أستطيع أن أسترسل في السخرية من مهزلة اجتماع د. مرسي السري- المعلن مع بعض ‘رموز’ القوى الوطنية في مصر، تلك المهزلة المزرية التي لم يكن من الممكن تخيلها ولا نعرف لها سابقة في التاريخ، إلا أن الحكاية ‘ما تضحكش’ على رأي الشاعر نجيب سرور في قصيدته الشهيرة التي غناها الراحل المبدع الشيخ إمام إذ يشدو: ‘البحر غضبان ما بيضحكش، أصل الحكاية ما تضحكش’. والحقيقة أنني حين كتبت في الأسبوع الماضي عن حركة ‘تمرد’ افتتحت مقالي بشرح حالة الانفصام بين النخب السياسية والجمهور، ذكرت البطون الخاوية والأرزاق المعطلة والانفلات الأمني، الفوضى العارمة التي تلف كل شيء، إلا أنني على الرغم من حرصي على عدم الانزلاق في حديث المشاعر والهواجس، فإنه يتعين عليّ الاعتراف بأن شعوراً كان يتملكني، شعورا بدأ غامضاً ثم أخذ يترسخ بأن كلامي وتحليلي كان ناقصاً، بأنني لم أقل كل شيء، وبعد طول تفكيرٍ ورصدٍ وتأملٍ لمجريات الأحداث الشديدة السرعة توصلت إلى قناعةٍ مفادها بأن كل ما قلت وكتبت لم يفِ الواقع حقه، ولم ينقل الحالة الحقيقية التي تسيطر على مجمل الشعب المصري ويقاسي منها بمرارة ما بعدها مرارة.
إن الشعب المصري يعيش أزمةً وجوديةً حقيقية، حيث يرى ويشعر بمنتهى الحدة، أن مصر، كياناً وتاريخاً وحضارةً مهددة. فمن ناحية هناك الاعتداءات المتكررة على سيادة الدولة المصرية في سيناء، بدأت بالستة عشر جندياً الذين استشهدوا في رفح، ثم اعقب ذلك اختفاء أربعة ضباط وجنود لم يظهر أي منهم ولم يعثر على جثامينهم، حتى صرح موسى أبومرزوق القيادي في حركة حماس بمعرفته بموتهم. لم يتوقف مسلسل فقدان الجنود عند هذا الحد، إذ لحق بركبه السبعة جنود الذين اختطفوا وظهروا على العالم عبر التلفاز بطريقةٍ مهينة، ثم ما لبثوا أن أطلق سراحهم في ظروفٍ وملابساتٍ شديدة الغموض تفوح منها رائحة صفقاتٍ ليست قذرة فحسب، وإنما تؤكد ضعف الدولة المصرية وفقدان سيطرتها وهوانها على الخاطفين والإرهابيين، ناهيك عن كون تلك الواقعة وذلك الفصل برمته بات مثار تندرٍ وتشكيكٍ من قبل قطاعاتٍ واسعة من الشعب المصري، رأت فيه تمثيليةً رديئة السيناريو والأداء والإخراج، وصار الكثيرون إما يلمزون أو يصرحون بالتقارب والقرابة بين جماعة الإخوان وتلك التنظيمات. كان السواد الأعظم من الشعب المصري يتوق إلى عملٍ عسكري سريعٍ وفعال، يطالب به ليثبت للناس أن مصر مازالت بخير قادرة على الحراك العسكري وحماية أمنها وحدودها، وجودها ذاته، لكن ذلك لم يحدث، فلا المخطوفون حرروا بعملٍ عسكري ولا الإرهابيون قبض عليهم.
وقبل أن يتسنى للناس نسيان هذه الواقعة المهينة المزلزلة لأية بقايا من الثقة أو الاطمئنان كانت لديهم عن دولتهم، نزلت عليهم أخبار سد النهضة وغيره من السدود التي تبنيها إثيوبيا على النيل، كالصاعقة احتلت كل الفضاء العام فصار الناس والساسة والمحللون والإعلام لا حديث لهم سوى ذلك السد، في زمنٍ صارت الكوراث تتسابق لتلحق كل منها بذيل اختها، بما يتخطى مقدرة الشعب المصري على الاستيعاب والمواكبة. غير أن الأمر، على كارثيته، ليس بهذه البساطة، فـ’الشيطان في التفاصيل’ كما يقول الأنكليز، بدأت باستقبالٍ دون المستوى، مهين للدكتور مرسي، رئيس الدولة الافريقية الأعرق، وصاحبة الدور الرائد في حركة تحرر القارة من الاستعمار، من قبل وزيرة تعدين! ثم تلا ذلك قطع الصوت أثناء إلقائه كلمته، ثم طمأنة الإثيوبيين بأن سدودهم لن تؤثر على حصة مصر، وإذ رجع لمصر يزف لنا هذه الأخبار سارع الإثيوبيون بالشروع في تحويل مجرى النهر، كخطوةٍ أولى في مشروع السد الذي يؤكد كل الخبراء أنه يهدد حصة مصر من الماء بصورةٍ مفزعة.
جو عام من التوتر والخوف من الحاضر والفزع من المستقبل، حالة لم أعهدها من قبل، ربما تحاكي جو الشدائد العسكرية التي لم أعش أياً منها، ولكني سمعت وقرأت عن حال الناس فيها، بيد أن مؤسسة الرئاسة كانت تدخر المزيد للشعب المصري، إذ لم تبخل عليهم بأسباب الترفيه حين اجتمعت بعددٍ من السياسيين لتناقش هذه الكارثة الوجودية التي تحيق بمصر، وأخذ كل يسترسل في اقتراحاته التي لم تخلُ صراحةً من توابل العبثية والبعد الفضائحي أحياناً، ثم اكتشفوا متأخراً أن الاجتماع مذاع على الهواء، يا سلام!
هذا هو التجديد الذي لم يسبقنا إليه أحد في العالم، اجتماع أمنٍ قومي سري يذاع على الهواء، نحن لسنا غير مبالين ولا نخاف من أحدٍ لنكتفي بالتسريبات، مثل أمريكا، لا وألف لا، نحن نعلن نوايانا على الملأ! وهو تجويد على حكاية ‘محطة المطار السري’ التي ذاعت بعد النكسة، ونكتة مجموعة من أهل الصعيد الذين أرادوا أن يقوموا بالجريمة الكاملة فقام نصفهم بالسرقة والنصف الآخر بإبلاغ الشرطة، وقد أعجبني أحدهم إذ لفت انتباه الرئاسة إلى ما نقص في أدائها: ترجمة اللقاء إلى اللغة الحبشية من باب التعاون والتيسير في مهرجان مسرح اللامعقول والعبث.
غير أن الحكاية برمتها لا تضحك، بل تبكي بمرارةٍ وحرقة، لقد أدهشني التوتر والسخط الذي يعيش فيه الناس، فهم يدركون بصورةٍ حادةٍ لعلها متوارثة في جينات ثقافتهم الجمعية، أن مصر من دون النيل ليست شيئاً، ولم يكن لها الا أن تكون، محض صحراء شاسعة، وأن حضارة السبعة آلاف عامٍ، تلك المقولة التي يرددونها من دون تفكير كتميمةٍ أو رقية مدينة بوجودها إلى هذا النهر العظيم، وليس هنا المجال للإفاضة في مظاهر تقديس القدماء له ولا المحدثين من العرب، الذين رأوا منبعه في الجنة ولا حسد إسرائيل وحقدها عليه.
يرى المصريون كيان مصر مهدداً، فالفوضى وغياب الأمن متفشيان، والدولة المركزية ضعيفة وغير قادرة على السيطرة، وقد اهتزت ثقتهم في مقدرة المؤسسة العسكرية التي خيبت آمالهم في سيناء، ونهرهم العظيم مهدد بالجفاف.
كل مكونات ما يعرف تاريخياً بمصر عرضة للتصدع والفناء، والأنكى من ذلك أنه بعد كل تفاصيل زيارة د. مرسي لإثيوبيا ومقترحات ومجريات الاجتماع السري- العلني بات ذلك الشعب يعي بحدةٍ ومرارةٍ أن قيادته فاقدة الكفاءة بشكلٍ تامٍ ومفزع، وأن ‘نخبه’ السياسية، تلك التي يراها تتحث في الإعلام حديثاً منمقاً يخدع البعض لتصور إن في جعبتهم شيئاً، تلك النخب (أو بعض منها) هي الأخرى ليست دون المستوى فقط، وإنما مفلسة،.
أشعر بالأسى والحزن على مصر وشعبها، كأني بهم بعد الإفاقة من غيبوبة ما يزيد على الثلاثة عقود، يصدمون دفعةً واحدة لا بحجم السرقات فقط، وإنما بمكانة مصر ودورها المهدر، يكتشفون ما تراكم من كوارث السنين، لقد قاموا بحراكٍ ثوريٍ عظيم، إلا أن ثورتهم غُدرت وسرقت ولم يحصدوا سوى الفوضى، وها هم يعيشون جميعاً في أجواء مسرحيةٍ من مسرح اللامعقول.
أشعر بالخوف كغيري من المستقبل، لذا وعلى الرغم من توفر أسباب الضحك، فإني لا أقدر عليه، ويحضرني قول المتنبي: وماذا بمصر من المضحكات ضحك ولكنه ضحك كالبكا.
‘ زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير