بغداد ـ «القدس العربي»: كشفت مجلة «تايم» الامريكية، أمس الخميس، تفاصيل جديدة عن اقتحام سفارة واشنطن في بغداد نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2019 وذلك نقلا عن ضباط أمريكيين.
وتقول إن ليلة رأس السنة الجديدة كانت هادئة في بغداد عام 2019 لكن ما عكر صفوها هو محاولة ما وصفتها بـ«الميليشيات الموالية لإيران» اقتحام السفارة الأمريكية، في محاولة للرد على مقتل استهداف 25 من عناصرها في غارة أمريكية في 29 ديسمبر/ كانون الاول، ردا على مقتل جندي أمريكي وإصابة 4 آخرين في استهداف مواقع تضم قوات أمريكية في بغداد. وحسب المجلة، بدأت «الميليشيات» بإلقاء قنابل المولوتوف على الجدار المحيط، في محاولة على ما يبدو لإشعال النار في مستودع وقود السفارة، ثم حاولوا فتح بابين بالقوة على جانبي البوابة الشمالية الشرقية للمجمع.
وأضافت: «كان الضابط مايكل يوهي، وهو محارب قديم بالجيش يبلغ من العمر 43 عامًا من فريدريكسبيرغ في ولاية فيرجينيا، قد سمع الكثير من الأحاديث الفوضوية عبر الراديو حول المتظاهرين الذين يحاولون الدخول، واندفع نحو بوابة السفارة في أقصى الشمال للانضمام إلى الضباط الذين يدافعون عن السفارة، في محاولة لصد عشرات الأشخاص من الميليشيات الذين نجحوا في اقتحام الأبواب».
وقتها، «لم يكن لدى ضباط الأمن الدبلوماسي المكلفين بالدفاع عن مجمع السفارة المترامي الأطراف الذي تبلغ مساحته 104 فدانات على الضفة الغربية لنهر دجلة، أي وسيلة لمعرفة أن قوات الأمن العراقية، المكلفة بالحفاظ على الجزء الخارجي من السفارة، سوف تستسلم وتسمح للميليشيات بالتدفق إلى المنطقة الدولية التي تضم المجمعات الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية الرئيسية» وفقا للمجلة.
10 ساعات
وعلى مدار 10 ساعات نجح فيها أفراد الأمن في السفارة بصد هذا الهجوم، كان كل ما يدور بتفكيرهم هو كيفية منع تكرار مأساة اقتحام السفارة الأمريكية في بنغازي في سبتمبر/أيلول 2012 والذي أودى بحياة السفير كريستوفر ستيفنز، وثلاثة أمريكيين آخرين.
ويمضي تقرير إلى القول: «الآن تم ترشيح الستة ضباط، الذين قادوا فريق الاستجابة للطوارئ في السفارة المكون من حوالي عشرين متعاقدًا أمنيًا في ذلك اليوم، لجوائز تطبيق القانون الفدرالية لشجاعتهم، ولأنهم نجحوا في صد الهجوم دون أن يفتح أي من عشرات المارينز المتمركزين على الأسطح النار على الميليشيات، لأن ضباط الأمن الدبلوماسي وفرقهم والقادة العسكريين الأمريكيين يعلمون أن خطوة واحدة خاطئة يمكن أن تحول المشهد إلى حمام دم، وتسبب في اندلاع معارك مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران».
وقال أحد اثنين من كبار المسؤولين الأمنيين الذين شاركوا في ذلك اليوم: «كانوا يحاولون حملنا على قتل أحدهم».
في صباح يوم الثلاثاء 31 كانون الأول/ ديسمبر، «كان ضباط الأمن الدبلوماسي يعلمون أن رجال الميليشيات العراقية بدأوا مسيرة لتشييع عناصر الميليشيات بالقرب من وسط العاصمة، على طريق على الجانب الآخر من نهر دجلة، مقابل المنطقة الدولية التي تضم السفارة والمكاتب والمساكن الحكومية العراقية الرئيسية كانوا في حالة تأهب، لكنهم لم يكونوا قلقين بشكل خاص؛ واعتقدوا أن قوات الأمن العراقية ستمنع الميليشيات من عبور الجسر شديد الحراسة الذي يمثل المدخل من وسط المدينة إلى المنطقة الحكومية المعروفة بـ (المنطقة الخضراء) ولكن قبل الساعة 10:30 بقليل من ذلك الصباح، تلقى الضابط بأمن السفارة جون هيوي، 41 عامًا، مكالمة من مسؤول أمني عراقي كان صديقًا له، قال العراقي له إن «لميليشيات تقترب من الجسر، ولا يوجد شيء يمكننا القيام به».
ووفق هيوي، «في مكان ما في الرتب العليا في الحكومة العراقية، قرر المسؤولون السماح للمتظاهرين بالمرور، وأضاف لقد سمحوا لهم بالمرور ببساطة».
وتضيف المجلة: «في البداية، بدا مسلحو الميليشيات وكأنهم يخططون لمظاهرة سلمية، ونصبوا الخيام واللافتات السياسية، وعلقوا علم الميليشيا الضخم على مبنى سكني عبر شارع الكندي، أحد الأبراج العديدة في المنطقة الحكومية المحمية».
الضابط توماس كورتزويل (42 عاما) توجه «إلى البوابة الزرقاء كجزء من خطة الأمن المصممة للدفاع عن السفارة، فشاهد عناصر الميليشيات يحضرون شاحنات بها خيام، وقال: «حسنًا، سيبقون هنا لفترة من الوقت، لكن سرعان ما أصبح مجمع المباني السكنية، الذي يواجه السفارة، قاعدة عمليات فعلية لمزيج من الميليشيات الشيعية الموالية لإيران».
أكدوا أن خطوة خاطئة كادت تحوّل المشهد لحمام دم… ومأساة طهران وبنغازي كانت حاضرة
وبدا واضحا لضباط الأمن الدبلوماسي أن «أعضاء «الميليشيا قد خططوا بعناية للهجوم، بعد وقت قصير من نصب خيامهم، بدأوا بشكل منهجي في تدمير الكاميرات الأمنية الخارجية للسفارة، كما يقول إيان ماكينزي (35 عامًا) وهو ضابط شرطة سابق في ولاية ميسوري».
وأوضح ماكينزي: «كانوا يتجولون بأعمدة كبيرة ويكسرون الكاميرات للحد من رؤيتنا لما كان يحدث من الخارج، في هذا الوقت كان الأمريكيون داخل السفارة في حالة تأهب قصوى، واتبعوا مجموعة من بروتوكولات الطوارئ كانوا يتدربون عليها تحسبا لمثل هذه الظروف».
وانضم العميل الخاص للأمن الدبلوماسي إيفان تسورومي (41 عامًا) الذي قاد قوة الرد السريع في السفارة في ذلك اليوم، لرؤية الحشد بشكل أفضل، في ذلك الوقت، لم يكن العنف قد بدأ، ولكن تسورومي شاهد الآلاف يتجمعون في الخارج، بعضهم يحمل أعلامًا وبعضهم يحمل أسلحة، كان معظمهم من الشباب في أوائل العشرينيات من العمر، وكان بعضهم يرتدي زي قواتهم.
ووفق تسورومي: «لقد كانوا منضبطين للغاية وكان لديهم جدول أعمال» بعد أكثر من ساعة بقليل من وصولهم، تجمعوا عند الطرف الشمالي الشرقي من مجمع السفارة، وبدأوا في إلقاء زجاجات المولوتوف في مستودع وقود السفارة الموجود داخل الحائط، على أمل إشعال حريق من شأنه أن يؤدي إلى انفجار هائل، وأكد ضباط أمن السفارة أنه كان هدفا استراتيجيا بالفعل.
ركض هيوي ومايك روس، وهو جندي احتياطي من مشاة البحرية يبلغ من العمر 37 عامًا، نحو مستودع الوقود، حيث كان رجال إطفاء السفارة يحاولون بالفعل إخماد النيران.
وبين «كنا نتفادى الصخور، وقنابل المولوتوف بشكل مدهش. فقد كان عناصر الميليشيات يقذفون السفارة بقطع من الطوب أو الأرصفة التي كسروها خارج السفارة أو صخور جلبوها معهم. بعضها سقط على أفراد الأمن وعلى خوذتهم العسكرية، مما أصابهم بقطع وكدمات في الوجه والذراعين والساقين، ولم يتضح على الفور عدد المهاجمين الذين كانوا يواجهونهم أو ما الذي كانوا يحاولون القيام به».
وأضاف: «كان من الصعب جدًا قراءة الموقف لأننا جميعًا على الأرض كان لدينا الكثير من العمل للقيام به، لكننا لم نتمكن حقًا من رؤية ما كان يحدث في الخارج».
عمل الضباط على افتراض أن المتظاهرين خططوا لاقتحام المجمع، وذكر تسورومي، مشيرًا إلى الاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 واحتجزوا 98 أمريكيًا: «كنا قلقين من أن يمكن أن يحدث مثل الذي حدث في إيران 1979 حيث تم احتلال السفارة» وأضاف: «الفرق أننا كان لدينا عدة مئات من الأرواح التي كنا مسؤولين عنها، وربما لن نتمكن من الإخلاء في الوقت المناسب إذا لم نتمكن من صد هؤلاء الأشخاص».
بعد مهاجمة محطة الوقود، «تحرك المتظاهرون عبر محيط السفارة إلى هدفهم التالي: المدخل الشمالي الشرقي، المعروف رسميًا بالبوابة الحمراء، وهو أحد المداخل الثلاثة التي سيهاجمونها في ذلك اليوم، تحصن الموظفون الموجودون داخل المدخل الأمني الذي يشبه علبة الدواء في البوابة، كما نص بروتوكول الطوارئ، لكن المتظاهرين تمكنوا من فتح بابين بالقوة على جانبي البوابة الفولاذية».
طرد عناصر الميليشيات
على الفور، «شكل 10 أفراد من أمن السفارة نصف دائرة حول عناصر الميليشيات الذين دخلوا إلى الداخل، وحاولوا طردهم، أطلقوا النار بمجموعة من الأسلحة غير الفتاكة، وقنابل الغاز المسيل للدموع؛ والكرات اللاذعة، وهي كرات مطاطية كثيفة تطلق من قاذفات القنابل اليدوية، وعادة ما تستهدف الأرض لترتد وتضرب المتظاهرين في الركبتين أو الأمعاء».
وبالفعل «نجحوا في إجبار الموجة الأولى من الميليشيات على العودة إلى الشارع، ولكن سرعان ما اقتحمت موجة ثانية من حوالي 50 شخصا».
ووفق المجلة، كان هيوي قلقًا من أن فريقه على وشك أن يتم تجاوزه، وإذا حدث ذلك، فقد كان قلقًا من استمرار فريق الأمن، كانت مباني السفارة أعلاه تستدعي استخدام القوة المميتة، والتي كان يخشى أن تؤدي إلى إطلاق النار من رجال الميليشيات المسلحين الذين رآهم في الشارع، والذين كانوا حريصين على عدم الاقتراب من مجمع السفارة.
ووفق هيوي: «أطلقنا ضربة قوية حقًا من الذخائر الأقل من الفتاكة على الحشد» لكن المشاغبين استمروا في القدوم.
في ذلك الوقت شاهد قوات مكافحة الإرهاب العراقية تشق طريقها من الشارع عبر عناصر الميليشيات، وكانوا يحاولون إخراج أعضاء الميليشيا من المجمع، وصرح هيوي: «في تلك المرحلة، أصبح واضحًا جدًا بالنسبة لي أننا في حاجة إلى استعادة السيطرة مع إعطاء قوات مكافحة الإرهاب العراقية بعض المساحة للعمل في طريقهم عبر الحشد وإقناعهم بالخروج من المجمع، وبالفعل تمكن أمن السفارة بالتعاون مع قوات مكافحة الإرهاب العراقية من طرد رجال الميليشيات».
في هذا الوقت، كان موظفو السفارة داخل مباني الاستقبال الصغيرة المحصنة يقومون بمسح الوثائق الحساسة ونقل الأوراق الهامة.
بعد دفع المتظاهرين خارج أسوار مجمع البوابة الحمراء، «انتقل المتظاهرون إلى بوابتين أخريين، المدخلان الأزرق والقنصلي، ودمروا مباني الاستقبال الخاصة بهم، ثم استخدموا سقفًا معدنيًا بالخارج كمنحدر للتسلق فوق حائط، ولكن لم يتمكن المتظاهرون من دخول مجمع السفارة بنفس الأرقام الموجودة عند البوابة الحمراء، لكنهم استمروا في المحاولة لساعات».
وأفاد تسورومي: «كان ما تبقى من اليوم نوعًا من الهجمات المتقطعة. فقد قاموا بإلقاء المزيد من القنابل الغازية وآلاف الصخور بحجم لعبة البيسبول» واصفًا المهمة الدفاعية أنها ماراثون، وقال: «كنا وحدنا هناك دون أي مساعدة لمدة 10 ساعات تقريبًا، فقط نعمل بشكل خلاق».
استمر المشاغبون في إلقاء زجاجات المولوتوف على الحائط حيث كان هناك عدد من سيارات السفارة متوقفة، لذلك سارع ماكينزي، الذي انضم إلى القتال عند البوابة الحمراء، للعثور على مفاتيح المركبات المشتعلة، والقفز فيها، ونقلها بعيدًا عن الجدران لإطفاء الحرائق.
كانت تلك الساعة الأولى العنيفة قد هزتهم جميعًا، ووفق ماكينزي: «بنغازي بالتأكيد… خطرت ببال الجميع».
ما لم يستطع هؤلاء الضباط معرفته في منتصف القتال على الأرض هو أن الجيش الأمريكي كانت لديه فرق على أهبة الاستعداد في العراق والخليج وأوروبا وحتى في الولايات المتحدة لإجلاء الدبلوماسيين إذا لزم الأمر.
في واشنطن، كان كبار المسؤولين في وزارة الخارجية، بمن فيهم وزير الخارجية مايك بومبيو ومبعوث إيران برايان هوك، يشاهدون الحصار من عدة كاميرات بقيت داخل السفارة.
بحلول ليل اليوم الأول من يناير/كانون الثاني، كان العملاء قد قاموا بتأمين البوابات، وقام العديد من المسؤولين العراقيين بمن فيهم وزير الداخلية وقائد «الميليشيات» العراقية بزيارة الميليشيات لتهدئتهم.
وأكد المسؤولون العراقيون لمجلة «تايم» أنهم عملوا بأسرع ما يمكن لتهدئة الموقف، الذي يصرون على أنه أكثر رمزية من كونه خطرًا حقيقيًا على من في الداخل، وقال أحد مساعدي رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي إن «الضربات الجوية الأمريكية ضد أعضاء الميليشيات، والتي نُفذت دون إخطار رئيس الوزراء، خلقت مستوى من الغضب داخل الرتب الحكومية كان يجب التعامل معه بحذر».
قرابة منتصف الليل، صعد المتظاهرون لمضايقاتهم مرة أخرى، وهم يهتفون «عام جديد سعيد يا أمريكي!» قبل إطلاق الألعاب النارية التجارية أولاً في الهواء، ثم مباشرة على الأمريكيين.
وقال أحد المسؤولين الأمنيين: «لكنها لم تكن قذيفة هاون أو آر بي جي» كما أن إطلاق الألعاب النارية لمضايقة من داخل السفارة والمجمعات العسكرية الأمريكية كان أيضًا حدثًا معتادًا في نهاية الأسبوع.
وأشار هيوي إلى أن اليوم الثاني من الاحتجاجات بدا وكأنه تمرين علاقات عامة من جانب الميليشيا، وراحوا يتحركون حول السفارة، بينما انتظر الأمريكيون، بما في ذلك أكثر من 100 من مشاة البحرية الإضافية أرسلهم البنتاغون في الليل لحماية السفارة.
في نهاية اليوم، استجاب المتظاهرون لمطالب قادة «مليشياتهم» بالتوقف، وحزموا خيامهم وغادروا.
خلال الأيام الماضية، تم ترشيح الرجال الستة للفوز بالجائزة الوطنية لجمعية ضباط إنفاذ القانون الفدرالية لهذا العام عن الشجاعة غير الشائعة، وتم ترشيح فريق أمن بغداد بأكمله لجائزة البطولة التي تمنحها وزارة الخارجية لحفاظهم على هدوئهم في مواجهة خصم كان يحاول حثهم على العنف.
وقال هيوي إنهم كانوا يعرفون أنه إذا ساءت الأمور في تلك الليلة، فقد تبدأ الحرب.