صَحِبَ الناسُ قبلنا ذا الزمانا وعَناهم من أمره ما عَنانا

حجم الخط
5

العالم منذ نشأته مليءٌ بالأحداث والتناقضات والعجائب والغرائب وحتى الخرائد والفرائد وأحواله الراهنة ليست شيئاً جديداً، إلا أنها قبل ظهور التلفاز الفضائي والشبكة العنكبوتية (الإنترنت) لم يكن الناس يعرفون ماذا يحدث هنا أو هناك، أما الآن فكل شيء تقريباً ظاهر على المكشوف. الصينيون نزلوا على القمر مؤكدين تفوقهم التكنوتقني فضائيا بعد أن أثبتوا تميزهم اقتصاديا وماليا في النموالسريع والمطرد، وعسكريا فرضوا منطقة حظر جوي على جزر تدعي الصين ملكيتها في بحر الصين الشرقي وتتنازع الادعاء معها بملكية الجزر كل من تايوان واليابان، وسياسيا صفعت الحكومة الصينية منتقديها أمريكا وبريطانيا وغيرهما من حلفاء تايوان واليابان على وجوههم، بردها أن أمريكا والغرب كله أيد بريطانيا عام 1981 عندما حركت جيوشها للدفاع عن جزر (الفوكلاند) الأرجنتينية في أمريكا اللاتينية، التي تدعي بريطانيا ملكيتها بالقوة ودعم أمريكا والغرب لها، فأين بريطانيا وأين الأرجنتين، كما قال مسؤول صيني لـ’بي بي سي’؟ أما جزر بحر الصين الشرقي فعلى مقربة بضعة أميال من الصين نفسها.
وأما الإيرانيون جيراننا وخصومنا التاريخيون مذهبيا وجيوسياسيا، فقد أرسلوا قرداً ثانيا إلى الفضاء الخارجي، في رسالة إلى من يهمهم الأمر أن قدرتهم الصاروخية صارخة، بعد قدراتهم السياسية في مفاوضة أمريكا والغرب على النظام الأسدي حليفهم الرئيس في العالم العربي أو الشرق الأوسط. أما التايلنديون ذوو ‘القمصان الصفراء’ فهم ما يفتأون ينفجرون في شوارع بانكوك وغيرها من المدن التايلندية مطالبين بخلع ‘القمصان الحمراء’ التي تمثلها (عائلة شيناواترا الحاكمة).
وأما رئيس كوريا الشمالية فقد تغدى بزوج عمته قبل أن يتعشى زوج عمته به. والأوكرانيون المتعطشون لعضوية الاتحاد الأوروبي ورائحة اليورو، فمصرون على رحيل رئيسهم الذي أقنعته روسيا بأن انضمام أوكرانيا الى الحديقة الخلفية للمجموعة الأوروبية خطرٌ عليها. وأما أمريكا فما تزال تتآكل من الداخل وتتفتت تدريجيا، نتيجة الإفلاس المالي المهول بسبب حماقاتها في العراق وأفغانستان وحوادث إطلاق النار المتكرر في مدارسها وجامعاتها وشوارعها، وصراع الجمهوريين مع الديمقراطيين وتردي مستويات الحرية الشخصية وضعف الأوضاع الاقتصادية لدافع الضرائب الأمريكي العادي واتساع مساحات الإحباط الشعبي تبعا لذلك. وأما بريطانيا فتشغلها مشكلات البولنديين والرومانيين الذين يستغلون حرية الحركة في دول الاتحاد الأوروبي ويسرقون فرص العمل من البريطانيين، مما جعل رئيس وزرائها يهدد بنسف حقوق الإنسان إذا كان الثمن الأمن القومي البريطاني، وجارتها فرنسا بدأت تدغدغ عواطفها التاريخية شهوة الغزو لـ’مستخرباتها’ أو مستعمراتها السابقة مالي وجمهورية افريقيا الوسطى، لإشعار المواطن الفرنسي العادي دافع الضرائب بأهميته نتيجة إحساسه بالكآبة بسبب سياسات رئيسهم الاشتراكي الذي فاقم عليهم الضرائب وقصقص من أجورهم ورواتبهم وامتيازاتهم الخاصة بالرعاية الاجتماعية. وأما أمريكا الجنوبية واللاتينية الحدائق الخلفية لشمال أمريكا، فالبرازيل في أقصى جنوب أمريكا تلاحقها منظمات حقوق الإنسان حول العمال الفقراء الذين يأتون من مناطق نائية في البرازيل للعمل في مشاريع كأس العالم 2014 والذين توفي بعضهم. وأما تشيلي فقد فاز اليسار الاشتراكي في الانتخابات الأخيرة وهو مخيب لشمال أمريكا، إذ تلتقي فكريا مع فنزويلا ونيكاراغوا اللتين حقق فيهما الفقراء نصراً على الشركات البترولية الأمريكية والأغنياء المحليين المدعومين تقليديا وتاريخيا من الشمال الأمريكي. وأما كولومبو فما يزال السجال مستمرا مع منظمة (الفاركس) المناهضة للاحتكارات الأمريكية التي تعتبر حكومة (بوغوتا) حليفة لأمريكا.
وأما جنوب افريقيا فقد دفنت رئيسها التاريخي ورمز تحررها من قبضة (الأبارتيد) أو الفصل العنصري وملأت تغطية وفاته تلفزيون الـ’بي بي سي’ والـCNN، وانكب القادة الأمريكيون والبريطانيون على جوهانسبيرغ وبريتوريا وكونا معزين ومعبرين في كلماتهم عن جلل المصاب، رغم أن بلدانهم هي التي أغرقت جنوب افريقيا بالأفريكانو البيض، وهم أوروبيون غزاة بعد أن احتلوا جنوب افريقيا وسرقوا ثرواتها وخيراتها. ولو أن مانديلا فقط قال إن فلسطين ليست لليهود لَعُدَّ ضد السامية ولم يكن لِيزرْهُ أو يؤبنه أحد من أتباع (الإيباك( واللوبيات الصهيونية اليهودية الإسرائيلية العالمية.
وأما العرب فهم ما يزالون يدورون في حلقتهم الفارغة فلا سياسيوهم بارعون في أن يسوسوا ولا شعراؤهم يشعرون بنبض أشعارهم، رغم أن الشعر ديوان العرب، وإعلامهم اصطفافي يريق المزيد من الزيت على كل نار مشتعلة، وصخب وضجيج وثوارهم ثاروا لفترة قصيرة من الزمن ثم أخمد أعداء الثورة ثوراتهم بثورات مضادة، وصدق من قال ولا أعرف القائل:
‘إذا أردت أن تحرر وطنا عربيا فخذ عشر رصاصات.. تسعا منها لأعداء الداخل وواحدة فحسب للعدو الخارجي’. فعلى سبيل المثال لا الحصر، بعد ثلاثين سنة من الدراسة لم يتوصل مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى صيغة ترضي طموحات الشعوب في اتحاد كونفيدرالي، أو على الأقل منطقة عملة خليجية واحدة، أو حتى في الحد الأدنى إتاحة حرية الحركة لمواطني دول المجلس الأقل ثراءً في الدول الأخرى. وأما سوريا فثمة حرب عالمية ثالثة محدودة تدور رحاها فوق أرضها، حيث روسيا وحليفاها إيران وحزب الله بدعم لوجستي وسياسي صيني تحارب أمريكا والغرب، ودول عربية وغير عربية مع هذا المعسكر أو ذاك وفقا لتقاطع المصالح. والضحية أطفال ونساء يُقتلون وينكل بهم، وشباب وشيوخ يقتلون ويُنحرون بالسكاكين وبغيرها من الطرفين والحبل على الجرار.
أستاذ جامعي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية