الهواء لا نشعر به رغم اننا جميعا نتنفسه، لكن ان يتحول الهواء الي ضجيج فذلك الاختلاف وضجيج الهواء هنا مبعثه حديث الساعة (محمد حجازي)، الشاب المصري الذي اعلن مؤخرا ًعن رغبته في اعتناق المسيحية، ومحمد حجازي ابن نفس مدينتي (بورسعيد)، والتقيت به عدة لقاءات قصيرة سببها الاساسي الكتابة الادبية، حيث تردد محمد حجازي لفترة علي منتديات بورسعيد الادبية محاولا كتابة شعر العامية، وطبع ديوانه الاول (ضحكت شيرين) علي نفقته الخاصة عام 2002، ورغم ضعف قيمة الديوان الابداعية، الا انه نشر خلاله قصيدة يهجو فيها احد كبار ضباط امن الدولة ببورسعيد هجاء لاذعا، مما عرضه للاعتقال مدة تقترب من الشهرين، شعر خلالهما لاول مرة بضجيج الطبول الذي يعشقه، فقد تحدثت عنه جرائد عديدة، واذاعات عالمية، بل وتصدر واجهة احدي اهم الجرائد الادبية بمصر، كل ذلك وهو دون العشرين، ولم يكتب سوي ديوان محدود القيمة، ولا يمثل اي اضافة تذكر لشعر العامية. ولشعور حجازي ان شعر العامية لا يحفز الطبول علي الضجيج، القي بنفسه في عالم السياسة والاحزاب دون انتماء حقيقي لايديولوجية محددة، او ايمان بجماعة او حزب، او حتي وجهة نظر تجاه العالم والاشياء، فتنقل بين عدة احزاب مختلفة في توقيت واحد. احزاب لا يجمع بينها شيء سوي الدلالة علي تهرؤ الحياة السياسية المصرية. فجميعنا يدرك ان احزاب المعارضة المصرية تحولت لاسباب عديدة الي مجرد مقرات خاوية، تنتظر امثال حجازي باضطراباته النفسية وعشقه للضجيج والاختلاف، وبالطبع لم ترض تلك الاحزاب رغبة حجازي في البزوغ واللمعان، فالتحق بجماعة (كفاية)، وحاول ان يتحول الي شهيد وبطل في مظاهراتها، ونال مراده، اثر استفزازه لاحد الضباط في مظاهرة للجماعة ببورسعيد، لم يتعد عدد متظاهريها اصابع اليدين، وربما اليد الواحدة. وعاشق الضجيج لا بد ان يعشق كذلك النساء، فديوانه الاول ـ واعتقد انه سيكون الاخير ـ معظمه يدور حول تجاربه العاطفية، وتتصدر عناوين القصائد اسماء محبوباته، بل انه اهدي الديوان كاملا لاحدي هؤلاء المحبوبات، وعنون الديوان كذلك باسمها. لكن ان يتحول الامر به الي محاولة اثارة البسطاء بتحوله المسرحي الي المسيحية، ورغبته في تدوين ديانته الجديدة في هويته الشخصية، فتلك اثارة رخيصة وغير مبررة، ولا تنم الا عن اضطراب حاد في شخصيته.
فلو كان صادق النية في تحوله الي معتقد جديد، فما الداعي الي استفزاز العامة والبسطاء من المسلمين والمسيحيين وتأليب بعضهم علي بعض، تحت وطاة رغبته الحميمة في نشر خبر تنصيره علي اوسع نطاق ممكن، سواء لوكالات انباء عالمية او صحف وجرائد عربية ومصرية؟ نحن امام لعبة اتقنها محمد حجازي، ويدل تاريخه الشخصي القصير، علي انه لم يجد سوي تلك اللعبة، ولا يعرف في حياته كلها سوي ان يسير علي حبل من النار، متلهفا لسماع الضجيج المدوي في كل مكان. والوصول الي متعة الضجيج في مجتمعات متخلفة يمر دائما عبر كسر التابو بثالوثه المقدس (الدين والجنس والسياسة)، واقترب حجازي من الثالوث، ليس بغرض الاجتهاد او طرح رؤي جديدة ومغايرة، بل للاثارة والاستفزاز. وللاسف فقد صار ضجيج الهواء هو الطريق الاسهل للانتشار، ولم يطرق حجازي هذا الطريق الا لادراكه بان الهواء، هو الشيء الوحيد بمصر الصانع للضجيج.
اسامة كمالبورسعيد ـ مصر6