عبد الحميد صيام لا أعرف أأسمي الشيخ جراح وسلوان والطور والعيزرية وأبوديس ووادي الجوز وجبل الزيتون وراس العامود والنبي صموئيل وبيت إكسا أحياء مهددة بالمصادرة أم الضم أم التفريغ أم الهدم أم الخنق أم العزل لأن الذي يجري في هذه الأحياء كل تلك الممارسات مجتمعة. فإذا وجد السكان تتم المحاصرة والتضييق والخنق ليجد أبناء الحي ألا مفر أمامهم إلا الرحيل، وإذا كان الحي يقع ضمن ما تسميه إسرائيل بالحوض المقدس فالإجراءات متعددة من بينها الهدم والمصادرة والطرد بهدف تفريغ الحي تماما من سكانه العرب. وإذا كانت المنطقة أرضا براحا دون سكان فالإجراء هو الضم أو توسيع المستوطنة المجاورة لتبلع الأرض. هذه هي الحصيلة التي خرجت منها بعد زيارة ميدانية استمرت نصف يوم رتبتها لي محافظة القدس ورافقني فيها السيد عبد الله صيام نائب المحافظ وشملت كل تلك الأحياء للاطلاع على وضع القدس المأساوي حيث اختفت هذه المدينة من على رادارات الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ولجنة القدس. أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية فقد تحولت القدس إلى ملف من بين الملفات العديدة يكلف به شخص واحد مثل المرحوم فيصل الحسيني أو حاتم عبد القادر أو أحمد قريع بحيث تصبح مسألة التهويد المبرمج والتضييق على سكان القدس وهدم الأحياء العربية قضية تقرير يقدمه مسؤول الملف في الاجتماعات الأسبوعية أو الشهرية. أما على أرض الواقع فقد إعتمدت السلطات الإسرائيلية مجموعة من الخطى المتكاملة والمتدرجة والمدروسة ليتم الاستيلاء القسري على كل الأحياء العربية ذات الكثافة السكانية العالية أوتفريغها من أهاليها. ويمكن أن نلخص تلك الخطة بإقامة الجدران الأربعة.
الجدار الأول: المستوطناتمنذ إحتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس عام 1967 وضعت المخططات لضمها قيد التنفيذ فورا حيث إنشئت أول مستوطنة على أراضي بيت إكسا والنبي صموئيل تدعى ‘راموت’؟ لقد كانت تلك المستوطنة البداية ولحقت بها مجموعة من المستوطنات الكبرى تلتف حول القدس من كل إتجاه: النفي يعقوب، جبعات زيف وبسغات زيف من الشمال، معالي أدوميم من الشرق وحار حوما (جبل أبو غنيم) وغيلو من الجنوب. لقد أصبحت القدس مطوقة تماما بالمستوطنات الكبرى إلا من جيوب صغيرة تؤمن تواصل سكاني عربي حول القدس. وكل ما تقوم به إسرائيل حاليا يهدف إلى تفريغ تلك الجيوب كي تتشابك المستوطنات حول القدس تماما ويتم عزل الأحياء العربية داخل القدس وتقطيع قنوات التواصل مع الضفة الغربية حتى يتم تجفيف تلك الأحياء مع الزمن عن طريق الطرد أو الهدم أو المصادرة أو فرض الضرائب الباهظة لدفع الفلسطينيين إلى بيع أملاكهم والهجرة خارج القدس. الجدار الثاني: جدار الفصل العنصريبدأ تنفيذ بناء الجدار عام 2000 وهو الآن في مراحله الأخيرة لحصر السكان الفلسطينيين بين الجدار بشقه الغربي والجدار بامتداده شرقا. وقد أقرت السلطات الإسرائيلية مؤخرا إستكمال بناء الجدار حول القدس بعد توقف لمدة خمس سنين ليضم مستوطنة