في ما يشبه الرحلة بأقدام عارية وفرشاة دافئة، أخذ السعدون يتحسس آثار وكدمات في مجس النهار البعيد، كاشفًا بذلك عن سرّية الوجع المسافر في إحساس الغريب السائر على جمرات سهب الثلوج في ذوابات شمالي إسكندنافيا.
هاجر إلى السويد، في بداية 2002 لائذًا من وطن لا يجيد سوى الترحيل القسري لمبدعيه، حاملًا معه حقيبة صغيرة مُلئت بمفردات إرثه الفني مصفوفة من الشجو، تتفطن تذكارها المؤلم وإن جاء الفن ليوازي أفراحًا يعوضها الفنان بالتذاذ اللحظات واجتراح الكتابة بالتصوير، وبضعة دفاتر ذكريات لم تعد موجودة في ذاكرة أحد. في ورشة الومضة البصرية، تماهت حوله تقنيات أسلوبية لم يلحظ أو يتفطن لإدراك بعض أبعادها نقاد الفن مبكرًا، حيثما ينسج لوحات حبلى بأسئلته وتعالقاتها النصية؛ لتمنح متلقيها رموزًا تقوي بنية العمل وتحشد نبؤات تتطاير في غير ما جهة وزاوية ونتوء على جسد لوحاته، متجمعة في ما يشبه حلبة مسرح لتغدو تجربة غنية، التحفت التجريب وتلفعت الشموس عند التلاعب بالظل والضوء، ما عكس مهارة في التكنيك استفزت الذائقة النقدية لاحقًا، وقد دمغت ملامح من سمات تجربة السعدون حكايات ومرايا بصرية موازية لمعادل موضوعها في واقع يتشظى بين الداخل وشتات المغتربات الأخرى، ما أبقى مصادره على مساقط تجربة عميقة للتصميم الطباعي، الذي يعد هذا النوع من التشكيل تجسيدًا لعلاقة غير صريحة بهندسة المرموزات.
تمخض عن ذلك كله نجاح في الطباعة والطبع الفني، الذي وسم نشاطه البصري بعتاقة الفكرة، ومن ثم أخذه عالم الكاريكاتير -هذا الفن المنضوي تحت مساحة من الجرأة- في تصوير واقع مشوه، من خلال تعانق لحظات متحركة بغرض الإفصاح عن فكرة عظيمة، وأخذ تميزه يتسع بذلك التوظيف الساخر، الذي جاء به الفنان – الإيطالي الأصل- جيان لورينزو بيرنيني، ونقله بدوره إلى فرنسا عندما عاش هناك في القرن السابع عشر.
اشتغل سعدون في هذا المجال وكان متميزًا به، كانت ثوريته المجاوزة في عالم الكاريكاتير عبر تماسه مع قضية كحمله روحه بين كفه. تعددت الفنون التي لعبت مجسات سعدون بها وتراقصت لحظات انفعاله الصامت من دون ضجيج يذكر. إنه شخص نادر بموهبة اغتذت من المها، وفنان لا يميل كثيرًا لاستصراخ الخارج البراني، بل هو ظل عميقًا كلما تعلقت جوانيته برؤية المعنى وفلسفة الفن كموقف إنسان، يقاوم بالفكرة والكلمة الأكثر تأثيرًا من طلقة العيار الحي، عشق مختبره الفني ليختلي بنفسه صادقًا عاريًا بلا أقنعة ووحيدًا.
تمتطي لوحات السعدون أسرجة فنونه العاطفية، نعم فقد قيل عن الرسم إنه فن مشبع بالعاطفة، والتأمل بلوحاته لا يحتمل منك إلا إن تمارس غواية الحب، هو بالطبع وقد آثر إلا أن يبقى على موقف الإنسان في فن عطائه، لم يكترث كثيرًا بما يحمله له عالم ما يقبع خارج اللوحات، ولكنه ظل يتصارع طويلًا من أجل منجزه الفني؛ ليقدم تجربة حاكت كثيرًا تجارب عريقة رسخت في فنون العالم الحديث.
وأنت تتابع مُسْتَشِفًّا أعماله وألوانه وتعامدات ظلالها؛ يحضرك فورًا المتمرد جان دوبوفيه (1901-1985) ذلك الكيان الذي أربك توصيفه أغلب المشتغلين في هذا المجال، لا لأدواته الثورية في منجزه حين جلب مواد ليس لها علاقة بالرسم، وزجَّها دون إقحام للمرة الأولى في لوحاته ليؤرّخ لولادة فن مبتكر، من خلال دمج الإسفنج والشحم والصحف القديمة والقطران والرمل والطين، وهذا الابتكار الذي سبق إليه سُمي بـ”لوحة الفن الخام” وكأنه بذلك يحاكي كل المنتفضين على قيود مدارس الثقافة، وجميع المنبوذين والمهمَّشين والمرضى نفسيًّا، ولم تكن ريادته باستخدام تلك المواد الغريبة آنذاك بل ابتكاره أسلوبية مختلفة عن غيره، التي أسماها بعض المختصين “المدرسة الوحشية”.
لدى دوبوفيه لوحة استلهم مفرداتها من خربشاته أثناء محادثة هاتفية (تليفونية) أجراها ذات مساء واحتفظ بها؛ لاعتقاده أنّ الفنَّ الحقيقي هو الفنُّ الذي يخرج من ريشة عامة الناس والمجانين والأطفال، منتقدًا الثقافة النخبوية التي تخنق الفنون وتقيِّدها في سجون الرتابة. يعده بعض المؤرخين بربريًّا يرفض كل ما هو نمطي، يحركه دومًا هاجس الابتكار والخروج عن المألوف، وأن نجده في زاوية ما حيث لا يمكننا التكهن أن نتوقع وجوده هناك، وما ينتجه من فن يبقى خارج تسميات الفنون التشكيليّة، ولا يكترث لرأي المتلقي، وليست له رسالة أو مبتغى، رغم الفارق في أن سعدون اقتطع هوامش من حياته الفنية وريشته الملتحمة بتأثيرات ونصوص دلالية شتى، من البصري المتوزع الحالم في ظلال ألوان غافية تشي برسائل تكهنيه؛ فكما يتبدى أفق الألوان مُشعًّا وزاهيًّا لديه، إلا أن سمات أعماله لا تخلو من التجريد، ولكنه تجريد لا يوغِل كثيرًا في غموضه؛ فكان يبقي على رموز ودلالات لتفكيك أفكار ما ترمي إليه أعماله بين تأثير ضغط الواقع والتجربة، كالنحت، والغرافيك، والرسم، والمونوتايب، والتركيب، والعدسة اللاذعة، والكتابة في تهكم خطابها الفني حينا، وبين السخريات المغلفة بأوشاج من رؤى وموقف التجربة التي تصوغ مضامين تعددت نوافذها، وتنافذت بين أجناس وطيف حكايا ومواقف، وما تشيعه مفردات أعماله من أقدار وكلمات وثيمات بصرية مصوّرة ومؤثّرة من شروحات عميقة.
بقي منجز كريم سعدون الممتزج بمشاريع فنية عديدة لم يتوقف عند سقف يتطارح أحيانًا مع غربته، التي أضفت على تلك التجربة يقينًا متمردًا، وألقت بظلال السكينة تارة لتجعل من هامش لوحاته سيرةً وسردًا لا نتوقف بسهولة عن مطالعتها، جمعت موادها المتناقضة لتجبر أعين المتلقي على التراجع فورًا خطوتين؛ لإلقاء نظرة مثابرة لبلوغ غاية المعنى، وذلك من خلال دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة، وخبرة تحصَّل عليها من مختلف فنونه، وإرث لمطالعات وبحث دؤوب شذَّب ريشة كانت متمردة، لتمطر لوحاته بكم كبير من أسئلة وحيز فسيح لأسلوبية تتفرَّد وتتحيَّن الجمال، من كل موروثاته الجينية سومرية أو أكدية أو بابلية، أغدقت عليه بكل مفردات التشكيل قاسمته الحياة، ومنح كلاهما شريانًا نابضًا، ولم يبخل أحدهما على الآخر ببث روح الجمال والإبداع.
وفي الختام، يقول فرانسيس بيكابيا: “إذا تمكن عمل فني لفنان آخر أن يترجم أحلامي؛ فسوف أتعامل معه وكأنه عملي”.