صور متواصلة للضياع الانساني والهزيمة

حجم الخط
0

صور متواصلة للضياع الانساني والهزيمة

محمد الماغوط: الشاعر ومتسكع الأرصفة الحزين غ2-2فمحمد برغوتصور متواصلة للضياع الانساني والهزيمةإلا أن الشاعر محمد الماغوط واع بأن عملية تعويضه هاته التي يستعين عليها بتقمص الخيال وتوهم السفر والتلذذ بالمرأة والخمرة، لن تسعفه كثيرا لمواجهة ما يحبل به الواقع، ولذلك فإن وعيه بشروط حياته سرعان ما يطغي علي ما سواه، ومن ثم يصرخ بأعلي صوته: لقد سئمت يا بيروتيا سرطانا من الحريرلا المرأة ولا الحريةلا الشرف ولا الماليزيل هذا اليأس من قلبيدعيني أحتضر فوق الجبالدعيني أرفرف كالنسر بين الأقداموأنتم يا أعدائي وأحبابييا من تقرأونني فوق السروج والصهواتيا من تقتاتون علي حزني كالكلاب الضارية سأقذف هذا القلم إلي الريحسأدفنه كالطائر بين الثلوج البيضاءوأمضي علي فرس من الحبرولن أعود. .(22)إن هذا الاحتجاج المذعور نوع من الارتداد الرومانسي، لأنه تعبير عن اغتراب حقيقي عن المجتمع.هكذا اتخذ الحزن أوجها في المتن الشعري للماغوط، لكنه لا يخدعنا عن ينابيعه السلبية عندما يتخذ هذه الصور السوداء المتمحورة حول الرفض المطلق، والاحتجاج الشامل، والهروب المستمر والانطوائية التامة.وسأكتفي فيما يلي بجرد نماذج لهذا الحزن ـ كما عبر عنه الشاعر ـ في دواوينه الثلاثة: حياتي سواد وعبودية وانتظار .(23)حياتي حبر ومغلفات وليل بلا نجومشبابي بارد كالوحلعتيق كالطفولةطفولتي يا ليلي.. ألا تذكرينها؟كنت مهرجا .. وبين المنازل المتسلخة كأيدي الفقراءككل طفولتيضائعا.. ضائعااشتهي منضدة وسفينة.. لأستريحلأبعثر قلبي طعاما علي الورق .(24) سامحيني.. أنا فقير وظمآنأنا إنسان تبغ وشوارع وأسمال .(25) مخذول أنا لا أهل ولا حبيبةأتسكع كالضباب المتلاشيكمدينة تحترق في الليلوالجنين يلسع منكبيّ الهزيلين .(26) أنا الشريد ذو الأصابع المحرقةوالعيون الأكثر بلادة من المستنقعلا تلمني إذا رأيتني صامتا وحزينافإنني أهواك أيها الصنم الصغير .(27) إنني رجل من الصفيحأغنية ثقيلة حادة كالمياه الدفقةكالصهيل المتمرد علي الهضبة .(28) أريد أن أهز جسدي كالسلكفي إحدي المقابر النائيةأن اسقط في بئر عميقةمن الوحوش والأمهات والأساور .(29) وأنا أجلس كالجراد عند العتبةأعد الغيوم وحلقات الدخان .(30) سأقف علي موجة عاليةكما يقف القائد علي شرفتهوأصرخ:إنني وحيد يا إلهي .(31) قهوة قهوة أيتها الجدرانمزيدا من الارصفة والغبار أيها اللهشفتاي في قاع الزجاجةأريد أن أكون سمكة في مستنقع بعيدسمكة في غيمة عالية تتحرك .(32) يخيل إلي أنني أتهاوي علي الارصفةسأموت عند المنعطف ذات ليلةوأصابعي تتلوي علي الحجارة كديدان التفاحدون أن ينظر إلي أحد .(33) وأنا في خريف العمروالشيخوخة البيضاء بدأت تمس جبينيكالياسمين الدمشقي عند كل منعطفمن يوليني اهتمامه؟ . (34) فحزني لا حسب له ولا نسبكالأرصفةكجنين ولد في مبغي . (35) أيها البناؤون ادعموني بحجرإنني أتصدعكالجدران التي خالطها الغش .(36) حسنا أيها العصر لقد هزمتنيولكنني لا أجد في كل هذا الشرقمكانا مرتفعاأنصب عليه راية استسلامي .(37)تعكس هذه النماذج الشعرية المستقاة من متن الماغوط الشعري مدي اتساع حجم هذه الصور السوداء المتمحورة حول الضياع الإنساني والغربة الشاملة لإنسان العصر المهزوم.إن هذه الحساسية المريضة عند الماغوط ـ وعند جيله ـ ما هي إلا صورة لفشل الانسجام بينه وبين شروط حياته، وللانفصال بين مثله وواقعه، فغدا من الصعب أن يتعايش في وطن تسكن نفسه إليه، وكأن الوطن ـ كما قال عبد الغفار مكاوي: صار غريبا، والغربة صارت وطنا (38)لقد فجرت حضارة العصر بأحداثها الكبيرة ـ يقول أحمد بسام ساعي ـ وملامحها المتشابكة المعقدة، نفوس شعرائنا، فدفعت بهم في اتجاهات عديدة متباينة، كان أكثرها سلبا، يعكس الاغتراب عن الذات حينا، وعن الواقع حينا آخر، ويتخذ لنفسه مظاهر شتي .(39) ويبقي الماغوط في الاخير ـ كما ذهب إلي ذلك ـ وفيق خنسة ـ نموذجا صادقا وصريحا لمثقفي الريف الفقراء الذين هبطوا إلي المدينة ولم يثروا، كما أنهم لم ينضموا إلي صف الثورة التي تمثلهم .(40)باحث في الادب الحديث0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية