عبد الحميد صيام تريد أن تضرب صفحا عن الاحتلال مؤقتا للاستمتاع بجمال الوطن وطيبة ناسه وبساطة الحياة في القرية. لكن الاحتلال يتعمد أن ينغص عليك المشهد وبشكل مستمر ومتواصل ليذكرك بأن الأمر والنهي في يده ويده فقط. تقضي يومك الأول والثاني والثالث في القرية لا تبرحها حتى لا تصطدم عيناك على الحاجز القريب ببندقية جندي صغير من إثيبويا يوقفك للتفتيش على اعتبار أنك غريب وأنه هو صاحب البلاد ووارثها وباني حضارتها عبر آلاف السنين. تشارك أبناء البلدة أفراحهم إحتفاء بأعراس الصيف العديدة وتحتفل معهم بخروج إثنين من السجن الإداري بعد ستة شهور. لم يبق من أبناء البلدة إلا تسعة سجناء. تؤجل محاكماتهم مرة وراء مرة. بعضهم أمضى أكثر من سنتين والتهمة قد لا تتجاوز إلقاء حجر على مستوطن أو تهشيم سيارته.
متع عينيك بكروم الزيتون تزنر شعاب القرية وجبالها. أشجار التين بدأت تستعرض ثمارها التي أخذت أسماء الألوان جميعها محرفة قليلا، فالأحمر يصبح ‘حمري’ والأبيض ‘بياضي’ والأسود ‘سوادي’ حتى تستنـفذ الألوان فتصاغ بطريقة شبيهة مثل ‘الغزالي’ الأقرب إلى ألوان الغزال و’التبني’ القريب من لون القش و’الموازي’ الجامع لصفرة مع خطوط سوداء كأنه الموز وغيرها الكثير. تدعوك شجرة قرب البيت أن تقطف حبة تختصر عمرا قضيته في المنفى بعيدا عن شجرات التين العزيزات والتي زرعت واحدة منهن في حاكورة البيت القديم ووالدك يقف فوق رأسك موجها ومدربا على كيفية الاهتمام بالأرض. كم كانت عزيزة هذه الأرض عليه. حنانه كان يظهر على الأرض وأشجارها أكثر مما يظهره على أولاده. كان يعتبر الحنان للولد يؤدى به إلى رخاوة لا تليق به. بل كان يزجر الوالدة كلما فاضت حنينا زائدا على أفراخها الستة المكومين في غرفة واحدة. كان يدلل الأشجار فيشذبها ويعد تربتها جيدا ويرويها قبل أن يشرب ويحميها من كل دابة. يطلق أحيانا أسماء على شجرة بعينها، يكلمها بل ويعاتبها إن تباخلت في طعمها. كان يحمي الأشجار المثمرة ومزارع الخضروات من عبث الأولاد وهجمات العصافير والغربان وينصب مصايد للثعالب ليحمي دوالي العنب من شرها. وعندما وهن العظم منه طلب أن أرسل إليه منظارا قويا كي يقرب الأشجار منه بعد أن كان يقترب منها بنفسه. أوصى بأن يدفن بين الأشجار خلف البيت لتحضنه في مماته كما حضنها في حياته وليظل قريبا من مسجد القرية على مقربة من صوت الآذان. وفعلا تم له ذلك إلى أن قرر المجلس البلدي أن ينقل كل رفات دفن خارج المقبرة أن ينقل إليها. ودائما أسأل النفس هل هناك أحد في الدنيا يحب أرضه ويلتصق بها ويدللها مثل الفلاح الفلسطيني؟ وأعود وأسأل: في أي عرف وأي قانون وأي شريعة وأي دين يقال لي لا تستطيع أن تبقى هنا في أرضك إلا بإذن الإثيوبي أو الأوكراني أو المستوطن الأمريكي القبيح الذي يقرر بأن تصلها زائرا ولمدة ثلاثة شهور فقط لو تجاوزتها يوما أو يومين ستحرم من العودة إليها وإلى الأبد حسب قوانين دولة ‘عابرة في كلام عابر’ يفترض زورا وظلما بأنها ‘الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط’. ما عليك. إستمتع بكل دقيقة. إغرف ما تشاء من جمال الأرض وبساتينها. حتي هجيع الليل هنا له مذاق خاص أكاد أمسكه بأصابعي. إنظر ما أجمل القمر المكتمل بهاء والنجوم التي لا تراها في نيويورك وتنسى أنها موجودة. مشتاق فعلا لليلة أنام فيها على سطح البيت كما كنت أفعل أيام الصبى لأتامل النجوم واحدة واحدة. أسمع نباح الكلاب في بداية الليل يلي ذلك نهيق حمار أو حمارين (أصبح وجودها نادرا) مع منتصف الليل. تنام قليلا فتوقظك الديكة الفخورة بذكورتها مع ساعات الفجر الأولى. تصيح بأصوات عالية لتنبه الغافلين النائمين بأن الفجر آت عما قريب. تتململ قليلا وتحاول أن تغفو مرة أخرى فتبدأ أجراس الأكباش تحنحن بألحانها التي تدفن شيئا من حزن لا أعرف كنهه منذ الصبى وكنت أسأل هل الحزن في داخلي ألقيه على صوت الأجراس أم الأصوات نفسها تصادف وأطلقت لحنها بهذه النغمات الموجعة. نغمات عصفورة قبيل الشروق على شجرة السرو الباسقة تدفعك أن تقوم وكلك حيوية كأنك تريد أن تطير رغم نومك المتقطع.
