الاتجاه المعاكس)، الأولي: نقل البرنامج اليها باللغة الانكليزية وبدون ترجمة، وأنا علي ثقة بأن المشاهدين العرب ممن لايتقنون الانكليزية سيتابعونه علي شاشتها من دون أن يفوتهم شيء من مضمونه، لأن فهم الصراخ لايحتاج الي اتقان أية لغة، أما الطريقة الثانية فهي وفي حال اصرار ادارة الجزيرة علي ابقاء البرنامج في القناة العربية، وضع شريط ترجمة باللغة العربية لما يدور من حوار بين ضيوفه!
سعال صحافي! برنامج جهات الصحافة علي شاشة الفضائية السورية، الذي يروج للصحافة السورية ونوافلها، يشبه ملعقة دواء السعال التي يجبر الأطفال رغم نحيبهم علي فتح أفواههم لشربها!
العضاضة! حل مشكلة الكزّ علي الأسنان التي يعاني منها مذيعو ومذيعات نشرات أخبار تلفزيون الجديد اللبناني بسيط، ومتوفر في قسم الأطفال في أي صيدلية، واسمه علي ماأعتقد: العضاضة!
موقع لبنان ملاحظة للذين يجهلون موقع لبنان ومساحته وعدد سكانه، ويتابعون الجدل اليومي الحاد الدائر حول حكومته في فضائياته التلفزيونية العديدة، والاهتمام غير العادي به في باقي المحطات التلفزيونية العربية: لبنان ليس عضواً دائماً في مجلس الأمن لديه حق الفيتو، وليس عضواً في مجموعة دول الثماني الكبار، كما أنه ليس عضواً في الحلف الأطلسي، ولايملك أسلحة نووية حتي الآن حسب علمي.. يرجي أخذ العلم! مع ماريا وهيكل! تاريخ الأستاذ هيكل يسمح له بتقديم برنامج يتضمن اسم مقدمه في عنوانه مثل (مع هيكل) الذي يقدمه علي قناة الجزيرة، أما تاريخ الاعلامية اللبنانية ماريا معلوف فلا يسمح لها بتقديم برنامج يتضمن اسمها في عنوانه مثل (مع ماريا معلوف) الذي تقدمه علي شاشة الـ NBN، الا اذا حولته الي برنامج يعني بالتجميل ويستعرض أنواع المسكرة، وألوان أحمر الشفاه، وطبقات الفون!
صناعة الكباب! برنامج (صناعة الموت) في قناة العربية هو برنامج مرتبط بحدث، ولذلك أقترح علي معديه في الفترات التي تخف فيها العمليات الارهابية في العالم، الاتفاق مع جهة ارهابية تقوم بتنفيذ عمليات خاصة بالبرنامج لدعمه بمادة تسمح لخبير الارهاب عبد الرحيم علي (الذي لا أعرف لماذا كلما شاهدته أتذكر فيلم عادل امام الشهير الارهاب والكباب) بحضور علي الشاشة مختلف عن حضور يونس شلبي في مسرحية مدرسة المشاغبين!
كاتب من سورية[email protected]