ضد اللاجئين: هل الوطنية اليمينيّة ممكنة في العالم العربي؟

يصعب اعتبار معظم الدول العربية دولاً مستقطبة للاجئين، نظراً لعدم تمتّع كثير منها بالازدهار الاقتصادي أو الأمن الاجتماعي أو حتى الحريات السياسية والفردية. الدول الأكثر غنى، وعلى رأسها دول الخليج العربي، اعتُبرت دولاً مستقدمة للعمالة منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن هذا تم تحت قوانين عمل وإقامة شديدة الصرامة، ضمنت عدم تحوّلها إلى «بلدان هجرة»، على خلاف معظم الدول ذات الظروف الاقتصادية المشابهة، التي يفضّل العمال الوافدون الاستقرار الدائم فيها. رغم هذا فإن الموقع الجغرافي للدول العربية «على طريق أوروبا»، جعلها هدفاً لموجات لجوء ونزوح مؤقتة، تأمل بالوصول إلى البرّ المقابل للمتوسط.
إلا أن حركات اللجوء والهجرة العالمية، لم تعد مجرد «أحداث جانبية»، مرافقة للحروب والكوارث والاضطرابات السياسية، فقد أدى النمو السكاني والتغيّرات المناخية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزمنة، بعد فشل مشاريع التحرر الوطني، إلى موجات تحرّك بشري هائلة وغير منقطعة، يبدو ضبطها شبه مستحيل، ولا يمكن بعد حساب تبعاتها ونتائجها، ولكنها ستؤدي بالتأكيد إلى تغيّرات ديمغرافية كبرى، سواء على المستوى العرقي أو العمري أو حتى الجنسي (زيادة عدد الذكور في المناطق المُستقطبة للهجرة، وانخفاضها في المناطق المصدّرة للمهاجرين)، فيما يتمحور الخلاف، بين المختصين والمتابعين، حول النتائج الاقتصادية والسياسية والثقافية لتلك التغيرات، التي لا رادّ لها، كما يرى، أو يتخوّف كثيرون.
لن يكون العالم العربي بمعزل عن كل هذا، وبعد أن كان الظن السائد أن دوله ستكوّن مُصدِّراً أساسياً للاجئين، تبيّن أنها ستصبح كذلك مُستقبِلاً لهم لفترات طويلة، وليس فقط في سياق حوادث استثنائية، يمكن اعتبارها «نزوحاً داخلياً» بين الدول العربية، مثل النزوح الفلسطيني والعراقي والسوري، بل أساساً النزوح المستمر من افريقيا جنوب الصحراء، وهو ما بدأت آثاره تظهر بوضوح في دول شمال افريقيا، مثل تونس والمغرب ومصر وحتى ليبيا.
الاستجابة العربية للمسألة ما زالت في بداياتها، ولم تشغل صدارة النقاشات العامة بعد، إلا أن هنالك استجابة ثقافية وسياسية مفاجئة بعض الشيء، بدأت تتزايد في الفترة الأخيرة، وهي ما يمكن تسميته «الوطنية اليمينيّة»، القائمة على مزيج من التأكيد على الخصوصية العرقية والثقافية والتاريخية، ومحاولة عزل الدولة المعنية عن محيطها الإقليمي، ونمط من العنصرية ضد السود وكراهية الأجانب، بناءً على استلهام عناصر من القومية اليمينيّة والشعبوية في الدول الغربية. هل يمكن بالفعل نشوء وطنية يمينيّة في العالم العربي؟ أم أن له «خصوصية» تقيه من ذلك؟

زمن الوطنيين

تُنتقد طروحات الوطنيين اليمنيين في العالم العربي عادةً على أسس تاريخية، أو ثقافية أو جغرافية، إذ من العبث محاولة فصل دول مثل المغرب ومصر عن محيطها الافريقي، المرتبط معها بعلاقات شديدة التعقيد، ليس أقلها الدين؛ أو التشابكات الحدودية والإدارية، في أزمنة الدول والإمبراطوريات السابقة، فضلاً عن القول التهكمي المتكرر بإن أهالي الشمال الافريقي ليسوا «رجلاً أبيض»، من ناحية عرقية أو ثقافية، كي يتعالوا على السود، إلا أن هذه العوامل في حد ذاتها لا يمكن أن تمنع نشوء وطنيات مغلقة، أو حتى عدوانية. اتسمت أوروبا مثلاً، أصل النزعة الوطنية والقومية الحديثة، بكثير من التشابكات العرقية والثقافية والجغرافية بين أممها الناشئة، رغم هذا أنتج نموذج الدولة القومية، المبني على أساس سيادة معلمنة ضمن حدود واضحة، كثيراً من «الخصوصيات» الوطنية. عملت الدول والحركات القومية على إنشاء مفهوم معيّن عن «شعبها» وثقافته الوطنية، ولغة أو لغات موحّدة ومعيارية له، من خلال قوعدة وتشذيب وانتقاء عناصر معينة من اللغات واللهجات الدارجة في أقاليم معينة، وجعلها لغة الدولة والتعليم والإعلام. وبذلك فإن عملية إنتاج الأمة لم تستند بالضرورة إلى تواريخ دقيقة ووقائع جغرافية جوهرية وثقافات مترسّخة، أو غيرها من «الحقائق» الطبيعية والوجودية، بقدر ما قامت على أسس سياسية/أيديولوجية.

لا يقوم صعود اليمين الشعبوي في الدول الغربية فعلياً على محاولة إعادة إنتاج الوطنية الكلاسيكية، ليس فقط بسبب الكوارث التي أدت إليها في القرنين الماضيين، بل لشدة الروابط الاقتصادية، وتدفقات رأس المال والبيانات العابرة للحدود، وقوة المؤسسات الإقليمية والدولية في العالم المعاصر.

إلا أن الأيديولوجيا القومية وحدها لا يمكن أن تبني أمماً من العدم، أنشأت القوميات الأوروبية فضاءات الوطنية بعد عمليات تاريخية طويلة، متعلّقة بالصراعات على السيادة والشرعية، والحروب الطائفية، عقب اضمحلال الإمبراطوريات القروسطية؛ وبالتأكيد على أساس بروز طبقة بورجوازية، عملت على تأسيس سوق وطنية موحّدة. فضلاً عن هذا نجحت القوميات الناشئة بتقليل الفوارق تدريجياً بين المدينة والريف؛ المركز والأقاليم و»الهوامش»، عبر تمدين الريف والأطراف، ورسملة الزراعة والعلاقات الزراعية، فأدمجت مختلف فئات ومناطق الأمة في «ماكينة» واحدة، يراها بعض المؤرخين ماكينة اقتصادية/حربية. الدول التي لم تنجح بتحقيق عملية إدماج مكتملة، مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا، ما زالت تعاني حتى اليوم من صراعات اجتماعية تمزّق جسد «الأمة».
يبدو حال كل الدول العربية نموذجاً شديد الوضوح عن الفشل في الإدماج الوطني، وقد ورثت عن حقبة الإمبراطوريات القديمة، ومن ثمّ الاستعمار، ما لا يحصى من المشاكل الإثنية والمناطقية والطائفية والحدودية، التي عجزت حركات التحرر الوطني المحلية عن حلّها، فضلاً عن تعثّرها في التعامل مع المسألة الزراعية وقضية «الهوامش»، وإعادة إنتاجها لـ»التفليح» و»التطريف» بشكل بنيوي. كل هذا يجعل التفكير بنشوء وطنية يمينيّة فيها، على الطراز الكلاسيكي، عبثياً إلى حد كبير. وفي كل الأحوال فقد فاتت فرصة إنشاء هذا النوع من الأمم في معظم أرجاء العالم، ومن الصعب تخيّل أمة مغربية أو مصرية، تخوض صراعات عدوانية مستمرة مع أمم مجاورة، لأجل مصالح بورجوازية محليّة تبغي التوسّع وضمان الاحتكار، فصراعات هذا النوع من الدول تكون داخليّة وأهليّة غالباً، حتى لو كانت عابرة لحدودها المحلية، أو مؤديّة لصدامات عسكرية مع دول مجاورة، وإن كان ذلك لا يمنع من نشأة نمط من العنصرية الشعبية، أو حتى المنظّمة، بحق الأجانب أو أصحاب لون البشرة المختلف.
لا يبقى إلا الشكل المستجد للوطنية اليمينيّة في الغرب، أي ما يمكن تسميته «الوطنية الهوياتية»، والذي يبدو أن الدعوات اليمينيّة العربية الحالية محاولة لاستنساخه، ربما من غير اتقان كبير.

كاركاتير الهوية

لا يقوم صعود اليمين الشعبوي في الدول الغربية فعلياً على محاولة إعادة إنتاج الوطنية الكلاسيكية، ليس فقط بسبب الكوارث التي أدت إليها في القرنين الماضيين، بل لشدة الروابط الاقتصادية، وتدفقات رأس المال والبيانات العابرة للحدود، وقوة المؤسسات الإقليمية والدولية في العالم المعاصر. عندما تصل حكومة يمينيّة إلى السلطة في دولة غربية، مثل بريطانيا أو إيطاليا أو حتى المجر، لا يمكن أن تنسى أنها في النهاية عضو في حلف الناتو، ومستفيدة من عدد كبير من الاتفاقيات الاقتصادية الأوروبية أو الأطلسية. لقد ولّى العصر الذي تحصّن فيه بورجوازية ناشئة حدودها المحلية، كي تحتكر سوقاً وعمليات إنتاج محدودة في بلد واحد. في هذا الشرط، تبدو الوطنية الشعبوية شكلاً من أشكال سياسات الهوية، التي يتقاسمها اليسار واليمين الغربي، والقائمة على محاولة إنشاء هرمية فئوية، بناءً على نمط الحياة، أو المظلمة التاريخية، أو الخصوصية الثقافية، للمطالبة بالحصول على مكاسب لهوية أو هويات معينة، ضمن سوق شاسع يتجاوز أي حدود وطنية. وهو ما يمكن اعتباره ظاهرة من ظواهر العولمة، التي ينشأ فيها دائماً نوع من «الحويصلات» Vesicles المحلية والفئوية. وفي عصر أزمة العولمة، وتقصير سلاسلها ونزع بعض هياكلها، من المتوقع أن تزداد تلك الحويصلات انتفاخاً. الوطنيون العرب الجدد يحاولون إنتاج «حويصلتهم»، بناءً على خيال تاريخي وثقافي كاركاتيري غالباً، لأن الهوية التي يحاولون «نبشها» ضعيفة التجّذر بشدة على المستوى الثقافي.

نحو مخيّلة جديدة

ارتبط الخيال الوطني والقومي الشعبي في العالم العربي، منذ نشأته، بمبدأ التحرر الوطني و»حق الأمم في تقرير المصير»، وبالتالي فهو خيال يمكن نسبه للقومية «اليسارية» أو «التحررية»، رغم كل الجرائم التي ارتكبتها الدول والحركات القومية والإسلامية العربية. رَبَطَ ذلك الخيال نفسه دائماً بدوائر عالمية تضامنية واسعة (عروبة، إسلام، افريقيا، آسيا، دول عدم الانحياز، إلخ). وبعد نهاية عصر التحرر الوطني، فشلت معظم محاولات إعادة بناء الهوية الوطنية، وتم تأجيل المسألة مع تقدّم العولمة، ومحاولات الاندماج الواعي بها.
لن يكون استلهام الوطنية الهوياتية الغربية مجدياً على الأغلب، ليس فقط لكاركاتيرية التصورات الشعبوية العربية وعدم تجذّرها، بل أيضاً لأن ذلك النموذج عاجز، في دول منشئه نفسها، عن التعامل مع مسألة موجات الهجرة واللجوء الكبرى، ولا يقدّم، في إشكاله الأكثر تطرفاً، إلا وصفات اقتتال محلي، لن يوقف الهجرة الواسعة فعليا، ولا توجد جهة مستعدة لخوضه حالياً، حتى اليمين نفسه. ربما كان الأجدى البحث عن مخيّلة جديدة في التعاطي مع التغيّرات الكبرى، التي يفرضها واقع التحرّك البشري عبر الحدود الدولية الحالية، وهي مخيّلة غير محددة العناصر بعد، ولكن بالتأكيد لن يُلهمها تحضير أشباح الوطنية.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية