صورة جماعية لحرب الجزائر

حجم الخط
11

في كل مرة يرد فيها حديث عن حرب التحرير في الجزائر، يتبادر إلى الأذهان سؤال: هل نريد منها حدثا إنسانيا، نتقاسمه مع مجتمعات أخرى؟ أم أننا قمنا بسجنها وتحولت ذكراها إلى مسألة جزائرية محضة؟ هل تحولت إلى قضية محلية لا تهم غير الجزائريين؟ لا يرى فيها الآخرون سببا في العودة إليها وتقاسمها معنا؟ فمنذ ستة عقود، يولد الطفل في الجزائر ويكبر وهو يسمع عن حرب التحرير، يتدرج في المدرسة، وهو يتلقى دروسا عنها، ولا يمكنه الانتقال من الثانوية العامة إلى الجامعة، من غير الإجابة على أسئلة بشأنها في الامتحانات.
لأن التنشئة الجزائرية هي تنشئة على مقاسات حرب التحرير، يكبر الإنسان في الجزائر من غير أن يُفارق قلبه شعور بالذنب إزاء المجاهدين أو الشهداء، شعور بأن على كاهله دين تجاههم. وأن من ماتوا هم السبب في أن يعيش. يشعر بعلاقة تجاه من رحلوا أكثر من علاقته تجاه من يعيشون.
كما إن هذه الحرب هي من يصنع مخيلة الناس في الجزائر، وهي كذلك من يحدد طبيعة العلاقات الخارجية التي تجمعنا مع بلدان أجنبية. كأن تاريخ الجزائر ينحصر في حقبة واحدة، بين عامي 1954 و1962، وهي حقبة الحرب، ونكاد لا نعرف سوى القليل مما جرى قبلها أو بعدها، بل إن حرب التحرير صارت معيارا أخلاقيا، ويقيس الجزائريون منسوب وطنيتهم، إن كان مرتفعا أو منخفضا، حسب ولائهم إلى الحرب، أو ابتعادهم عنها، لأن المخيلة السائدة لا تحتمل نقدا لهذه المرحلة التاريخية، بل تميل إلى تمجيدها بدل إخضاعها إلى نقد. بحكم أن كل حدث في التاريخ، ومع التقادم، يصير قابلا للنقد، عدا حرب التحرير في الجزائر، لا تزال في موضع التقديس.

بل أكثر من ذلك أن من الناس من جعل منها معيارا في التعاطي مع حركات تحرر، أو حروب أخرى، في بقاع نائية من العالم. يقيسون نجاح حرب أو حركة تحرر، حسب امتثالها أو تشبهها بحرب الجزائر، كأن الجزائر ترتقي إلى مقام أعلى من مجتمعات أخرى. مع أن المعطيات تغيرت، وما حصل في البلاد قبل ستين عاما، لا يحصل بالضرورة في أمكنة أخرى، وفي أزمنة معاصرة. مع ذلك فإن الشيء الغائب أو المغيب من ذاكرة حرب التحرير، والذي يتغاضى الجميع عن الخوض فيه، أنها تحولت إلى صورة جماعية، لا فردية. نتحدث عنها وكأن الجميع انخرطوا فيها، وأنها حدث جامع. وكأن ما يقارب 10 ملايين من الجزائريين، في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، كانوا كلهم صفا واحدا، في مواجهة الوجود الفرنسي، كأنهم جميعا حملوا السلاح، ولم يتخلف عنهم واحد. كأنهم كلهم لبسوا بزة عسكرية.

هذا التعامل مع حرب التحرير، بصيغة الجمع، يكاد ينزع عنها صفتها الإنسانية، ويحولها إلى مسألة جزائرية محضة، يصعب على غير الجزائريين أن يشعروا بأن لهم مكانة فيها. فقد اهتدت السلطة الناشئة، غداة الاستقلال، إلى الاتكال على الفن والأدب في الترويج لحرب التحرير، فسارعت إلى إنتاج أفلام، وكذلك إلى استكتاب كتاب، من أجل الخوض في شؤون الحرب، لكنها وقعت في ورطة لا تزال قائمة إلى حد الساعة، فغالبية الأفلام التي جرى تصويرها، أو الكتب التي جرى طبعها، تتحدث عن قادة حرب التحرير أو المجاهدين، وتلغي في الأثناء الناس العاديين، أولئك البسطاء الذين عايشوا حرب التحرير من الداخل، من غير أن يصيروا أبطالا أو شهداء. عايشوها في صمت، وهم الشريحة الأوسع من الجزائريين في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. لكن لا صورة لهم ولا نعرف أسماءهم. وكلما تقادمت السنين، نفقد شهودا من تلك الحقبة، وبالتالي تفقد حرب التحرير ذاكرتها الإنسانية، فقد تحولت هذه الحرب ـ مثلما أسلفنا القول ـ إلى صورة جماعية، نحكي عنها في صيغة الجمع لا المفرد. وكأن الناس كانوا متشابهين آنذاك، وننسى الطبقة الواسعة التي لم تنخرط في جبهة التحرير، ولم تنحز إلى الفرنسيين، بل بقيت في الوسط، ولأنها بقيت في الوسط فقد جرى إهمالها، وبالتالي إهمال جزء مهم من تاريخ حرب التحرير.

الرواية الغائبة
في كل مرة نتحدث فيها عن حرب التحرير، نغفل أننا أهملنا طابعها الإنساني، وهذا الطابع الإنساني لا يأتي ممن كانوا أبطالا أو قادة، بل يرويه أشخاص عاديون، لم يخوضوا فيها بالسلاح، لأن اللحظات الإنسانية في حرب لا تُصنع في جبل أو في مأوى سلاح، بل حول مائدة طعام، في غرفة نوم، أو في فناء بيت، في ملاعبة طفل، أو في ثرثرة بين جارين. وهذه الحكايات لا نعثر عليها إلا نادرا، بالإضافة إلى أن الناس العاديين في تلك السنين جرى محوهم، في الأدب والسينما، كأنهم لم يكونوا موجودين. كل من عاش حرب التحرير، يحمل في قلبه حكاية، وهي حكاية إنسانية من شأنها أن تتكرر في مكان آخر من العالم، فالحروب تختلف في أسلحتها وفي معاركها، لكنها تتشابه في حكاياتها الإنسانية. والحرب تبلغ مبتغاها الإنساني عندما تحكي عن هشاشة الإنسان وضعفه، لا أن تصر على تصويره في موقع النجم، أو البطل الذي لا يُقهر. مع ذلك فإن حرب التحرير في الجزائر، فضلت أن تدير ظهرها إلى هذا التفصيل. رسخت في عقول الأجيال الجديدة أسماء أبطال، ولا نعلم ماذا حدث مع الناس العاديين.

وتكاد بالتالي أن تفقد قيمتها الحميمة، مسرفة في خطابات حماسية. مع العلم أن الناس العاديين بوسعهم أن يحكوا عن مجريات غابت عن أبطال الحرب، الذين عاشوا حياة أقصر، ولم يطل بهم العمر إلى الاستقلال.
كما إن حرب التحرير في الجزائر تحولت إلى إحصائيات، ففي كل مناسبة تتصاعد خطابات ترد فيها أرقام، أرقام شهداء، أو مجاهدين، أو أرقام معارك، أو عتاد أو أسلحة، من غير أن تذكر أسماء أشخاص عاشوها. كما فقدت كذلك هذه الحرب روح السخرية في ذاكرتها، ونشعر كأن الناس كانوا يعيشون في كآبة وصرامة ولا يبتسمون. مع أن كل حرب في العالم تنضوي على قيمة ساخرة، لأن السخرية جزء من حياة الإنسان. لم تحك الأشياء البسيطة في حياة الناس، ولا عن الأمور الأقرب إلى قلوبهم، بل بادرت إلى ترسيخ فكرة أن الجزائري كان عدوا للفرنسي والفرنسي عدوا للجزائري، مع أن الحقيقة في الواقع تقر عكس ذلك، بأن العلاقات بين الطرفين كانت في أحسن حالاتها مرات، وكان يمكن استثمار هذا الهامش الفرداني من سنين حرب التحرير، قصد توسيع النظر إليها، بدل حصرها في صورة جماعية، يتصدرها قادة وأبطال، ويُهمل فيها الناس العاديون.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية