صور المرأة في التلفزيون العربي
د. علي محمد فخروصور المرأة في التلفزيون العربيالتلفزيون العربي، سواء أكان محليا وطنيا، خاصا أو عاما، أم كان فضائيا، يٌسهم بقصدا أو بغير قصد في تأخير إنتقال المرأة العربية من وضعها البائس المتخلف الحالي إلي أوضاع أكثر عدالة وإنسانية وأقرب إلي المساواة الإلهية في خلق الرجل والمرأة من نفس واحدة التلفزيون العربي يسهم بشكل عابث جاهل عندما يقدم المرأة في صورها الثلاث التالية:1 ـ عندما يقدمها كجسد غريزي، جنسي، شهواني بحت. وهنا لايقتصر الأمر علي بعض المغنيات والراقصات المائعات اللُّواتي يقدُّمن في برامج لاتختلف عن البرامج الزرقاء الإباحية التي تٌبثُ عبر مئات القنوات في العالم بعد منتصف الليالي، عارضة بنات الهوي الرخيصات. ولكنه يمتدٌّ ليشمل بعض مذيعات نشرات الأخبار وبعض مقدمات برامج التسلية وغيرهن من العاملات وذلك في صورة أقرب إلي الإعــلان التجــاري الذي يسعي إلي بيــع بضــاعة أو الترويج لخدمات متعة.2 ـ عندما يقدمها كجسد محرُّم، ملفوف في خرقة لاطعم ولا لون ولاتنسيق لها، مكتوم الصوت، محدٍّق في الأرض لا ناظر للمشاهدين، تختلط فيه صور الحشمة مع صور حركات الخضوع والانسحاق الجسدية. إنه جسد العبدة – لا جسد المرأة الحرّة ذات الإرادة الذاتية المستقلة القادرة علي الحوار والإبداع وممارسة عبقرية الأنوثة السّّّّّّّّّّّّّّّّّّامية.3 ـ عندما يختصر حيويتها وذكاءها وطموحاتها في مجموعة صغيرة من الأدوار: ممثلات، مغنيات، سيٍّدات بيت، عارضات أزياء وغيرها من الأدوار المماثلة. أما أدوارها الأكبر والأوسع، كمعلٍّمة في مدرسة وأستاذة جامعية وباحثة ومهندسة ومبدعة في مجالات الأدب والعلوم والإقتصاد والسياسة وعشرات المهن والوظائف، فإنها لاتظهر إلا لماما وعلي استحياء وبشكل هامشي مكمٍّل لأدوار الآخرين من الرجال.هذا التقديم النّمطي الذي يحصر المرأة العربية في صورة سلفيّة تعكس الجانب المتخلف الظالم في الثقافة العربية باسم الدين الإسلامي أو في صورة تقليدية ببغاوية تعكس الإنسحاق الكامل أمام ثقافة الغرب التٌجارية الإستهلاكية التي قلبت المرأة إلي سلعة في سوق نخاسة عولمية أو في صورة كائن عصري ولكن محدود الإمكانيات والطموحات والقدرة علي الإبداع والمغامرة الحياتية…. هذا التقديم أضر كثيرا بالمرأة وخلق فوضي فكرية ثقافية في المجتمع العربي وأدي إلي خوف سياسي هو بدوره قاد إلي شللٍ تشريعي لإعطاء المرأة العربية حقوقها الشخصية والعامة الكاملة.إن محطات تلفزيونية، لم تر في المرأة العربية إلا تلك الصور المتضاربة المتصارعة، ستنتهي بأن لا تدعوا لمناقشة الوسائل المطلوبة لإخراج المرأة العربية من هذا الوضع البائس إلا أحد شخصين هما بدورهما سيمثٍلان موقفين متعارضين. الأول سينحاز لثقافة التخلف والقهر باسم الدين والثانية ستنحاز إنحيازا أعمي للأنموذج الغربي بكل علله ونواقصه. وهذا الدوران في حلقة مفرغة عبر الحقب والعصور ستبقي الإستقطاب المفجع في المجتمع العربي وتحافظ علي وجود عالمين مختلفين متصارعين في مجتمع واحد. من هنا الأهمية القصوي للخروج من مأساة الرغبة الطفولية للعيش في ماضٍ لم يعد موجودا وكارثة الحلم بمستقبل متخيل ليس تحققه من الممكنات المعقولة.قضية المرأة العربية هي في الأساس قضية ثقافية في عقل الرجل العربي والمرأة العربية علي السواء. ومعالجة العلل الثقافية تتطلب أكثر بكثير من إيديولوجية التمذهب القارئ للدين الإسلامي بعقلية متحجٍرة لاتؤمن بأي تطور مع حاجات الحياة، وتتطلب أكثر بكثير من إيديولوجية التقليد الأعمي للآخر دون الانفتاح عليه بنديّة وفهم عميق واستفادة عقلانية. مواجهة العلل الثقافية تحتاج إلي علم وعلماء من شتي حقول المعرفة تساهم في طرح حلول تأخذ بيد المجتمع وأفراد المجتمع من الاستقطابات الحالية المتخلفة إلي رحاب العدالة والحقوق الإنسانية والكرامة البشرية.من أجل هكذا حوار أعتقد أن الأمر يتطلب خلق منابر إعلامية ـ ثقافية متحررة من سلطات الإيديولوجيات المنٌّغلقة علي نفسها تساعد علي إخراج المرأة من نمطية الصور الثلاث تلك، وهذا موضوع يستحق المناقشة الواسعة.9