جنين وجامعتها الجديدةالطريق إلى جنين مرورا بنابلس، رغم منغصات الاحتلال العديدة، وخاصة بقع الجدري القبيحة المتناثرة عنوة على رؤوس الجبال، تجربة غنية في تذوق الفن وعلم الجمال وسحر الطبيعة التي تفتح دفترها أمامك مجانا. أنا لم أر أجمل وأرق وأثرى من الجبال التي تمر فيها قبل الوصول إلى سهل مرج بن عامرالتي تتوسطه جنين كأنها ‘نقطة عنبر في صحن مرمر’، على رأي ناظم الغزالي. لم يبق شِعب أو خلة أو مارس (مفردات فلسطينية للتمييز بين أنواع قطع الأرض) إلا واستغل شجرا أو نباتا أو مشاتل. القرى تتلوى مع الشارع ويقف الفلاحون على جوانبها يعرضون منتوجاتهم المحلية للبيع من تين وعنب ومانجا وتفاح وبرقوق وخوخ وإجاص وأما الخضار فالقائمة تطول. تندلق كروم الزيتون أمامك كأنها لوحة فنية تعاون على إنجازها رنوار ومونيه معا. غابات زيتون وأشجار مثمرة ترى أولها ولا ترى آخرها. الزيتون عصب الحياة للفلاح. منه يأكل وبه يقلي ومن حطبه يتدفأ ومن جفته يسمد الأرض ومن طبخه يستخرج الصابون. الزيتون كان فيما مضى من غابر الأيام مقياسا للثروة. يسألونك: كم شجرة زيتون تملك؟ الفلاح والزيتونة توأمان. عمر من الانتاج، رشاقة وكرَم وانغراس في التربة وذراع يصعد نحو الأعلى دائما. يحنو عليها فتحنو عليه وإن أهملها تحزن ثم تذوي وتجف غضبا وقد تموت كمدا.
بعد ساعة ونصف من سفرمريح وصلنا إلى مقرالجامعة العربية الأمريكية في جنين لنشارك في حفل تخرج الفوج التاسع بدعوة من الرئيس د. حمدي الصالح. إتخذت الجامعة مقرا لها شرقي جنين بين غابات الزيتون لا أحلى ولا أجمل. حفل التخرج كان فرصة لي للاطلاع على إبداعات الشعب الفلسطيني في مجال العلم والتعلم. مثلما حدث بعد كارثة 48 اتجه الفلسطينيون إلى التعليم وسيلة للخروج من مأساتهم. المشهد يتكرر. فبعد الإحباطات الكبرى والكوراث التي جاءت مع اتفاقية أوسلو، اتجه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة إلى التعليم. معاهد وجامعات وكليات تفتتح كل عام. يصل العدد الآن إلى 12 جامعة و 13 كلية جامعية و 19 كلية مجتمع ونحو 76 مركز تدريب مهني وتقني. حتى مدينة أريحا قليلة السكان افتتحت عام 2007 الأكاديمية الفلسطينية للعلوم الأمنية والتي تحولت إلى جامعة متكاملة تحت إسم ‘جامعة الاستقلال’. أما المدارس فتدفع سنويا ما يزيد عن تسعين ألف طالب لامتحان الثانوية العامة. أهمية الجامعة العربية الأمريكية أنها جامعة خاصة برأسمال فلسطيني 100′ ، قال رئيس الجامعة في لقاء في مكتبه. نريد أن ننقل بعضا من الأعباء عن رام الله. جنين من أكثر البلدان التي دفعت ثمنا غاليا من فلذات أكبادها دفاعا عن القضية الوطنية ومقاومة الاحتلال البغيض، ومن حقها أن تكرم بمثل هذا الصرح الحديث الذي يركز على الجوانب التقنية والبحث العلمي. بدأت تستقبل الطلاب عام 2000 وها هي تخرج فوجها التاسع هذا العام حيث زاد طلابها عن الستة آلاف. بالعلم والتعلم سيهزم المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. نريد كيفا لا كما. إنها مناسبة لتعميق الانتماء الوطني على أسس صحيحة وعلمية، كما جاء في كلمة رئيس مجلس الإدارة المهندس عبد الحليم الموحد أمام نحو 600 خريج وأهاليهم ومئات المدعوين: ‘إن فلسطين هي أرضنا وأرض أجدادنا. فيها ولدنا وترعرعنا. سنستثمر فيها وسنبني على أرضها مؤساستنا القوية لندعم صمودنا وعاجلا أم آجلا سنقيم دولتنا المستقلة على أراضيها من خلال استثمارنا في أبنائها وبناتها’. أجمل ما في هذه الجامعة، كما قال الرئيس، أن عددا مهما من طلبتها من أبناء فلسطين داخل الخط الأخضر. إذن أبناء الوطن يلتقون على مقاعد الدراسة ليصنعوا مستقبلا واحدا لوطن واحد موحد خال من الأدران السرطانية. إنه الحل… إنه الحلم… إنه الفجر القريب الذي نبهني له ديك الحي المعتد بصوته وعرفه وريشه وقدرته على إستشراف المستقبل.
والأرض تورث كاللغة: في متحف محمود درويش’أثر الفراشة لا يرى… أثر الفراشة لا يزول’ هذا ما نحت على جدارية رائعة انتصبت في حديقة البروة التي تضم في جوانحها الجميلة متحف محمود درويش الذي افتتح في رام الله قرب قصر الثقافة يوم 13 آذار (مارس) الماضي ذكرى ميلاد محمود درويش. تشعر بهيبة المكان ورقته وحنوه عليك. تريد أن تنام قليلا على أعشابه الخضراء وأنت تقرأ ما كتب على الضريح: ‘ونم ياحبيي عليك ضفائر شعري- عليك السلام’. تدلف داخل المبنى الرقيق كأنه جناح فراشة. عبق شعري يملأ المكان- يتلو محمود من على شاشة كبيرة ما تيسر من قصيدته الأخيرة ‘لاعب النرد’ يليها شيء من الجدارية وقصائد أخرى. أشياؤه الصغيرة تملأ واجهة زجاجية: نظارته ومسبحته وقلمه وأوراقه ورسائله إلى أخيه من السجن وهويته المدرسية وهو في سن الصبى، وركوة (جزوة) القهوة وفنجانه الأبيض كما رسمهما لوحة فنية بالكلمات في ‘ذاكرة للنسيان’، وجواز سفره وطاولة الزهر وبطاقة سفره الأخيرة من باريس إلى هيوستون في 29 تموز (يوليو) 2008. جزء من المتحف يحتضن صوره وجوائزه وكتبه بكل اللغات. مقطوعات من أشعاره تزين الجدران. يساورك شعور بأن المكان يحاول أن يرتقي بذوقك إلى مستوى أعلى يليق بمكانة محمود درويش. تريد أن تجلس على الأرض. تريد أن تقرأ كل المقاطع الشعرية المنتقاة بعناية فائقة. إقرأ معي: ‘سأرمي كثيرا من الورد قبل الوصول إلى وردة في الجليل’. أو هذا المقطع: ‘أعيد السماء إلى أمها حين تبكي السماء على أمها، وأبكي لتعرفني غيمة عائدة’. صورة مشرقة لشعب يقدر الفن ورموزه ويحملهم في قلبه ويخبئهم في حدقات عيونه. لقد تكاتفت جهود كثيرة لإتمام هذه التحفة الفنية: وزارة الثقافة، بلدية رام الله، عائلة محمود درويش، مؤسسة محمود درويش الثقافية والشاعر سميح القاسم. أتمنى على كل فلسطيني (ولا أقول عربي حتى لا يختلط ذلك بتطبيع مرفوض) أن يزور المتحف ويغرف حفنة من جمال وشعر وعزيمة من شاعرملأ الدنيا وشغل الناس، وظل حاضرا في الغياب. طوع اللغة لتتفجر ينابيع من الجمال والموسيقى والمشاعر الإنسانية وساهم في أنسنة قضية عادلة تخترق الحدود وتسكن القلوب بكل اللغات بما فيها لغة من كانوا يقتادونه إلى السجن بعد كل قصيدة.’ أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك