في سياق رصدنا المتنوع، لآلية اشتغال البنيات التعبيرية داخل الكتابة وخارجها، سيكون من الطبيعي أن تستوقفنا بعض الظواهر المؤثرة بشكل أو بآخر في توجيه مجرى علاقاتنا التعبيرية بالذات كما بالآخر. خاصة منها تلك التحويلات والتوليدات المتناسخة، التي يخضع لها القول الواحد من قبل نماذج مجتمعية متعددة، يؤلف بينها حرصها المشترك على نسج شبكة تواصلية متكاملة وعملية، على الرغم مما يلاحظ من تفاوت وتباين ملموس بينها على مستوى قدراتها المعرفية، أو اختصاصاتها المهنية والثقافية.
ولنا أن نستحضر في هذا السياق، تشابه البنيات اللغوية التي يحدث أن يوظفها نموذجان مختلفان تماما في رؤيتهما للعـــالم، وهما الفيلسوف والكهربائي على سبيل المثال لا الحصر، حيث من المؤكد أنهما سيتقاربان معا في تعبيرهما الشفاهي عن انطباعهما تجاه موضوع بسيط، قد يتمحور حول جمال الوردة، وطيب عبيرها. وسيلاحظ هذا التقارب في احتمال استعمالهما، للوحدات اللغوية والدلالية نفسها.
مطلب التواصل المشترك بين المجموعة، يستبعد الخصوصية الذاتية، على حساب استحضار لغةٍ مؤطرة بأعراف التواصل العام والمشترك.
غير أن كلا من الفيلسوف والكهربائي، وغيرهما من النماذج، كالشاعر والجغرافي وعالم الفيزياء، الذين إذا ما أسنِدَتْ إلى كل واحد منهم مهمةُ مقاربةِ موضوع هذه الوردة، وباستقلاليةٍ تامة عن الآخرين، أي ضمن ما يمتلكونه من إمكانات تعبيرية فردية وذاتية، فإننا سوف ننتبه إلى أن كلا منهم، قد استنَّ لنفسه مسارا تعريفيا وتعبيريا خاصا به، ومنفصلا تماما عن باقي المسارات التعبيرية الموظفة من قبل الآخرين، وطبعا انسجاما مع مرجعيته الثقافية والمعرفية، المؤطرة عادة بمنهجيتها الخاصة بها. وتبعا لهذه المسطرة المزدوجة، بحَدِّها المشترك ثم الفردي، سنحصل على تجارب تعبيرية ولغوية مختلفة، تراوح أولا، بين تجربة القول الشفاهي، المتميز بعموميته وحياديته، والذي لا يتجاوز في مجمله حدودَ انطباعات متشابهةٍ ومتقاربة صادرةٍ عن النماذج المشار إليها.
باعتبار أن مطلب التواصل المشترك بين المجموعة، يستبعد الخصوصية الذاتية، على حساب استحضار لغةٍ مؤطرة بأعراف التواصل العام والمشترك، إذ لا نتوقع من المتفلسف مثلا، أن يعمد إلى توظيف ترسانته المعرفية، كي يلوح بها في وجه الكهربائي، والشيء نفسه بالنسبة للشاعر أو عالم النبات، بمعنى أن المقام يفترض وجود تعاقد ضمني بين الجميع، من أجل أن يساهم كل منهم بحصته التعبيرية في الاحتفاء الرمزي بكائن جميل هو الوردة. حيث لا تلبث أن تنمحي الفوارق المهنية أو المعرفية، التي تتشكل بها الهويات الفردية وخصوصياتها.
هذا النوع من التعاقد، هو الذي يتدخل في نسج العلاقات المجتمعية والإنسانية، التي تقتضي من المتحاورين الاقتصارَ على الكلمات العامة والفضفاضة، أكثر من اهتمامهم بالجوهر الرمزي لموضوع «الوردة» باعتبار أن الموضوع هنا ليس أكثر من ذريعة لخلق طقس تفاعلي، يهدف مؤقتا إلى ترجمة الانطباع المشترك تجاه الموضوع المعنِيِّ، كخطوة تمهيدية لتعميق الحوارات العامة.
غير أن دلالة الوردة ذاتها، وخارج إكراهات هذه التعاقدات المجتمعية والضرورية، سوف تكشف عن أبعادها المستترة، والتي يحمل كل منها الختم الخاص بالإطار المعرفي الموجه له، كما هو الشأن بالنسبة للإطار الشعري التشكيلي أو الفلسفي، بدون إغفال الإطار التجاري، ما يؤدي إلى حفر أخاديد عميقة، بين هذا القول وذاك، على قاعدة التباين الكبير في المرجعيات النظرية والتعبيرية والمقصديات أيضا، بمعنى أن رؤيتنا للشيء الواحد، يمكن أن تتخذ أكثر من شكل، وأكثر من مسار، فمثلا ثمة فرق بين هيئة الشيء حينما يكون موضوع نقاش نخبوي مؤطر بقوانين الكتابة، والهيئة ذاتها حينما يتخذ الخوض فيها منحى شفاهيا مسبوكا في بنياتٍ لغوية مسكوكة، متداولةٍ من قبل الخاصة والعامة على السواء. وهو التفاعل القائم مع اللغة الإعلامية، التي يُراعى فيها انفتاحها على أكبر نسبة من القراء أو المستمعين، الذين لا يكونون بالضرورة مطالبين بامتلاك معرفة متخصصة في الموضوع، ما دام الأمر يتعلق أساسا بسياق تلقِّي معلومةٍ واضحة ومحددة، لها صلة بأحداث اجتماعية أو سياسيةٍ ما، لكن بتواز مع ذلك، ثمة رسائل يتعذر التعبير عنها شفاهيا، أو من خلال اللغة الإعلامية السهلة المأخذ، بحكم تمحورها حول إشكاليات إبداعية أو فكرية، يستدعي تمثلها، تكامل عوامل عدةٍ، في مقدمتها حضور قاعدة من القراء المهيئين ثقافيا للتواصل مع دلالاتها، إذ بدون هذا الدعم القرائي، ستكون هذه الرسائل هدفا لعدوانية القــــراءات الشـــعبوية، التي لا يمكن بحال أن تتقبل خطابات غريبة تماما عن دائرة اهتمامها، خاصة في ظل انتشار الأمية الثقافية. ومع ذلك من الصعب أحيانا، إنكار احتمال تكافؤ حظوظ الرسائل، في تأمين تنقلها بين مختلف المدارات التواصلية، كالقول الذي يتلفظ به مواطن بسيط، والقابل – وفق شروط معينة – لأن يحتل حيزا ملائما في عمود صحافي، أو أن يتبلور في نص فلسفي، ما يجعل الفارق بين الرسالتين منحصرا في البعد التعبيري ومنهجية الصياغة، بدون أن يؤثر ذلك سلبا على جوهر القول.
سيكون من الطبيعي أن يراوح القول مكانه كلما تعثر وهو في طريقه إلى متلقيه، إما بسبب سوء انتفائه لوحداته المعجمية، أو بسبب وقوعه خارج دائرة اهتمام التلقي.
ضمن هذا السياق تنمحي أي ضرورة تقنية لـ«تغميض» الكلام، وتعقيده، حيث سيكون من العبث تكريس أدنى اهتمام لما يتعذر فهمه، ما دام القول الشفاهي أو الصحافي، قادرا على توصيله بسلاسة وتلقائية. ولعل هذا التصور ينطبق على تواصلاتنا اليومية، المتميزة بالتدفق الهائل للسيول المعلوماتية، التي تتمكن من تسريع وتيرة انتشارها استنادا إلى ما تتمتع به من بساطة تعبيرية، ما يعني أن عدم استعداد الكتابة للتفاعل مع متطلبات اللحظة اللغوية، الموسومة بطابعها المجتمعي والثقافي العام والمشترك، يمكن أن يعرضها إلى نوع من الحجز الرمزي، مهما كانت هذه المتطلبات دليل أمية، وبؤس معرفي شامل، وراسخ في الوسط المجتمعي، حيث سيتعلق الأمر هنا، بنوع من القطيعة اللغوية، الناتجة عن تفاقم حالة من الاغتراب اللغوي، الحاصل بين تنافر أفق الواقع اللغوي، مع أفق الذات المفكرة أو المبدعة. وهو عامل سيفضي إلى استحالة المصالحة بين الواقعين، أي إلى قطيعة تتجلى في نزوع الكتابة إلى هدم الأنساق التي تقف عائقا في طريقها، وإلى تأجيج عدوانية متبادلة بين الخطاب الثقافي النخبوي، والخطابات الشعبوية، بدون أن يحول ذلك ضد استمرارية أسفار القول في مداراته العامة، أو الخاصة.
استنادا إلى ذلك سيكون من الطبيعي أن يراوح القول مكانه كلما تعثر وهو في طريقه إلى متلقيه، إما بسبب سوء انتفائه لوحداته المعجمية، أو بسبب وقوعه خارج دائرة اهتمام التلقي. فهو يعاني الأمرين من أجل أن يفلح في شق طريقه إلى طقس القراءة أو الإنصات، لكن، وقبل أن يشرع في مغادرة مكانه، يجب أن يتأكد من كونه قولا، متضمنا لدلالة فكرية، أو جمالية ما. ومؤهلا لإثارة رد فعل معين بقوة ما ينبغي أن يمتلكه من دلالات مستكملة لشروط بنائها، حتى وهي غير معنية بالإقناع، أو بتعبير آخر، حتى وهي تلح بشكل مبيت، على أن تكون مشوشة ومفككة، ومصابة بجمالية اختلالها، التي لا تستطيع معها القراءة الآلية صبرا.
٭ شاعر وكاتب من المغرب