صورة بنكهة تونسية

حجم الخط
0

ابراهيم بيوضقبل ان يصل الطاغية المستشفى حيث يرقد البوعزيزي كان نفر من حراسه قد سبقوه كما جرت العادة لترتيب برنامج الزيارة. كانت رائحة لحم مشوي تفوح عبر مدخل المستشفى. فتساءل كبير الحرس موجها كلامه لمدير المستشفى والطبيب المعالج: ـ هل يمكن فعل أي شيء لإخفاء الرائحة؟

فبادر الطبيب قائلا:

ـ هي ليست قوية كما تظن. يمكنك تجاهلها يا سيدي. انها فقط غريبة بعض الشي. رائحة الجسم البشري المحترق تلتصق بالأنوف. حتى يظن المرء انها تطارده. تدخل مدير المستشفى الذي لم ترقه إجابة الطبيب فقال متملقا:

ـ سنجلب الكثير من معطرات الجو والمطهرات والياسمين أيضا. نحن في حفلة وعيد زيارة سيادة الرئيس لنا. . . . . قاطعه كبير الحراس سائلا الطبيب:

ـ اخبرني عن وضع المريض؟ فرد الطبيب:

ـ المريض يحتضر. إنها مسألة وقت فحسب. المريض يهذي ويقول كلاماً غير مفهوم. لا اعرف كيف ستتدبرون الأمر حين يأتي السيد الرئيس. فرد كبير الحراس:

ـ لا نريده ان يتكلم. نريده فقط ان يعيش لساعات حتى يصل الرئيس وتلتقط الصور. ثم اذا أردتم فبإمكانكم ان تحرقوا ما تبقى منه. اخفى الطبيب امتعاضه وسار نحو غرفة المريض وتبعه كبير الحراس، وحين دخلا الغرفة كان البوعزيزي مكفنا بالرباط الطبي الأبيض ولا تظهر سوى عينيه واطراف اصابعه. كانت رائحة اللحم المشوي تملأ الغرفة. وقفت في جانب السرير ممرضة مكممة تتابع نظرات المريض في صمت. كان البوعزيزي متمددا على احد جانبيه في سكون تام. فقال كبير الحراس مخاطبا الطبيب: ـ هل تستطيع ان تديره قليلا ليقابل الكرسي؟ لا أريده أن يظهر وكأنه يدير ظهره للرئيس. دنت الممرضة من سرير المريض فقرأت في عينيه رغبة في الكلام فانحنت لتستمع لهمهمة البوعزيزي ثم ابتسمت وقالت:

ـ يريد ميزانه……. الميزان. فقال كبير الحراس:

ـ أريده أن يبدو مرتاحا. أعطوه كل ما يريد ليبقى هادئا حتى تلتقط الصور. فانطلق احد الحراس مسرعا وعاد بعد لحظات يحمل ميزان البوعزيزي العتيق. تم تنظيفه على عجل ليبدو اكثر اناقة. لكن بعض التراب كان متشبثا بعناد ببدن الميزان القديم. وضعه الحارس على الكنبة الصغيرة قرب السرير. لمعت كفتا الميزان النحاسيتان وتأرجحتا عدة مرات قبل أن تستقرا في تعادل دقيق. لمعت عينا البوعزيزي ومد إصبعه ببطء نحو التراب المتشبث ببدن الميزان. رأى من وراء الكفتين زبائنه المساومين في إلحاح. تسللت الى مسامعه من بعيد أغنية قديمة مألوفة لم يتذكر كلماتها فحاول ان يستعيد اللحن. عصر ذاكرته متجاهلا ضجة السوق. ثم تذكرها فابتسم ‘ دبر عليا كأنك صاحبي’ أراد أن يغني. لكن الجلبة القادمة من مدخل المستشفى أطفأت حماسه. اقتربت ضجة الحراس وأصوات الأحذية الثقيلة وكاميرات التصوير. اشتم الطاغية رائحة الشواء فقال مخاطبا من حوله:

ـ هذا هو الشواء. . هذا هو اللحم. دنا منه كبير الحراس وناوله قصاصة صغيرة مكتوب عليها ‘ المريض يحتضر ويهذي’. اراد كبير الحراس ان يخبر الطاغية ان رائحة الشواء كانت تفوح من البوعزيزي. لكن الطاغية سبقه قائلا: استبدل الطباخ. كانت اصبع البوعزيزي ما زالت تداعب التراب المتشبث ببدن الميزان حين دخل الطاغية الذي أراد ان يبدو هادئا ووديعا فربت على بدن المريض الممدد كجثة هامدة وابتسم للكاميرا وقال بصوت متصنع:

ـ لا باس لا باس. هل احترق جلدك؟ ستتعافى وتكون بخير. رمقه البوعزيزي من وراء الأكفان. حاول عبثا ان يتذكر وجه زائره المألوف لكنه لم يفلح. اما الطاغية فلم يكن يتوقع ان الجثة ستتكلم، لكن صوتا خافتا من وراء أكفان الرباط الطبي خاطب الطاغية:

ـ لن اتعافى، لأني لا املك سوى جلد واحد. هناك بعض الناس كالحيات يبدلون جلودهم كل موسم. أما أنا فلي بدن واحد واحترق. اخفى الطاغية امتعاضه ونظر الى الميزان وقال محاولا تغيير الحديث:

ـ يعطيك الصحة. انت تحافظ على الاصالة. هذا ميزان قديم ولم تستبدله بآخر عصري؟

ومد يده نحو كفة الميزان. اضطرب الميزان ومالت احدى كفتيه وعلقت الاخرى في الاعلى. استفز ذلك المشهد البوعزيزي فقال بصوت خافت:

ـ ارفع يدك. لقد شنقت الكفة. تظاهر الطاغية بانه لم يسمع العبارة. لكن الجثة المغطاة بالكفن الطبي استمرت في الكلام الخافت: ـ ميزاني افضل لأنه من كفتين، اذ لا يستقيم ميزان بكفة واحدة. كفتان تشبهان يدا انسان يتضرع الى الله. كفتان تواجهان السماء اكثر عدلا. غادر الطاغية وموكب الحراس وضجة الأحذية وبعد ساعات مات المريض فحملت جثته المكفنة منذ زمن على عربة الخضار حتى المقبرة كما أوصى. سارت العربة تدفعها الجموع ببطء فيما حمل احدهم الميزان وكفته لم تزل مشنوقة عالقة في الأعلى. زحفت رائحة الشواء الآدمي لتلاحق الطاغية حتى قصر قرطاج. وقبل المغيب بدأت اشباح بملامح البوعزيزي تترجل لتحجب الافق. فيما رائحة الاجسام الادمية المحترقة تملأ الطرقات. اختفى الطاغية وفر الحراس وقفز الطباخ الجديد من النافذة. تقدمت الجموع تحمل ميزاناً لا تميل كفتاه يشبه ميزان الخضار العتيق على عربة البوعزيزي. كاتب من ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية