ضجة في رام الله!
رشاد أبوشاورضجة في رام الله!أصداء الضجة في رام الله وصلتنا،علي الفضائيات،ومواقع الانترنت، وصفحات الصحف العربية المهاجرة بخاصة القدس العربي و الحياة ، وعلي صفحات الأيام في رام الله.ما سبب هذه الضجة،والاتهامات السياسية غير الثقافية المتبادلة؟!كثيرون اتصلوا بي مستفسرين عما يجري؟ عن الكتاب الذي منع، ولماذا منع، وماذا فيه يوجب المنع؟ولأنه كما في المثل: رب ضارة نافعة، فمن جهتي عدت لتصفح بعض الكتب التي احتفظ بها عن التراث الشعبي الفلسطيني: (الخراريف) التي جمعتها الحاجة تودد عبد الهادي، (الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع الي الثورة) للسيدة روز ماري صايغ رفيقة حياة المفكر الكبير الدكتور أنيس صايغ، (أغاني العمل والعمال في فلسطين) للشاعرعلي الخليلي، (الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني) (دراسة ونصوص) للدكتور عبد الرحمن الساريسي، معجم الأمثال الشعبية الفلسطينية للروائي والقاص والمترجم الراحل الصديق أحمد عمر شاهين وفؤاد ابراهيم عباس، (الأغنية الشعبية الفلسطينية) للصديق الدكتور حسن الباش، (الفولكلور الفلسطيني) للروائي عوض سعود عوض، ناهيك عن كتابات نمر سرحان المتعددة المواضيع، وكتابات ودراسات كثيرة…من جديد استوقفتني ريادة الباحث والشاعر محمود سليم الحوت صاحب كتاب (الميثولوجيا عند العرب)، وهو كتاب كما جاء تحت عنوانه: بحث مسهب في المعتقدات والأساطير العربية قبل الاسلام، ولم تغب عن بالي ريادة الكبير جبرا ابراهيم جبرا بترجمته لجزء من كتاب (الغصن الذهبي) لجيمس فريزر، والذي نشر بالعربية بعنوان (أدونيس وتموز)، ويذكر المعنيون بأنه كانت لهذه الترجمة تأثيراتها علي الشعراء الذي استلهموا أسطورة (تموز)، ورحلة الموت والانبعاث والخصب في التاريخ العراقي القديم.قلت لنفسي: لعل هذه الضجة أن تكون مناسبة لنا لفعل شيء،نحن المعنيين بالحفاظ علي تراث شعبنا، والتخطيط لصونه وتقديمه للأجيال، مع علمنا بأن التخطيط غائب عن حياتنا التي تمشي غالباً ارتجالاً في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، وكل مناحي حياتنا…صدر كتاب speak bird speak again عن منشورات جامعة كاليفورنيا عام 1989 في لندن، ومن بعد ترجم للغة الفرنسية.والكتاب يضم 45 حكاية فولكلورية ـ شعبية فلسطينية (خرافية) محكية شفوياً، متناقلة ومتوارثة عن الأمهات والآباء والأجداد، جمعها، وأعدها، وترجمها الأستاذان الجامعيان: ابراهيم مهوي أستاذ اللغة الانكليزية الذي بيني وبينه معرفة ومودة منذ كنا معاً نعيش في تونس، التي غادرها للتدريس كما علم في جامعات اسكتلندا، والدكتور شريف كناعنه أستاذ الأنتروبولوجيا في جامعة بيرزيت.في العام 2001 نشرت طبعة عربية صدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، أعدها الدكتور ابراهيم مهوي والأستاذ جابر سليمان، بعنوان: قول يا طير .. وتحت العنوان: نصوص ودراسة في الحكاية الشعبية الفلسطينية .الكتاب جهد كبير،من حيث الجمع، والتصنيف، والدراسة، وهو صون لهذه الحكايات من الاندثار، لأن راوياتها سيرحلن ومعهن الحكايات الشفوية، قام به أستاذان حريصان علي تراث شعبنا، وحيوية ذاكرته، ناهيك عن تقديم حكاياتنا باللغتين الانكليزية والفرنسية ليطلع المعنيون في الغرب علي المستوي الحضاري والثقافي لشعبنا.لماذا الضجة؟! سبب الضجة أن وزارة التربية والتعليم قررت اتلاف نسخ الكتاب المتوفرة في المدارس الفلسطينية، بحجة، أو بتهمة: خدش الحياء!تابعت بعض التصريحات والبيانات الاحتجاجية لحزب الشعب، وحزب فدا، وتصريحات بعض الكتاب الفلسطينيين للصحافة، وما كتبه الصديق محمد فرحات في (الحياة) وما كتبته الدكتورة فيحاء عبد الهادي في (الأيام).. وتصريح الصديق زكريا محمد ودعوته لسلسلة نشاطات للتصدي لهذا القرار اذا لم يتم التراجع عنه!وزير التربية والتعليم وهو يخاطب الخريجين في دورة تدريبية في (البيرة ) ـ اسم مدينة وليس اسم مشروب ـ بالمناسبة هل هذا الاسم حلال أم حرام؟ وهل يمكن اعتباره مؤنث بير؟ أنا برأيي أنه حلال لأنه اسم خال من الكحول.. أردت المداعبة وسط حالة التراشق بالاتهامات! قدم تبريرات غير مقنعة للتخلص من الكتاب، وكذا فعل موظف كبير في الوزارة اسمه ثروت زيد صفته أنه مدير عام الادارة العامة للاشراف والتأهيل المهني: لم يكن هناك آلية سوي الاتلاف لـ1500 نسخة موجودة في مكتبات المدارس!تهمة الكتاب أنه خادش للحياء، وأنه لا يجوز توفيره للتلاميذ، والطلاب في مرحلة عمرية مبكرة…هذه وجهة نظر يمكن سماعها،ولكنها لا تلغي التساؤل: لماذا أتلفتم نسخ الكتاب، ولم تقدموها للمكتبات العامة في المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية، أم تراكم حكمتم عليها بأنها لا تصلح للتداول والقراءة من حيث الأساس؟!كان علي وزارة التربية والتعليم أن تدعو لعقد ندوة يحضرها الأستاذ كناعنة الذي يدرس في جامعة بير زيت، ويشارك فيها عدد من الكتاب والشعراء والباحثين والمعنيين، تحت عنوان: كيف ندرس تراثنا الشعبي الشفوي، وكيف نقدمه لطلابنا؟ هل نعيد كتابة الحكايات بأسلوب لغوي فصيح بسيط جذاب بحيث يناسب قدرة التلاميذ علي التلقي والاستمتاع، ويحافظ علي (روح) النص الشعبي؟الضجة في رام الله لعلع فيها صوت بعض (السياسيين) المحترفين المعادين لحماس، ليس حرصاً علي الثقافة الشعبية الفلسطينية، وحرية وصول هذا التراث لشعبنا، وبخاصة لتلاميذنا وطلابنا، ولكن تحريضاً، وتشويهاً، واستثماراً لخطأ اقترفه أشخاص تصرفوا بعصبية، وبدون دراسة، وانتحلوا لأنفسهم وصاية ليست لهم.اذا كان ما حدث سيقود الي وضع حدود لوزير التربية والتعليم، وجهاز الوزارة، أياً كانوا، بحيث لا يتصرف طاقم الوزارة بوصاية علي المناهج فهذه ستكون نتيجة طيبة. واذا كانت هذه الغلطة ستؤدي الي دراسة جدية لتراثنا وكيفية التعامل معه، وصونه وغرسه بطرق حديثة في نفوس أجيالنا،فهذا سيكون مكسبا وطنياً لنا ولثقافتنا وتراثنا.ما كتبه كتاب جادون، وما صرح به بعضهم ضد عملية الاتلاف،أو الحرق، أو الالغاء ـ وكلها تعبيرات منفرة واستفزازية لفعل قبيح جاهل ـ من أن الصهاينة يسرقون أزياءنا، وتراثنا الموسيقي، وأكلاتنا الشعبية، ورقصاتنا (الدبكة)، في حين نحن نسفه بعض تراثنا، ونهينه، ونعتدي عليه.. معهم كل الحق لأن هذه الحماقة أوجعتهم.عدونا المحتل يبقر بطن أرضنا، ينخرها، يجوفها ،يحول سطحها وما عليه قشرة، بحثاً عن أي شيء يبرر له احتلاله وانشاء دولة الظلم التي تتلف وطننا وحياة شعبنا، ونحن نتلهي باتلاف كتاب لا يجوز أن يعامل بأقل من التقدير لجوهر ما يمثله، ولمن أنجزوه بجهدهم الفردي، في ظل غياب المؤسسات المعنية سواء في حقبة منظمة التحرير، أو السلطة، أو.. الحقبة الراهنة، أو القادمة، والتي لم يلتفت سدنتها الي أن معركتنا ثقافية حضارية، لانشغالهم بلعبهم السياسي العبثي.الوزير الشاعر أعلن عن الغاء قرار مصادرة الكتاب، والتراجع فضيلة، ولكنه هنا التف علي الضجة، ففعل الاتلاف وقع، والتراجع لا يكون بتصريح ولكن بالدعوة الجادة لندوة كبيرة حول التراث، وجمعه، وكيفية تدريسه.القرار خطأ، والضجة مفتعلة، والتراجع عن القرار الذي نفذ ليس فضيلة، فالتراث ليس لعبة سياسية بين من وقع علي وثيقة (جنيف) ـ وزير الثقافة الأسبق لسنوات عبد ربه الذي لم يترك بصمة ثقافية لانشغاله في اللعبة السياسية ـ التي تتنازل عن حق العودة والذي يعتبر أن كل من يطالب بحق العودة هو (طالبان)، وبين من يبيح لنفسه حرق الكتب التي تضم بعض حكايات شعبنا.تراثنا أكثر جدية من أن يكون جزءاً من لعبةً سياسية!… 0