معالي أدوميم كبرى مستوطنات الضفة الغربية. وسيصل طول الجدار بعد استكماله نحو 760 كيلومترا ويضم نحو 9.5 ‘ من أراضي الضفة الغربية إلى إسرائيل. كما يقوم الجدار في منطقة القدس بالتحديد بتقطيع أوصال البلدات الفلسطينية كما هو الحال في قرى الرام وبيت حنينا وشعفاط وأبوديس والعيزرية. فمشوار الدقائق العشرة مشيا بين بيت والد وبيت ابنته في أبو ديس قبل الجدار يحتاج الآن إلى 3 ساعات والمرور في بوابات وتفتيش ومعاينة للوثائق والجسم. وفي زيارة ميدانية لحي دير السنة في أبو ديس الغربية والمعزول تماما عن السواحرة الغربية والمكبر والذي تسكنه 30 أسرة من عائلتي السرخي وأبو قنبر، وقفنا أمام البوابة الحديدية وخرج لنا الجندي الأسرائيلي. طلبنا منه أن يسمح لنا بزيارة الدكتور عياد داخل الحي المحاصر فقال لا يمكن ذلك. لماذا؟ سألناه. فقال القانون أن يخرج إليكم هنا ثم يمكن أن يرافقكم إلى الداخل بعد حجز هويته على المدخل لضمان مرافقتكم عند الخروج. الحي عبارة عن سجن فعلي لسكانه وليس مجازا وكل فرد يحمل تصريحا خاصا للخروج أو الدخول من البوابة الحديدية الوحيدة والتي يفتحها ويقفلها جنود إسرائيليون. إن البقاء في مثل هذا الحي وبهذه الشروط عبارة عن عملية نضالية متواصلة تثبت مدى تعلق الفلسطيني بأرضه ومدى استعدادة للتضحية من أجل حمايتها.
الجدار الثالث: البؤر الإستيطانية داخل الأحياء العربيةلا يكاد يخلو حي من الأحياء العربية داخل القدس القديمة والضواحي العربية المحيطة من وجود بؤرة إستيطانية أو أكثر، قد تبدأ بشقة في عمارة أو بيت أو تجمع لعدة بيوت يتم الاستيلاء عليها بالقوة وبالتزوير أو بإضفاء قدسية وهمية على المكان. لقد تم الاستيلاء على الكثير من المباني داخل القدس بحجة قدسيتها وهدمت أحياء بكاملها مثل حي المغاربة. ففي حي الشيخ جراح مثلا تم الاستيلاء على خمسة منازل قرب مقام الشيخ السعدي وإعادة تسميته ‘قبر الصديق شمعون’ ليتحول فورا إلى مزار يجوبه المتطرفون ويستولون على المنطقة حوله ويستحضرون يوميا حافلات ملئية بالزوار المتدينين. وقامت بعدها السلطات الأمنية بإنشاء نقطة حماية على مدخله لتأمين الزوار. كما تم ربط البؤرة الاستيطانية في الشيخ جراح بحي اليهود المتزمتين في القدس الغربية المدعو ‘مينا شعوريم’. والبؤرة الاستيطانية في الشيخ جراح عبارة عن واحدة من 17 بؤرة إستيطانية منتشرة في الأحياء العربية المحيطة بالقدس مثل سلوان ووادي الجوز وراس العامود وجبل المكبر وأبو ديس، لتشكل معا جدارا إستيطانيا متطرفا ينغص على العرب حياتهم اليومية ويدفعهم إلى اليأس أو الهجرة أو السجن. الجدار الرابع: مشروع الحوض المقدس وهذا المشروع آخر صرعات إفراغ القدس من محتواها العربي (الإسلامي والمسيحي) ويعد من أخطر المشاريع الاستطيانية التي تهدد القدس والمسجد الأقصى بالتحديد. يصل عدد السكان في الحوض نحو 40.000 نحو 91 ‘ من العرب. يضم الحوض مواقع دينية حسب الإدعاء الإسرائيلي لا يمكن التنازل عنها في البلدة القديمة ووادي قدرون وجبل الزيتون. في عهد الانتداب البريطاني سجل 49 موقعا دينيا يهوديا لغاية عام 1948 رفعتها السلطات الإسرائيلية عام 2000 إلى 326 موقعا لتصل عام 2009 إلى 350 موقعا. لقد بوشر العمل في إنجاز هذا المشروع الضخم عام 2009 ومن المتوقع أن ينجز عام 2015 بتكاليف تزيد عن الملياردولار لاستيعاب عشرة ملايين سائح، حيث ستقام العديد من الكنس الضخمة والمتاحف والأدراج والمواقع الأثرية والأنفاق معظمها بمحاذاة المسجد الأقصى وكنيسة القيامة. أحد هذه المعابد من الضخامة بحيث سيشكل منافسا للأقصى وقبة الصخرة من جهة وكنيسة القيامة من جهة أخرى بحيث لو التقطت صورة جوية للقدس القديمة سيظهر فيها مواقع ثلاثة بنفس الضخامة موحيا أن المعالم التاريخية الكبرى في القدس هي يهودية ومسيحية وإسلامية على حد سواء. كما تنوي السلطات الإسرائيلية الاستيلاء على جزء من مقبرة الرحمة الإسلامية المحاذية للأقصى قرب باب الأسباط والتي تضم رفات عدد من الصحابة من بينهم عبادة بن الصامت وشداد بن أوس (عليهم رضوان الله) بهدف إقامة تليفريك يربط المنطقة بجبل الطور.
مأساة قرية النبي صموئيلفي نهاية الجولة توقفنا في قرية النبي صموئيل (تلفظ محليا النبي سمويل) لنرى على أرض الواقع مأساة حقيقية فصولها ما زالت لم تكتمل. فإجراءات الإخلاء والطرد والهدم تتجسد في هذه البلدة الجميلة المشرفة على القدس كلها من موقعها على جبل أخضر كان يمكن أن يكون منتجعا سياحيا عظيما. في القرية قلعة صليبية حولها الناصر صلاح الدين إلى مسجد وهذا المسجد يضم، كما يعتقد الناس، رفات النبي ‘شموئيل’ كما كتب عليه، حيث حافظ عليه المسلمون لأكثر من 14 قرنا. إستولت إسرائيل على القرية وعلى المسجد واقتسمته مع المسلمين لتحول جزءا منه إلى مقام يهودي وكسرت هلال المسجد وهدمت كافة البيوت أمام المقام منذ أوائل السبعينيات. عزلت القرية تماما بعد بناء الجدار العازل وأحاطتها بالأسلاك الشائكة. لم يبق في القرية إلا نحو 200 شخص يدخلون ويخرجون عن طريق إذن خاص. مدرسة القرية مكونة من غرفة واحدة ومعلم واحد ونحو 17 طابا فقط. وعندما نصبت خيمة لتقسيم الطلاب إلى مرحلتين تم هدم الخيمة. لا يسمح لأحد بالبناء أو التصليح أو حتى إضافة مطبخ وإن حدث وقام أحد بالبناء غير المرخص يتم هدمه وعلى حساب صاحبه، كما حدث مع الحاجة شكرية عبد الهادي التي تجاوزت الثمانين عاما حيث صحبتنا إلى مطبخها المهدوم أمام غرفتها الوحيدة. ‘منذ عام 1967 وأنا أقارع الاحتلال مرة بالعصا ومرات في المحاكم وسأظل أقاومهم حت أموت’ قالت لنا بلهجة مليئة بالتحدي. ‘لقد أستطعت أن أحمي أرضي بكل الوسائل. ولكن من سيضمن حماية الأرض بعد مماتي؟’ أضافت والحسرة في عيونها. قصة الحاجة شكرية تجسد معاناة الفلسطيني الذي يحارب وحده من أجل حماية أرضه أمام آلة الاستيطان العنصرية الكاسرة التي تريد الأرض خالية من سكانها. فهل يسمع أصحاب القرار في العواصم العربية والإسلامية صرخات الحاجة شكرية فتلامس فيهم ‘نخوة المعتصم’ إن كان هناك بقية من نخوة؟’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك