أوتاوا ـ «القدس العربي»: كشفت الضابطة الكندية السابقة في جهاز الاستخبارات الكندي هدى مقبل، وهي عربية من أصول يمنية، عن العنصرية والتمييز العرقي خلال فترة عملها التي تمتد لنحو 18 عاما في مختلف المستويات الوظيفية بوكالة الاستخبارات والأمن الكندي «CSIS» رغم تميّزها في أداء عملها وحصولها على العديد من شهادات التقدير لجهودها العملية.
وأوضحت هدى خفايا السياسة الممنهجة للتمييز العرقي المؤسسي بجهاز الاستخبارات والأمن الكندي، والتي تضمنتها محتويات كتابها الموسوم «عميل التغيير.. كفاح حياتي في محاربة الإرهابيين والجواسيس والعنصرية المؤسسية» الذي صدر في حزيران/يونيو الماضي بالعاصمة الكندية أوتاوا، عن دار نشر جامعة «ماكجيل كوين» بمونتريال، وحظي بـ(المرتبة الأولى) في قائمة «أفضل 100 كتاب – صدر في كندا- خلال العام 2023» التي تصدر عن صحيفة «The Hill Times» الكندية.
وذكرت هدى مقبل لـ«القدس العربي» الأسباب والدوافع وراء تأليفها هذا الكتاب، فقالت «لكي أحكي بصوتي قصتي كامرأة مسلمة، لكشف الحقيقة حول التحيّز والعنصرية التي تحدث في المؤسسات العامة الحساسة والمهمة في كندا» من أجل فرض التغيير والإصلاحات لخلق مزيد من الشمولية الوظيفية وبالتالي الديمقراطية، وكذا لتأكيد الهوية الكندية المسلمة، في ظل التعدد العرقي الذي تتميز به كندا.
وقالت إن الأهداف والغايات التي كانت تسعى إليها من خلال نشرها لهذا الكتاب تحققت، «لأنني قمت بالنشر مع جامعة ماكجيل، وهي إحدى أفضل الجامعات في البلاد، وقد أحدث ذلك تأثيرًا كبيرًا» بالإضافة إلى التغطية الإعلامية الواسعة التي حظي بها الكتاب من قبل الصحف الكندية مثل «جلوب اند ميل» و«تورونتو ستار» و«سيتيزن أوتاوا» وكان اختيار كتابي من قبل صحيفة «ذا هيل تايمز» إيجابيا ومشجعا، حيث أعطته المرتبة الأولى بين أفضل 100 كتاب لعام 2023».
وفي ردها على سؤال عما إذا كان هذا الكتاب يمكن أن يقود مبادرات لإحداث تغيير في السياسات العامة الكندية، قالت هدى مقبل «أعتقد أنه يتعين علينا أن نفكر في التغيير التدريجي باعتباره أمرًا مهمًا» مشيرة إلى ان هذا التغيير لا يحدث دفعة واحدة ولكنها شعرت أنها نجحت في إثارة قضية التمييز والتحيّز ضد المسلمين والممارسات الأمنية السلبية وسبب حدوثها في كندا، وأنها تقوم حاليا بتدريس هذه القضايا لوكالات إنفاذ القانون وهناك الكثير من العمل الإيجابي الذي يتم إنجازه. مؤكدة أن «التغيير بطيء ولكن يجب أن نبدأ، لأن وكالة الاستخبارات تعاني من التحيّز الواضح وتحتاج إلى إصلاحات».
وعن حجم التفاعل الذي قوبل به هذا الكتاب، قالت انه حظي بالكثير من الاهتمام داخل وخارج كندا، ووصلت أصداؤه إلى المملكة المتحدة، ويعرض حاليا في «متحف التجسس» بواشنطن وقد دعاها بعض الأساتذة الجامعيين في العديد من جامعات الولايات المتحدة الأمريكية للتحدث حول تجربتها وحول كتابها وعن المضامين التي احتواها.
وأضافت أن هناك تأثيرات إيجابية لهذا الكتاب على سياسات الأجهزة الأمنية الكندية، حيث أجرت هيئات المراجعة التابعة لوكالات الأمن القومي الكندي تقييمات لأماكن العمل وتغييرات في السياسات نتيجة للتحديات التي أوضحتها هدى في كتابها، كما تواصلت معها العديد من المنظمات الإسلامية لتخبرها أنها شعرت بالقدرة على معرفة المزيد من التحيّز الموثّق في هذه المؤسسات الحكومية، لكي يصبحوا أكثر قدرة على انتقاد هذه الممارسات. مؤكدة انه تم مناقشة حالتها في مجلس الشيوخ الكندي في دراساتهم حول حقوق الإنسان، واستخدمتها جمعيات السكان الأصليين في كندا.
واحتوى كتاب «عميل التغيير» الذي يقع في 238 صفحة من القطع المتوسط، على 22 فصلا، تضمن أغلب التحديات والعوائق التي واجهتها هدى مقبل خلال فترة عملها في جهاز الاستخبارات الكندي، كمواطنة كندية مسلمة محجبة، على الرغم من تميّزها المهني والوظيفي خلال فترة عملها هناك، وفي مقدمة تلك المعوقات التهميش وعدم اتاحة الفرص أمامها للترقيات الوظيفية للمستويات القيادية العليا.
وفي كتابها «عميل التغيير» الذي هدفت من خلاله إلى المطالبة بإجراء إصلاحات وظيفية، تأخذ هدى مقبل القارئ إلى ما وراء الكواليس في عملها بوكالة تجسس رائدة خلال فترة عصيبة، والتي كانت في طليعة الحرب ضد الإرهاب عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 وتروي تجاربها كأول ضابطة استخبارات مسلمة عربية سمراء تعمل في جهاز الاستخبارات والأمن الكندي.
ولعب إتقانها لأربع لغات وهي الانكليزية والفرنسية والعربية والهرارية دورا بارزا في نجاح مهامها العملية والذي سرعان ما سهّل عملها الاستخباراتي وجعل منها خبيرة في مجال مكافحة الإرهاب وإضافة نوعية لوكالة المخابرات الكندية، غير أنها خلال عملها مع قرنائها في هذه الوكالة، التي تعد أكثر أهمية في كندا، عانت كثيرا من التمييز العنصري ضدها ولم تحظ بالقدر الكافي من الاعتراف والتقدير لجهودها التي حاولت من خلالها إثبات ولاءها لجهة عملها وإخلاصها في إنجاز مهامها، وأسهمت في صياغة العديد من السياسات وتنفيذها خلال فترة عملها. وتعمل هدى، منذ مغادرتها للعمل في جهاز الاستخبارات الكندية، كمستشارة أمنية دولية مستقلة، مستلهمة ذلك من مسيرتها المهنية الطويلة وخبرتها الأمنية السابقة كضابطة استخبارات في وكالة الاستخبارات الأمنية الكندية والتي لعبت دورًا محوريًا في عدد كبير من التحقيقات الأمنية المحلية والدولية لمكافحة الإرهاب، كجزء من التحالف الاستخباراتي Five-Eye وقد تم منحها جوائز في التميّز العملي من وكالة المخابرات الأمنية البريطانية Mi5 لمساهماتها الاستثنائية في التحقيقات الاستخباراتية في الهجمات الإرهابية التي وقعت في العاصمة البريطانية لندن عام 2005.
كما تعمل حاليًا كمدرس للأمن القومي في معهد التطوير المهني بجامعة أوتاوا، الكندية. وكانت مرشحة لعضوية البرلمان الفيدرالي الكندي باسم «الحزب الديمقراطي الجديد» في منطقة جنوب مدينة أوتاوا في انتخابات 2021.
ولدت هدى لأب يمني وأم اثيوبية وعاشت طفولتها في العاصمة المصرية القاهرة، حيث تعلمت المرحلة الابتدائية واللغة العربية بلهجتها المصرية، والتي كانت لاحقا السبيل إلى قلب زوجها المصري الكندي الدكتور علي البديني، ثم هاجرت مع عائلتها إلى مدينة مونتريال الكندية، حيث تعلمت المرحلة المتوسطة باللغة الفرنسية، وبعدها انتقلت إلى العاصمة أوتاوا مع أسرتها، لتتعلم هناك المرحلتين الثانوية والجامعية باللغة الانكليزية، وهو ما أكسبها هذه المهارات اللغوية باحتراف.