ضباط إسرائيليون خلصوا إلى أن المجاعة تستحكم بين الفلسطينيين في غزة.. ونتنياهو مصمم على حربه الشرسة

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده ناتان أودنهايمر ورونين بيرغمان قالا فيه إن بعض المسؤولين العسكريين الإسرائيليين توصلوا، في أحاديثهم الخاصة، إلى أن الفلسطينيين في غزة يواجهون مجاعة واسعة النطاق ما لم تُستأنف عمليات تسليم المساعدات في غضون أسابيع، وفقا لثلاثة مسؤولين دفاعيين إسرائيليين مطلعين على الأوضاع في القطاع.

فعلى مدى شهور، أصرت إسرائيل على أن حصارها المفروض على الغذاء والوقود في غزة لا يشكل تهديدا كبيرا على حياة المدنيين هناك، حتى مع تحذيرات الأمم المتحدة ووكالات إغاثة أخرى من أن المجاعة تلوح في الأفق.

لكن ضباطا عسكريين إسرائيليين يراقبون الأوضاع الإنسانية في غزة حذروا قادتهم في الأيام الأخيرة من أنه ما لم يرفع الحصار بسرعة، فمن المرجح أن تنفد كميات الغذاء الكافية لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية اليومية في مناطق عديدة من القطاع، وفقا لمسؤولي الدفاع. وتحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لمشاركة تفاصيل حساسة.

ولأن توسيع نطاق عمليات تسليم المساعدات الإنسانية يستغرق وقتا، قال الضباط إن هناك حاجة إلى خطوات فورية لضمان إعادة تشغيل نظام إيصال المساعدات بالسرعة الكافية لمنع المجاعة.

لأن توسيع نطاق عمليات تسليم المساعدات الإنسانية يستغرق وقتا، قال الضباط إن هناك حاجة إلى خطوات فورية لضمان إعادة تشغيل نظام إيصال المساعدات بالسرعة الكافية لمنع المجاعة

ويأتي هذا الاعتراف المتزايد داخل جزء من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأزمة جوع في غزة في الوقت الذي تعهدت فيه إسرائيل بتوسيع نطاق الحرب في غزة بشكل كبير لتدمير حماس وإعادة الأسرى المتبقين – وهما هدفان لم تحققهما بعد أكثر من 19 شهرا من الحرب. وفي يوم الثلاثاء، بدا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو متحديا، وقال إن الجيش سيستأنف القتال في الأيام المقبلة “بكامل قوته لإنهاء المهمة” و”القضاء على حماس”.

وجاء تصريح نتنياهو في نفس اليوم الذي وصل فيه الرئيس ترامب إلى السعودية، في إطار أول رحلة خارجية رئيسية له منذ إعادة انتخابه. ومع ذلك، فإن ترامب لن يزور إسرائيل، مما يؤكد الانقسام المتزايد بين زعيمين يختلفان بشكل متزايد حول بعض أهم القضايا الأمنية التي تواجه إسرائيل.

وكشف تحليل المسؤولين العسكريين عن فجوة بين الموقف العلني لإسرائيل من حصار المساعدات ومداولاتها الخاصة. ويظهر التحليل أن أجزاء من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية توصلت إلى نفس الاستنتاجات التي توصلت إليها منظمات الإغاثة الرائدة والتي حذرت لأشهر من مخاطر الحصار.

كما يسلط التحليل الضوء على خطورة الوضع الإنساني في غزة: فقد أغلقت معظم المخابز أبوابها، وتغلق مطابخ الجمعيات الخيرية أبوابها، ويقول برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، الذي يوزع المساعدات وينسق الشحنات، إن مخزونه الغذائي قد نفد.

وفي يوم الاثنين، حذر التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، وهو مبادرة تدعمها الأمم المتحدة لرصد سوء التغذية، من أن المجاعة وشيكة في غزة، في حال مضت إسرائيل قدما في تصعيد عسكري مخطط له في غزة، وذكرت المبادرة في تقرير موجز: “لن تتمكن الغالبية العظمى من سكان قطاع غزة من الحصول على الغذاء والماء والمأوى والدواء”.

ورفض الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع الإسرائيلية التعليق على ما توصل إليه الضباط الإسرائيليون بأن غزة تقترب من أزمة غذائية.

كانت القيود الإسرائيلية على المساعدات المقدمة إلى غزة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الحرب. قطعت إسرائيل الإمدادات عن غزة في آذار/ مارس، قبل وقت قصير من خرق وقف إطلاق النار في غزة

كانت القيود الإسرائيلية على المساعدات المقدمة إلى غزة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الحرب. قطعت إسرائيل الإمدادات عن غزة في آذار/ مارس، قبل وقت قصير من خرق وقف إطلاق النار في غزة. وقالت إسرائيل إن الهدف من الحصار هو الحد من قدرة حماس على الوصول إلى الغذاء والوقود المخصصين للمدنيين والاستفادة منهما. في هذه الأثناء، صرح مسؤول دفاعي إسرائيلي رفيع المستوى بأن حماس ستنهار على الأرجح، أو على الأقل ستطلق سراح المزيد من الأسرى الذين أخذتهم الحركة خلال هجومها على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والذي أشعل فتيل الحرب.

وقد نوقش الحصار في اجتماع طارئ لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم الثلاثاء، دعت إليه بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى. وصرح توم فليتشر، منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، للمجلس بأن إسرائيل تفرض “عمدا ودون خجل” ظروفا لاإنسانية على المدنيين في غزة والضفة الغربية.

وسأل فليتشر: “ما الذي تحتاجونه من أدلة إضافية الآن؟ هل ستتحركون – بحزم – لمنع الإبادة الجماعية وضمان احترام القانون الإنساني الدولي؟ أم ستقولون بدلا من ذلك: لقد فعلنا كل ما في وسعنا؟”. جميع أعضاء المجلس الخمسة عشر، باستثناء الولايات المتحدة التي دعمت إسرائيل بقوة طوال الحرب، دعوا إسرائيل إلى السماح فورا بدخول المساعدات إلى غزة.

وأكدت الحكومة الإسرائيلية مرارا وتكرارا بأن الحصار لم يتسبب في “نقص” في الدعم للمدنيين، ويعود ذلك جزئيا إلى دخول كميات كبيرة من المساعدات إلى القطاع خلال وقف إطلاق النار القصير.

لكن منظمات الإغاثة سارعت إلى التحذير من أن المدنيين سيكونون الضحايا الرئيسيين، مضيفة أن القيود غير قانونية بموجب القانون الدولي. وتزايدت هذه التحذيرات مع قول المدنيين إنهم يتناولون وجبة واحدة فقط يوميا مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل حاد. وقال فلسطينيون أجرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقابلات معهم إن سعر الدقيق ارتفع 60 ضعفا منذ أواخر شباط/ فبراير، مما أدى إلى زيادة عمليات النهب.

قال خليل الحلبي، وهو مسؤول متقاعد في الأمم المتحدة يبلغ من العمر 71 عاما من مدينة غزة: “كل ما أكلته اليوم كان قليلا من الفول من علبة منتهية الصلاحية”. وقال يوم الاثنين إنه كان يشعر بدوار شديد وضعف شديد يمنعه من المشي، مضيفا أن وزنه انخفض إلى حوالي 58 كغم من حوالي 95 كغم قبل الحرب.

وأضاف الحلبي أن ابنته، التي أنجبت مؤخرا، لم تتمكن من إرضاع طفلها رضاعة طبيعية لأنها لم تكن تأكل ما يكفي. وأضاف أنه لا يتوفر حليب أطفال.

أطلع الضباط كبار القادة سرا على الوضع المتدهور، محذرين بإلحاح متزايد من أن الكثيرين في القطاع على بعد أسابيع قليلة من المجاعة

وتوصل ضباط متخصصون في مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الوكالة الحكومية الإسرائيلية التي تشرف على السياسة في غزة والضفة الغربية، إلى نفس النتيجة التي توصلت إليها وكالات الإغاثة. ويقيم الضباط الوضع الإنساني في غزة باستمرار من خلال التحدث مع الفلسطينيين هناك، وفحص آخر المستجدات من منظمات الإغاثة حول مخزونات مستودعاتها، وتحليل حجم ومحتويات شاحنات الإغاثة التي دخلت غزة قبل الحصار.

ثم أطلع الضباط كبار القادة سرا على الوضع المتدهور، محذرين بإلحاح متزايد من أن الكثيرين في القطاع على بعد أسابيع قليلة من المجاعة. أطلع جنرال إسرائيلي مجلس الوزراء الأسبوع الماضي على الوضع الإنساني في غزة، قائلا إن الإمدادات في القطاع ستنفد في غضون أسابيع قليلة، وفقا لمسؤول دفاعي إسرائيلي ومسؤول حكومي رفيع المستوى. وكانت القناة 13 الإسرائيلية أول من أورد خبر الإحاطة الوزارية.

ووفقا لثلاثة من مسؤولي الدفاع، أقرت القيادة العسكرية بخطورة الوضع، وتستكشف سبل استئناف إيصال المساعدات مع الالتفاف على حماس.

وفي الأسبوع الماضي، أعلنت إدارة ترامب أنها تعمل مع إسرائيل على مثل هذه الخطة. وقال مسؤولون إسرائيليون ومنظمات إغاثة إنها ستشمل منظمات خاصة توزع الطعام من عدد قليل من المواقع في غزة، والتي سيخدم كل منها مئات الآلاف من المدنيين. وسيتم نشر الجيش الإسرائيلي في محيط المواقع، بينما ستقوم شركات الأمن الخاصة بدوريات داخلها.

رفضت وكالات الإغاثة، بما في ذلك مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الخطة، مؤكدة أنها لن تنضم إليها لأنها ستعرض حياة المدنيين لخطر أكبر. وأوضحت الوكالة أن الاقتراح سيجبر الفئات الأكثر ضعفا على السير لمسافات أطول للوصول إلى مراكز التوزيع القليلة، مما يصعب إيصال الغذاء إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه. وأوضحت الأمم المتحدة أنه في ظل النظام الحالي، يوجد 400 نقطة توزيع. وأضافت أن النظام الجديد “سيقلل بشكل كبير من نطاق التغطية العملياتية”.

كما حذّرت الأمم المتحدة من أن الخطة ستجبر المدنيين على المرور بانتظام عبر الخطوط العسكرية الإسرائيلية، مما يُعرّضهم لخطر أكبر بالاعتقال والاستجواب. وأضافت أن الخطة ستسرع من نزوح المدنيين من شمال غزة، حيث من المتوقع أن تكون مراكز التوزيع بعيدة في جنوب القطاع.

وأكد مسؤولون إسرائيليون أن الخطة، في حال تطبيقها، ستساعد الجيش على اعتراض مقاتلي حماس ونقل المدنيين من شمال غزة إلى جنوبها. لكنهم قالوا إن الهدف ليس زيادة معاناة المدنيين، بل فصلهم عن المقاتلين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية