ضباط بثياب محللين وكتّاب!: دروس في الصحافة الاسرائيلية

حجم الخط
0

زهير اندراوس

من المسلمات ان الصحافة الحرة والنزيهة والموضوعية علي مختلف مشاربها تحاول ان تصنع رأيا عاما بهدف التاثير علي صناع القرار في هذه الدولة او تلك، لكن ما حدث هذا الاسبوع مع وسائل الاعلام العبرية في اسرائيل انها تجاوزت جميع الخطوط الحمراء وقامت بعملية غسل دماغ لخدمة اسيادها ولترويج السياسات الخارجية لدولتها. وبصلافتها المعهودة ووقاحتها الممجوجة لم تتمكن هذه الصحافة، التي تعتمد في الاساس علي مصادر أمنية مغرضة، من اخفاء فرحتها بعيد العملية الارهابية التي ضربت منتجع دهب السياحي في الساحل الجنوبي من شبه جزيرة سيناء. والمتتبع للامور لاحظ ان كتبة الاعمدة والمحللين العسكريين والسياسيين في صحافة البلاط الاسرائيلية اجمعوا في تحليلاتهم العلمية علي ان عملية دهب هي فشل ذريع للاجهزة الامنية المصــــــرية، وكانهم اكتشفوا من جديد امريكا. ولكن اللافت ان هؤلاء الصحافيين، او بالاحري رهائن صناع القرار في تل ابيب، شددوا فــــي مقالاتهم وتقاريرهم علي ان الاجهزة الامنية العبقرية في دولتهم حذرت منذ عدة اشهر بان الجماعات الاسلامية الاصولية المتطرفة تخطط لتنفيذ هجوم ارهابي في مصر، وذهب بعضهم الي القول ان المصريين تلقوا معلومات قيـــمة عن المخطط، ولكنهم تجاهلوها. في الحقيقة فان الاعلام الاسرائيلي العبري يتصرف بصورة مطابقة لضباط وجنود الاحتلال في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، فهم يعكسون في كتاباتهم النظرة الاستعلائية الاسرائيلية مقابل التخلف العربي، ويؤكدون بعنجهيتهم ايضا فوقيتهم ودونية العرب والمسلمين.

وقبل الخوض في هذه الظاهرة العجيبة الغريبة، نريد ان نؤكد ان عملية دهب هي عملية ارهابية حسب كل المقاييس، استهدفت العرب والمسلمين والاجانب العزل والابرياء، الذين دفعوا ثمن موالاة النظام المصري لواشنطن وتوجيهاتها، ولكن اذا اعتقدت هذه الجماعة او تلك بان نظام الرئيس حسني مبارك متورط من راسه حتي اخمص قدميه في الولاء للغرب، فما هو ذنب المدنيين الذين سددوا هذه الفاتورة بارواحهم ودمائهم ومصادر رزقهم؟

وبالعودة الي الصحافة العبرية نشير، علي سبيل الذكر لا الحصر، الي ان المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، زئيف شيف، وهو المسؤول المعتمد عن تسويق المزاعم الصادرة من شعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال (امان)، كتب ان عملية دهب جسدت الفشل المصري في معالجة الجهاد العالمي، وبطبيعة الحال لم تخل مقالته من الاكاذيب والافتراءات والاشاعات غير المرتبطة بالحقيقة. اما روني دانيئيل، الضابط الذي يتقمص دوره الصحافي في القناة الثانية التجارية، فقد اطل علينا بوجهه المتجهم ونظراته المرعبة اكثر من العمليات الارهابية، وجزم بان تنظيم القاعدة يعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة، لان اقحام الفلسطينيين في كل عملية ارهابية هو من اختصاصه، ولا يستغربن احد ان يكتشف السيد دانيئيل في المستقبل المنظور ان قاتلي ارلوزروف كانوا من اجداد المجاهد عز الدين القسام. وعن سبق الاصرار والترصد تجاهل ضابط الصحافة بيان الحكومة الحماسية التي شجبت ونددت واستنكرت العملية الارهابية.

الطامة الكبري سجلت في يديعوت احرونوت، اوسع الصحف الاسرائيلية انتشارا في الدولة العبرية. رونين برغمان، المصنف اسرائيليا بانه خبير ومرجع في الشؤون الاستراتيجية، كتب تحليلا رائعا ومميزا في صحيفته، ونعتقد ان هذا النص يستحق ان يدرس في كليات الصحافة في جميع انحاء العالم. مقاتلو حماس، اكد برغمان، شاركوا في تنفيذ عملية دهب. لماذا؟ تابعوا التحليل المنطقي البراغماني: بعد ان اوقفت حماس عملياتها العسكرية ضد اهداف اسرائيلية تحول مقاتلوها الي عاطلين عن العمل، وبالتالي فانهم انضموا الي التنظيمات الاسلامية المتطرفة في الوطن العربي لسد الفراغ، ولم نعرف فيما اذا كان هؤلاء المقاتلين قد حصلوا علي مخصصات ضمان الدخل من مؤسسة التأمين الوطني. والقارئ الذي لم يصب بحالة من الغثيان وواصل تلقف فذلكات برغمان، اكتشف ان الصحافي الاسرائيلي هو جهاز مخابرات قائم بحد ذاته، فافراد الخلية الليبية، حسب تسمية برغمان، المكونة من ليبيين يقودهم جنرال سابق في جيش القذافي، نفذوا عمليات في المغرب العربي وعرجوا علي سيناء لاخراج عملية دهب الي حيز التنفيذ واختفوا علي الرغم من ان اجهزة المخابرات الاسرائيلية والفرنسية والبريطانية وبطبيعة الحال الامريكية كانت تتعقبهم منذ عدة اشهر.

ولكن مع ذلك، او علي الرغم من ذلك، انهي الصحافي برغمان مقالته، اعترفت الاجهزة الامنية الاسرائيلية والغربية بانها لم تتمكن من اختراق التنظيمات الاصولية الاسلامية ولم تتمكن من الحصول علي معلومات عنها. هذا المنطق المشوه يدفعنا الي التســــاؤل من منطلق فهمنا لفهم المقروء: اين اختفت الخلية الليبية التي اكتشفها برغمان في بداية مقالته؟

وبما اننا نحاول وضع النقاط علي الحروف والتحيز للموضوعية وتحديد الغث والسمين، فلا يمكننا ان نتجاهل عددا من كتبة اعمدة في العالم العربي والمحللين، الذين ادخلوا انفسهم الي سجن النظرية التآمرية، وسارعوا الي اتهام اسرائيل بالمسؤولية عن العملية الارهابية في دهب. كفانا غيبيات واوهاما. فمجرد اتهام اسرائيل هو اعتراف ضمني بعظمتها وبقوتها الخارقة. صحيح ان الموساد الاسرائيلي نفذ العديد من عمليات الاغتيال لقادة منظمة التحرير الفلسطينية في عواصم عربية وغربية، ولكن نقترح علي متبني النظرية التآمرية البحث عن الاسباب التي تدفع الشبان العرب والمسلمين الي القيام بمثل هذه الاعمال. فالشاب العربي المسحوق يلجأ الي الانتقام من النظام الحاكم الذي لا ينفك عن اهانته والتنكيل به، وقمعه ومصادرة حريته ومنعه من التعبير عن رأيه وحرمانه من العمل. علينا جميعا التسليم بان الانظمة العربية تتحمل المسؤولية الكبـــــري عن هذه الاعمال، ولا نعفي ايضا الشعوب العربية التي استسلمت لهذه الحالة المستعصية. علينا جميعا ان نتذكر الشعب النيبالي الذي تحدي هذا الاسبوع ديكتاتورية الملك وخرج الي الشوارع ليعبر عن غضبه، ولم يأبه بأوامر منع التجول وبالقمع الوحشي للمتظاهرين. هكذا تتحرر الشعوب التواقة للديمقراطية من الانظمة المتعفنة، لان التاريخ اثبت ان الارهاب يقود الي المزيد من التخلف. ہ صحافي من فلسطين، رئيس تحرير كل العرب الصادرة في الناصرة8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية