صورة من رواية واحة الغروب لبهاء طاهر: صورة القشعريرة

حجم الخط
0

صورة من رواية واحة الغروب لبهاء طاهر: صورة القشعريرة

محمد أنَقّارصورة من رواية واحة الغروب لبهاء طاهر: صورة القشعريرةقال الفيلسوف الدانمركي سورن كيركيجور في كتابه الخوف والقشعريرة : الاستسلام اللامتناهي هو المرحلة الأخيرة التي تسبق الإيمان ومن لم يمر بهذه الخطوة لا إيمان له .كذلك حال المتصوفة ورجال الفكر العميق وأصحاب الأحاسيس المرهفة تراهم يصلون في المواقف المتعالية إلي درجة الاستسلام اللانهائي التي قد تعني الذوبان في الموقف، أو المشاركة الوجدانية المطلقة، أو حتي الفناء في الطرف الآخر.والحق أن للقشعريرة طعما خاصا في السياقين الفلسفي والصوفي. بيد أنها لا ترتبط ضرورة بهذين السياقين فحسب. وتقدم لنا الحياة ذاتها وباستمرار مواقف تتجلي فيها القشعريرة عيانا، ويمكن إدراكها بالملموس. ولقد صادفت في مناسبات شتي بعض الذين يقشعرون من عامة الناس، أولئك البسطاء الذين لا يمارسون فكرا متعاليا أو يلبسون خرقة المتصوفة. من ذلك لقائي مصادفة أحد المعزين في باب المقابر بتطوان أعرب لي عن مدي تأثره عقب عملية دفن. قال بتأثر باد:ـ انظر إلي جلد ذراعي وقد غدا مثل جلد دجاجة! وكان حال جلده كذلك علي الرغم من أن المتكلم لم يكن من أهل الثقافة بمفهومها المخصوص. وفي مناسبة أخري صادفت في شارع شبه خال أستاذا أعرفه بانغماسه العظيم في عالم الهموم راح يشكو لي ويصوّر بعضا من لوعات معاناته. وبينما نحن كذلك رأي قطة صغيرة هزيلة الجسم تئن قريبا من سطل قمامة. وتوقف الأستاذ عن الشكوي ثم صب كل اهتمامه علي القطة المتألمة . قال لي:ـ أنا لا أستطيع تحمل هذا الأنين. انظر إلي جلدي.. و قد كان جلده بالفعل مقشعرا.تلك عينات من أحاسيس القشعريرة في مجالي الفلسفة والحياة. ومن المؤكد أن يكون ثمة فرق في تلقي تلك الأحاسيس في المجالين المذكورين. في الفلسفة المكتوبة تهيمن برودة الحكمة، وفي مواقف الحياة تسري في الكيان مشاركةٌ وجدانية مفعمة بالحميمية. وأفترض بعد هذا وذاك أن يتخذ الإحساس طابعا مغايرا، إلي حد ما، إن هو ورد في سياق إنساني آخر مثل الرواية. وسندي في هذا الافتراض تلك الصورة التي قرأتها ضمن آخر عمل صدر للمبدع بهاء طاهر. ويتعلق الأمر برواية واحة الغروب التي لم تخل هي الأخري من لوحات تأملية استمتعنا بمثيلاتها في روايات سابقة للمؤلف نفسه؛ من قبيل قالت ضحي ، و الحب في المنفي ، وخاصة رائعته نقطة النور . وسأورد فيما يأتي نص الصورة بكامله علي الرغم من طوله حتي يتسني للقارئ الكريم التشبع بكل التفاصيل والتأمل في دقائق التعبير. تقول الصورة: صاح البدوي بالجنود ألا يسمحوا لإبراهيم بأي حركة قبل أن يلتقط المسمار من النار بسرعة ويكوي به الموضع الذي اختاره لثوان ثم موضعا مجاورا له لثوان أخري وسط صراخ إبراهيم وعويله وقال البدوي بشيء من الاستغراب:كل الرجال يبكون ويصرخون !ماذا تساوي هذه النار جنب نار جهنم؟لكن هل أحلم أنا؟ هل جننت؟ هناك نار تكوي جلد ساقي في موضع كي إبراهيم نفسه، ارتجفت وأدرت وجهي واضعا يدي علي فمي لكي لا أصرخ مثله.كانت رائحة اللحم المحترق تملأ المكان قبل أن يخرج البدوي من ثيابه قارورة في جراب جلدي صبّ منها سائلا علي مكان الكيّ سمعت له هسهسة متكررة ثم رأيته يكوّن زبدا أبيض فوق موضع الحرق. وسرت لحظتها في ساقي وفي جسدي كله قشعريرة برد وأنا أبذل جهدا لكي أتماسك أمام جنودي.انتظر البدوي لحظة ممسكا بساق إبراهيم الذي تحولت صرخاته إلي أنين ألم متصل وعندما جف السائل الذي وضعه بدأ يربط مكان الكي بضمادة، وكان يرد علي سؤال للشيخ صابر قائلا:لا، لن أحضر مرة أخري، راشد يعرف ما يجب عمله بعد ذلك لتنظيف الجرح،و الشاويش سيمشي علي رجليه بعد يومين….ثم أكمل بضحكة عالية: ولكنه سيعرج طوال عمره!غمغمت: لو لم تقلها !لكني ظللت واقفا في مكاني، واثقا أني سأعرج لو تحركت. ظللت يومين أمشي في المركز والمنزل بخطوات بطيئة لكي لا يلاحظ أحد شيئا، ثم تحسن الألم في ساقي، وبعد هذين اليومين قام إبراهيم بالفعل من الفراش وبدأ يمشي وهو يعرج علي ساقه التي لم ير لها الممرض وكاثرين حلا سوي البتر 1 .لكي تتحقق عملية التمعن بعمق أكبر لا بد من إيجاز الحديث عن السياق النصي للصورة. ويتعلق الأمر بمأمور الشرطة محمود عبد الظاهر الذي سيسافر إلي واحة سيوة جنوب مصر صحبة زوجته الإيرلندية الأصل كاثرين. سيصادف الزوجان هناك صعوبات جمّة وانشطارات ذاتية ستفضي إلي مصير مأسوي. وعندما كانت كاثرين في المعبد الفرعوني المحرم عليها من لدن أهالي سيوة؛ سقطت صخرة وتدحرجت وكادت أن تودي بحياة الصبي محمود بن راشد الممتن كثيرا للمأمور، لكن الصخرة أصابت ساق الشاويش إبراهيم المخلص لمأموره. ومرت أيام تعفن بعدها جرح الساق فأوصي الممرض وكاثرين ببتره، لكن المأمور تشبث بأمل العلاج التقليدي. وتصف الصورة السابقة لحظات تنفيذ العلاج من قبل حكيم بدوي.لن تخفي عن القارئ المتأمل في تلك الصورة نية الراوي في البحث عن أكبر قدر ممكن من الحيل التعبيرية من أجل أن يُبقي المشهد أمامه أطول مدة ممكنة. ثمة أولا حيلة التناوب علي الخطاب بين المعالج البدوي والراوي ذاته. وثمة ثانيا أساليب الاستفهام والتعجب والحوار والسخرية اللطيفة. وثمة ثالثا تعمّد الأسلوب التقريري المباشر الطاغي بدل المجاز والبديع ، وهو تعمّد مألوف في العلميات التصويرية لدي بهاء طاهر. وثمة رابعا كم آخر من أساليب المناجاة، والوصف المتأني، والتسلسل في تقديم التفاصيل، وما إلي ذلك من الحيل التعبيرية التي لا بد لها أن تطول قائمتها إن نحن قصدنا إلي تسميتها جميعا. ولكن ما دام النص الروائي لا بد له أن يمتدّ، ويتشعب، ويتعقد؛ لزم آنذاك أن تنتهي عملية البحث عن الحيل إلي غاية. وليست ثمة غاية أخري لدي الراوي أكبر من جعل القارئ يصاب بدوره بعدوي القشعريرة. واضح أن الحيل التعبيرية المشار إليها إنما قد تعني نقديا الأسلوب التصويري، أو تعني كذلك البلاغة ذاتها. ولكن مهما اختلفت التسميات تظل هناك عملية تصويرية تقصد إلي العناية بالتفاصيل، وزوايا النظر وصيغ الأشياء وأشكالها. وما من شك في أن كل ذلك هو جوهر مطلق الصور: الصورة الفوتوغرافية، والتمثال، والصورة السينمائية، والأيقونة، والصورة الإشهارية. بيد أن الصورة الروائية تظل نسيج وحدها بين كل تلك الأنماط التصويرية. إنها تصبو إلي الاستحواذ علي أكبر قدر ممكن من الحيل التعبيرية استحواذا يتجاوز بمراحل تقديم الصورة في الفلسفة، والصورة في القصة القصيرة، والصورة في السرد التاريخي، وحتي الصورة في الحياة ذاتها. ويلزم هنا أن ننبه إلي أننا لسنا بصدد المفاضلة بين هذه الأنماط من الصور وأساليبها، وإنما القصد تبيان المدي الذي يمكن أن يبلغه كل نمط من أجل التأثير في المتلقي. ولا بد من الإقرار في هذا الصدد بأن المشاركة الوجدانية في الحياة ذاتها بين كائنين بشريين لا يمكن بتاتا أن تقارن بتلك المشاركة التي تصبو الرواية إلي تجسيدها بالكلمات المكتوبة علي الورق. ومع ذلك يظل النزوع الروائي من أجل مضاهاة الحياة أو منافستها مطمحا جميلا يكشف عن جانب من جوانب السمو الفني لدي الروائي.المأمور محمود عبد الظاهر ليس رجلا شاعريا، ولا حالما، ولا رومانسيا. إنه خليط من الرقة والصلابة.ولا أدل علي ذلك من مواقفه تجاه أهالي الواحة وتجاه كل من صادفهم في حياته. صحيح أن نواياه تجاه الآخرين تتسم بالطيبوبة والدماثة. لكن سلوكه في العمق هو سلوك كائن بشري لا يتميز بلون مزاجي واحد دون سواه. في ظني أن صورة القشعريرة تجسد أبرز مشهد تتحقق فيه المشاركة الوجدانية خلال الرواية كلها . صحيح أن رواية واحة الغروب تتحدث عن نساء أحبهن محمود حبا عميقا، وعن شخصيات تعاطف معها عميقا مثلما تتحدث في صفحتها الأخيرة عن تفاصيل ما قبل موته إثر انفجار الديناميت، لكن مع ذلك تبقي صورة القشعريرة مفعمة بالتفاصيل التصويرية التي تصبو إلي رصد حالة من الانصهار الإنساني بين كائنين بشريين انصهارا شبه تام. لقد احترق إبراهيم واحترق محمود مثله، وتألم إبراهيم فاقشعر لألمه محمود، وعرج إبراهيم وعرج محمود مثله ولو لمدة قصيرة. كذلك قصدت الصورة إلي تحقيق المشاركة الوجدانية بواسطة القدرة علي الإيهام.لقد أحب محمود كاثرين لكن حبهما فشل وقد توهما ذات يوم أنه سيظل حباً خالدًا . كما أحب أختها فيونا من دون أن تكون ثمة فسحة روائية من أجل أن ينتعش ذلك الحب فيينع ويثمر. وقبل كاثرين وفيونا كان محمود قد أحب العبدة نعمة المشتراة من سوق النخاسة التي لم ينسها أبدا وإن لم يرتبط مصيره بمصيرها. أما ساق إبراهيم المكوية فقد مثلت بالنسبة إليه تجربة إنسانية حقيقية أبحر علي إثرها في دنيا الألم من دون أن يكون ثمة لا ندم ولا وهم ولا فشل. ولقد عاش المأمور محمود تجربة الكي حقيقة وليس وهما . وأبرزت صورة القشعريرة عمق تلك التجربة بفضل حشد التفاصيل والحيل التعبيرية. والحق أن العمق الإنساني عندما يتحدي المبدع الروائي لا يفضل له آنذاك سوي الحيل والمراوغة الفنية.ناقد من المغرببهاء طاهر ،واحة الغروب، روايات الهلال، ع 695، تشرين الثاني (نوفمبر) 2006، ص 137ـ 138.QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية