صورة سورية
حكم الباباصورة سورية مع نشر هذا المقال اليوم السبت أتمني أن يكون الكاتب السوري ميشيل كيلو قد غدا طليقا بالفعل وليس علي الورق فقط، فرغم الاعلان رسمياً وإعلامياً أول أمس عن إطلاق سراحه ليحاكم طليقاً بقرار قضائي، بقي ميشيل كيلو معتقلاً ليومين إضافيين بانتظار وصول مذكرة إخلاء سبيله إلي السجن، وهو سبب بقدر مايبدو واهياً في شكله الظاهر، إلاّ أنه يدل علي مدي الاستهانه بكرامة البشر وحريتهم وأعمارهم اليوم في سورية، وأي تفسير لتأخر وصول مذكرة إخلاء سبيل ميشيل من قاعة المحكمة إلي السجن، سواء كان يعود إلي بيروقراطية إدارية، أو لدوافع ثأرية لا تبرر أن يبقي ميشيل كيلو معتقلاً حتي ولو لساعة إضافية بعد أن صدر قرار إطلاق سراحه.أنا واحد من كثيرين فرحوا بإطلاق سراح ميشيل كيلو عند إعلانه، كما أني واحد من كثيرين أفسد عليهم بقاؤه في السجن هذه المدة الاضافية فرحهم ولهفتهم إلي تهنئته بالسلامة، وأنا أيضاً واحد من هؤلاء الكثر الذين لم يستطيعوا أن يفهموا سبب اعتقال ميشيل كيلو العبثي لخمسة أشهر، ثم إطلاق سراحه ليحاكم وهو حر، وكان بالامكان منذ البداية محاكمته دون الحاجة إلي سجنه، هذا إذا سلمنا جدلاً بأن حرية الرأي والتعبير تستدعي المحاكمة، فكل مافعله ميشيل كيلو ورفاقه الذين سجنوا بسبب توقيعهم علي إعلان بيروت ـ دمشق..دمشق بيروت، الذي يطالب بتصحيح العلاقات السورية اللبنانية، لايخرج عن حقهم في التعبير عن آرائهم بشؤون بلدهم، وعلاقته مع بلد جار وشقيق.قد يكون ميشيل كيلو وزملاؤه من موقعي الاعلان أصابوا أو أخطأوا، وهو أمر وارد وبشري، ولكن ردة فعل السلطة السورية كانت مغاليةً، وغير متناسبة مع الفعل نفسه، وأكثر القوانين بداهةً تقول بأن حجم العقوبة يجب أن تتناسب مع الذنب (هذا إذا اعتبرنا مجرد التوقيع علي بيان ذنباً). فهل كان الإعلان الذي أصدره مثقفو سورية ولبنان في اجتهاد منهم لتخفيف أجواء التشنج الرسمي بين البلدين يستدعي توتير أجواء سورية منذ صدور الإعلان وحتي اليوم، إلي الحد الذي جعل الأخبار الصادرة من سورية وعنها وحولها في هذه الفترة، مقتصرة علي أخبار الاعتقالات والاستدعاءات الأمنية والمنع من السفر والتسريح من العمل؟ وألم يكن الأجدي بنخب السلطة السورية محاورة مثقفي بلدها ومناقشتهم، وإطلاعهم علي خفايا الموضوع السوري اللبناني، إذا كانت هناك أسرار لدي السلطة وأخطار وجدتها في توقيعهم للإعلان، بدلاً من تخوينهم واعتقالهم، وغض النظر عن اختلاق عدد من صائدي المكافآت ومنتهزي الفرص سيناريوهات عن رحلات وهمية وسرية قاموا بها لعقد لقاءات تآمرية وقبض أموال مشبوهة، وبالتـالي إشاعة حالة من الرعب الأمني في سورية، مما أساء جدياً لصورتها السياسية والاعلامية الخارجية؟ كسوري كنت أشعر بالاختناق صباح كل يوم منذ خمسة أشهر وحتي اليوم، وأنا أقرأ خبراً عن استدعاء أمني لناشط سياسي، أو يرن هاتفي ليسألني أي متصل عما إذا كانت هناك اعتقالات جديدة اليوم في سورية، أو أصادف شخصاً يستفسر مني عن معني تهم وجهت لمعتقل ما مثل إضعاف الشعور القومي أو نشر أنباء كاذبة في من شأنها وهن نفسية الأمة أو محاولة تغيير الدستور بوسائل غير مشروعة، أو يبلغني أحد ما بأن موقعاً الكترونياً جديداً قد تم حجبه في دمشق، وطالما اعتقدت أن سورية بموقعها ودورها وحضارتها تستحق أخباراً وسمعةً لاتمر عبر البوابات الأمنية، ولا تنتمي إلي أخبار السجون والمساجين!أعود إلي ميشيل كيلو الذي سيخرج اليوم أو غداً إلي حرية منقوصة، كون محاكمته لاتزال مستمرة حتي وهو طليق، وأتمني أن تحكم المحكمة التي أصدرت قراراً بإطلاق سراحه الخميس الماضي ببراءته، وبتجريم الأجهزة التي اعتقلته بنفس التهم الموجهة إليه، لأنها المسؤولة فعلاً عن اضعاف الشعور القومي ووهن نفسية الأمة من خلال محاولتها إظهار صورة سورية في الخارج كسجن لا كدولة، وليس صعباً علي أية محكمة لو تمتعت بالحياد إثبات هذه التهم بمراجعة سريعة لأخبار سورية في الإعلام العربي والعالمي خلال الأشهر الخمسة الماضية! 9